عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 11 كانون الثاني 2025

النباتي

محمد علي طه

وروى الراوية: بعد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوف أقص عليكم ما نسي أبو حيان التوحيدي أن يكتبه في "الإمتاع والمؤانسة".

في الليلة التاسعة، وفي حديثه عن الغاب والذئاب والكلاب قال: للغاب أشجاره ونباتاته وحجارته وحيواناته وطيوره، وفي ظل كل شجرة رواية، ووراء كل حجر قصة، ولكل حيوان مغامرة، ولكل طير أغرودة، واعتاد الإنسان أن يزعم بأن الظلم يتناسل في الغابات كما تتناسل الأرانب، وأن يتناسى ما يرتكبه بحق أخيه الإنسان وبحق الأشجار والأزهار والحيوانات والأطيار. وأن يهز للحظات هامته هزات عمودية وهو يقرأ ما قاله فيلسوف الشعراء، وشاعر الفلاسفة، أبو العلاء المعري:

قد فاضت الدنيا بأدناسها على براياها وأجناسها

وكل حي فوقها ظالم وما بها أظلم من ناسها

ثم يهز هامته هزات أفقية لدقائق.

هل سمعتم يا سيداتي وسادتي ما تقوله أغصان السنديانة وما تحكيه أفنان البلوطة وأوراق السريسة، وما تخفيه عيدان الخروبة وأزهار القندولة وما أسرار الزعرورة؟

كان هذا حينما اجتاح المغول بغداد ورموا الكتب والقراطيس في مياه دجلة والفرات.

لا تصدقوا الطبري وابن الأثير وما رواه الأمير، فالتاريخ شهادة زور. ما اجتاح هولاكو بغداد ولم يفعل ابن العلقمي فعلته. معاذ الله. وأظن أن الغاب سكنت رياحه، ومات حفيف أوراقه، وصمتت أفنانه عندما وقف الذئب خطيبا:

سلام عليكم لا وفاء ولا عهد

أما لكم من هجر أحبابكم بد

لي ذنب مثل الرشاء أجره

ومتن كمتن القوس أعوج منتد

يقضقض عصلا في أسرتها الردى

كقضقضة المقرور أرعده البرد

ودعا حيوانات الغاب إلى اجتماع طارئ، لم يعلن عن هدفه، فلبت الدعوة الحيوانات آكلة النباتات، صغيرها وكبيرها، من الأرنب حتى الثور، كما لبت الدعوة بعض آكلة اللحوم مثل ابن آوى وابن عرس، وتخلف الذين لا يقدرون قوته مثل الأسد والنمر والفهد والدب في حين وقف الضبع (أو وقفت الضبع) محتارا مترددا أو محتارة مترددة إلى أي الفريقين ينحاز أو تنحاز لأنه أو لأنها لم يحدد أو تحدد جنسها، ذكرا أو أنثى كما جاء في القاموس، وأما الثعلب فقد وقف وراء الذئب وأبدى فرحه وسروره وهو يستمع إلى سيده الذئب.

جاء الثور والتيس والشاة والحصان والحمار والغزال والأرنب والسنجاب ووقفوا وراء الثور وعلى بعد قصير منه في حين وقف القط على يسار المجموعة ووقف الكلب على يمينها.

وقف الذئب على نشزمن الأرض ونظر إلى الأمام ثم إلى اليمين فاليسار. تفقد الحيوانات الحاضرة وقد أعجبه حضور الثور فحياه ولم يغضب ولم يبد استياء لأن الثور تجاهل تحيته.

ويبدو أن الذئب وبمساعدة الثعلب بذلا جهدا في نشر الدعوة للاجتماع.

عوى الذئب عواء خفيفا فعواء عاليا وقال: يا أبناء الغاب. دعوتكم إلى هذا اللقاء الفريد كي أعرض أمامكم وعلى مسامعكم قراري الحاسم الشجاع الذي له الأثر الكبير على حياتي وحياة كل فرد منكم معشر الحيوان، سواء كان ذكرا أو أنثى، كبيرا أم صغيرا.

عرفت في حياتي القوة والغدر والبطش، والشبع والجوع، واستعملت أساليب عديدة في افتراسي للخرفان والشياه والحمير والغزلان والأرانب والسناجب.

يقول الراوية: كان الذئب إذا دنا من مرعى وشاهد قطيعا من الغنم أعوى صوتين أو ثلاثة أصوات ثم سكت لفترة منصتا لنباح الكلاب التي تحرس الأغنام كي يختار الناحية الخالية منها فيغير على القطيع ويخطف الحمل أو الشاة.

وكان الذئب إذا رأى إنسانا يسير بخطوات بطيئة واثقا من نفسه سكت عنه فإذا سمعه يغني كي يطرد خوفه حمل عليه.

وتابع الذئب في خطابه:

أعترف بالعداوة الشديدة مع الثور النطاح الذي لا أقدر على مصارعته ولا يقدر على طرحي أرضا.

خار الثور خوارا عاليا محتجا على كلام الذئب.

فتابع الذئب:

وبعد تفكير عميق، في النهار وفي الليل، قررت أن أتحول إلى حيوان نباتي. أن أعتمد في حياتي على الأعشاب التي تملأ السهول وسفوح الجبال ومجاري الوديان. أن آكل البرسيم والشعير. وقد استشرت خبراء التغذية فأخبروني أن النبات مريح للمعدة ومفيد للجسم ويغني عن اللحم وهو مريح للأسنان وللأمعاء أيضا. وقالوا لي: يا أبا سرحان أنظر إلى الغزال وإلى حمار الوحش وإلى الحصان وغيرهم من الحيوانات التي تقتات بالعشب الذي يملأ الأرض، وتعتاش على ما يزرعه عدوي وعدوكم في حقوله ومزارعه، هل تأملت جمال هذه الحيوانات وقوة أبدانها؟

وأقسم لكم بشرفي الذي تعرفونه أن أكون نباتيا منذ الآن وأكتفي بالنبات في فطوري وغدائي وعشائي. سوف أرعى في الحقول وفي السهول وفي سفوح الجبال. ولن آكل لحما ولن أقضقض عظما بعد الآن. يا معشر الحيوان أنا ذئب نباتي. أرجوكم انشروا هذا الخبر وعمموه، وأعطوه للنسيم وللريح.

صفق الثعلب وقال: صفقوا صفقوا!!

فنبح الكلب وماء القط مواء بدون مراعاة للكلب.

خار الثور خوارا عاليا داحضا كلام الذئب.

وصهل الحصان صهيلا طويلا كأنه يقول: لا يهمني قرارك.

ونهق الحمار فصرخ حيوان آخر: إصمت يا أنكر الأصوات.

وانفض حاضرو المؤتمر الصحفي وتفرقت الحيوانات في الغاب.

وركضت على السفوح.

ولعبت في الوادي.

ورعت الأعشاب الخضراء واليابسة.

واجتر العنز العشب كما آجتر الغزال والشاة العشب أيضا.

ورقص البعض وغنى فما أجمل الحياة إذا توفر الطعام والماء والأمن.

وجاءت الحيوانات فرادى وزرافات إلى نبع الماء.

جاء الحمار وشرب ونهق وبرطع.

جاء الحصان والمهر والفرس فشربوا وصهلوا.

جاء الثور فشرب وخار خوارا ملأ الوادي.

وغابت الشمس وبزغ القمر ثم أفل ثم أشرقت الشمس.

وغردت العنادل وصدحت الحساسين وثغت الشاة ونهقت الأتان وماءت الهرة ومر يوم فأسبوع فأسبوعان.

وسأل الجدي أمه العنز: أين الذئب الذي يحب لحم الماعز؟

وسأل الحمل أمه الشاة: أين الذئب الذي يحب لحمنا؟

وتساءلت الجداء والحملان: هل الذئب صادق في قراره؟

وأجابت الشاة ثم العنز: صار الذئب نباتيا وأقسم بشرفه فصدقوه.

وفيما هم يتناقشون أقبل الثعلب هاشا باشا وقال: يا معشر الحيوان، زرت صباح اليوم الذئب فوجدته يقضي وقته بالصلاة وبالعبادة، ولاحظت نحول جسده لأنه غير معتاد على أكل الأعشاب. لقد تغير الذئب. وسبحان الله الذي يغير ولا يتغير.

فرحت الحيوانات وغنت ورقصت.

أقبل الثعلب في الغداة إلى نبع الماء فوجد الحمار والحصان والغزال والشاة والتيس والثور وحيوانات أخرى عديدة فوقف على نشز وقال: يا إخوتي، معشر الحيوان، جئت إليكم أمس ببشرى لا مثيل لها عن زهد الذئب وعبادته، وقد مررت في ضحى اليوم فوجدته يصلي وبجواره حزمة برسيمقد أفطر بقسم منها وترك الباقي لغدائه.

ما رأيكم يا معشر الحيوان أن يرافقني البعض لزيارته كي نخفف عليه وحدته؟

وافقت جماعة الحيوان على اقتراح الثعلب فصهل الحصان وسأل: من منكم يا أحباب سوف يزور الذئب ويطمئن على صحته ويعود إلينا ناقلا ما شاهده؟

نهق الحمار وقال: أنا أول الزائرين، ولا حاجة لمرافقة الثعلب لي.

صهل الحصان موافقا وغار الثور وثغى التيس ونبح الكلب وماء القط.

أجمع مجلس الحيوانات على زيارة الحمار للذئب قبيل المساء فحرك الحمار أذنيه ونهق وقال:

يا معشر الحيوان. تعرفون ما أعانيه في هذه الحياة. يمتطيني الإنسان، يمتطيني الرجل والمرأة والصبي والفتاة، وأحملهم من مكان إلى مكان، إلى الحقل والمزرعة، إلى الطاحونة والسوق، وأحمل بضائعهم على ظهري، وأنقلها إلى بيوتهم وإلى أسواقهم، وأحرث أرضهم، وافعل ما يشاءون، وعلى الرغم من ذلك يضربونني ويشتمونني حتى صار اسمي شتيمة فإذا سب أحد الناس خصما له نعته بالحمار. تعال يا حمار. إخرس يا حمار. وأنا صابر صبور لا أعاند ولا أعارض ولا أتذمر. وعلى الرغم من هذا الشقاء فأنا أحب الحياة. ومن أجل هذا الحب ومن أجلكم يا إخوتي معشر الحيوان قررت أن أغامر وأزور الذئب. والذئب والضبع هما عدواي اللدودان كما تعرفون.

أصارحكم بأنني لست واثقا ثقة تامة بقسم الذئب. فقد قال الحكماء إن الطبع يغلب التطبع. وطبع الذئب الغدر. ومن عاداته أن يفترس الحمار والحمل والعنز والشاة. ولكن سوف نجربه. أنا ذاهب.. ذاهب إلى زيارته.

حمل الحمار هدية من العشب.

فودعته الحيوانات وتمنت له رحلة موفقة وعودة سالمة وسار الحمار إلى بيت الذئب.

وفي صباح الغد اجتمع مجلس الحيوان عند النبع. شربوا ولعبوا وانتظروا عودة الحمار.

وتساءلت الحيوانات عن تأخر الحمار لحضور المجلس.

لم يشكوا بسلوك الذئب.

أجمع أعضاء المجلس أن الذئب أقسم بشرفه وصار نباتيا ولن يغدر بالحمار ولا بد من أن يذهب أحدنا لزيارة الذئب والسؤال عن غياب أخينا الحمار.

قال البغل: الحمار خالي وصديقي ولا بد من أن نطمئن عليه واقترح أن يذهب الغزال إلى بيت الذئب ليعرف مصير الحمار ويتأكد إذا ما كان الحمار في ضيافة الذئب أو إذا ما كانالذئب قد حنث بقسمه وعاد إلى طبعه القديم وعندئذ سوف يهرب الغزال وهو سريع العدو.

أعجب الجميع باقتراح البغل، وطلبوا من الغزال الجميل أن يقوم بالمهمة.

تردد الغزال وحاول أن يتملص إلا أنه رضخ إلى إجماع معشر الحيوان وقال: حمدا لله الذي خلقني جميلا حتى تغزل شعراء بني الإنسان بجمالي وشبهوا الجميلات من نسائهم بي. منحني الله الجمال وسرعة العدو. إلا أن الذئاب تحب لحمي. ومن أجلكم سوف أغامر وأسافر إلى الذئب.

اجتمعت الحيوانات في صباح الغد عند نبع الماء ولم يحضر الحمار ولم يحضر الغزال.

قال البغل: يا معشر الحيوان. أظن أن الذئب حيوان مضياف ولا شك بأنه استقبل الحمار ثم الغزال في بيته وقدم لهما البرسيم والعشب الأخضر والشعير وهما الآن يرتعان وينعمان في ضيافته. فمن سيكون الضيف الثالث؟

صمت الجميع.

قفز الثعلب ووقف خطيبا: نحن أبناء الغابة. نحن أبناء الحرية ونحن جمال الطبيعة ورونقها. أقترح أن يذهب الحمل الوديع الجميل ويسأل عن الأخوين الحبيبين الحمار والغزال.

قال الحمل: شكرا لك يا ثعلب على هذا المديح ولكن جمالي لأمي وأبي وللغابة. وأما السؤال عن مصير الحمار ومصير الغزال فلا يحتاج جمالا. أنا يا سادتي أعتذر عن السفر لأني لا أستطيع أن أفارق أمي.

هز الثعلب رأسه هزات عمودية وسأل: ما رأي الجدي الأسمر؟

فأجاب الجدي: الذئب حيوان مهيب فمن الأفضل أن يعوده حيوان قوي يليق بمقامه. أقترح أن يزوره الدغفل نيابة عن الجميع.

لوح الفيل بخرطومه وقال: رأي الجدي سديد. وأنا أحترمه ولكن احتراما للذئب أقترح أن يذهب العجل نيابة عن أبيه الثور وعنا جميعا.

خار الثور وقال: إذا كان لا بد ممن لا بد منه فلن توافق البقرة على ذهاب ابنها العجل. وبما أنني أحب البقرة وأحب ابني العجل قررت أن أذهب نيابة عن الجميع.

أنا لها.. أنا لها. أنا الثور النطاح ذو القرنين الطويلين.

وسار الثور بمهابة.

وبعد ساعة وربما أكثر قليلا وصل إلى مقربة من بيت الذئب فوقف وخار ونادى: يا ذئب.

ولم يسمع جوابا.

فصرخ: يا ذئب. يا ذئب.

رد الذئب: نعم. يا أخي الثور.

- أنادي منذ لحظات ولا تجيب. ماذا جرى لك؟ هل تغيرت قوانين الغاب؟

- كنت أصلي.

تقدم الثور من بيت الذئب فشاهد على التراب جمجمة الحمار وجمجمة الغزال فسأله: ما هذا يا ذئب؟ ألم تقسم بشرفك بأنك صرت نباتيا؟

- أجل يا أخي الثور. لقد أفطرت اليوم رزمة برسيم وتغديت صاع شعير.

- أأنت صادق فيما تقوله؟

- نعم. نعم وشرفي.

- ومن افترس الحمار والغزال؟

- رفيقة عمري الذئبة.

ويقول الراوية: إن إناث الحيوان جميعها أقل جرأة من ذكورها ما عدا الذئبة فإنها أصعب خلقا وأجرأ من الذكور.

وسأله الثور:

وماذا كنت تفعل حينما كانت الذئبة تنهش لحم الحمار وتمضغ بمتعة لحم الغزال؟

فأجاب: كنت أناولها الأعضاء عضوا فعضوا.

- وماذا عن شرفك الذي أقسمت به؟

- يا سيدي الثور. أقسمت بشرفي إلا أن رفيقة العمر لا علاقة لها بقسمي.