عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 09 حزيران 2024

شو بدك يا شاطر؟ إلى شفيق جهشان (2-2)

محمد علي طه

ما أشبهنا بمياه الأردن التي تدفق من الشمال إلى الجنوب ولكننا قررنا الرحيل شرقا فشمالا فغربا فجنوبا.

هي رحلة صعبة.

رحلة العودة إلى الوطن.

العودة إلى البيت.

العودة إلى الفراش الدافئ.

العودة إلى الداخون. إلى الوجاق. إلى جمر السنديان. إلى السهر والسمر وأكل الكستنا والزلابية.

إلى الجلوس تحت أشعة الشمس الدافئة في ساحة بيتنا ومراقبة دجاجات روزا وديكها الصياح. وجمع البيض من القن.

إلى سماع هديل الحمام من برجه قرب التوتة.

إلى سماع صوت جارتنا فوزية وهي تهلل لوليدها بصوتها الحنون: نام يا عيني نام، تذبح لك زوج الحمام، يا حمامة لا تصدقي، بضحك على سامي تينام.

ولا نقدر أن ننام.

قالت أمي لجارتنا أم رمزي: وضعوا المعلوم في جيب الضابط.

وعبرنا الجسر في طريقنا إلى عمان.

نزلنا في فندق في عمان ونمنا فيه ليلتين.

نمنا وشبعنا نوما دافئا مريحا كما استحممنا بالماء الساخن والصابون.

اشترى والدي لنا طعاما من السوق كما اشترى لنا خبزا طريا وحمصا وفولا من أحد المطاعم.

كان الطعام لذيذا ذكرنا بمطبخ والدتي.

وكانت المفاجأة الجميلة عندما أعلن صاحب الفندق وهو رجل فلسطيني من مدينة يافا أننا ضيوفه ولن يتقاضى أي مبلغ مقابل إقامتنا.

قالت أمي وهي حكيمة القافلة: لا يحن على العود إلا قشوره.

ركبنا في الشاحنات في صباح يوم أشرفت شمسه وبقي برده.

وسارت القافلة إلى سوريا.

وصلنا إلى درعا. وبعد يومين كنا في دمشق حيث قضينا يوما فيها.

وتوجهنا إلى لبنان.

شاهدت الثلج الأبيض لأول مرة في حياتي. كان الأبيض الناصع يغطي الجبال. ولم يسمح الآباء لنا ان نترجل من السيارات ونقفز على الثلج الذي على جانبي الطريق. قال والدي: هذا ظهر البيدر. لن أنساه. الثلج الأبيض الناصع مثل القطن. أرض على مد النظر مغطاة بالثلج.

كانت الطريق شاقة وعرة صعبة.

صعدنا وهبطنا.

عرفنا البرد. وعرفنا الجوع. وعرفنا الخوف.

وشاهدنا القلق والرعب في عيون أمهاتنا.

هي رحلة الشرق الأوسط.

هي رحلة العودة من يارون إلى المغار فرحلة الإبعاد إلى جنين فنابلس فعمان فدرعا فالشام فجبال لبنان فبيروت.

هذه بيروت.

نحن في بيروت.

لا أصدق.

مررنا بثلاث عواصم عربية.

مررنا كي نعود إلى الجليل. إلى قريتنا الجميلة. إلى بحر الزيتون الممتد عند قدميها. إلى التوتة وبرج الحمام. إلى دجاجات أم مجيد والديك الصياح. وساحة الدار. إلى الحواكير حيث الخرفيش والقريص والخبيزة والعلت والقرصعنة والسميميخة. حيث البلبل والدويري والحلاج والشحرور.

نعود إلى المغار النائمة على صدر جبل حزور وتغمز بعينها اليسرى نوارس بحيرة طبريا. وتداعب يمام المجيدل. وتغني للنحل الذي يمتص رحيق أزهار الصبار الذهبية.

لا صبار يعلو على صبار قريتنا.

قريتنا هي قرية الزيتون والصبار، وهما رمزان فلسطينيان. لا أحد يستطيع القضاء على الصبار. ولعل الصبر جاء من الصبار ولعل الصبار جاء من الصبر.

لا يهم. نحن نؤمن بأن الله مع الصابرين. ونؤمن بأن الصبر نعمة من الخالق.

والزيتون شجرة مقدسة.. ولا زيتون يعلو على زيتون وزيت بلدتنا.

نحن في بيروت المدينة الكبيرة. أجسادنا هنا وقلوبنا هناك. بيروت الصاخبة والشوارع المعبدة والسيارات والعمارات العالية والحوانيت الكبيرة والصحف والمطاعم والمقاهي ودور السينما والرجال الذين يرتدون البذلات وربطات العنق والطرابيش والنساء الأنيقات وأحمر الشفاه والملابس العصرية وقلبي في حاكورة في المغار.

قلبي على غصون التوتة.

قلبي مع أزهار الصبار الذهبية.

قلبي مع أسراب الحمام وأسراب الدوري التي تقفز على البيادر.

خذوني إلى المغار.

خذوني إلى جبل حزور

خذوني إلى القرية التي تغازل بحيرة الجليل.

دير بالك يا شفيق على أختك. دير بالك على جورجيت.

قالتها أمي عدة مرات. قالتها والحزن ينبع من عينيها السوداوين الواسعتين. قالتها والأسى يتدفق من وجهها الصبوح.

كانت تضم جورجيت إلى صدرها وتشم شعرها وتقبل وجنتيها وعنقها وراحتيها ثم تتجه إلي وتضمني وتقول والدموع تتدفق من عينها "دير بالك على أختك".

تتركنا بتثاقل وتسير خطوة فخطوتين فثلاث خطوات وأنا واقف مشدوه أنظر إليها ثم تعود وتضم جورجيت وتقبلها ثم تقول لي: دير بالك على أختك يا يما. وتحتضنني وتبكي.

لا أعرف كيف جمدت الدموع في عيني. بكى قلبي. بكى عقلي. بكى جسدي. ولم تنزل دمعة واحدة من عيني.

يتركنا أبي في بيروت. يتركنا في الدير. يتركنا يتيمين ويعود إلى الوطن.

يتركني وجورجيت.

تتركنا أمي.

يتركنا نجيب. تتركنا روزا.

دير بالك على أختك!

يحملونني مسؤولية الأخ على الأخت الصغيرة.

مشيا مع القافلة.

وتركانا في الشويفات.

تركا جورجيت الملاك الصغير.

تركاها لي كي أدير بالي عليها.

أنا اخوها وأمها وأبوها منذ اليوم.

ضيعني أبي صغيرا.

ضيعوني صغيرا وحملوني مسؤولية أختي.

الطريق إلى البلاد خطيرة. صعبة كما قال أبي. جنود وقطاع طرق. سوف نسير في الليل في الوعور. بين السنديان والسريس والشوك.

 اتفق رجال البلدة على ان نسافر من هنا إلى يارون بالسيارات ومن هناك نعبر ليلا إلى الوطن مشيا على الأقدام.

هذا السفر الشاق لا يقدر عليه الصغار.

اتفقنا مع المسؤولين عن الدير على بقاء الأولاد الصغار في الدير لفترة ما حتى تهدأ الأمور وعندئذ نعود ونأخذكم إلى الوطن. نحن نريد سلامتكم. نحرص على حياتكم. سوف تبقون في الدير برعايةالراهبات مثل بقية الأولاد حتى نعود ونأخذكم.

ولكن الراهبة القاسية، الراهبة المسؤولة قالت غير ذلك.

قذفت سمها علي في صباح عيد الميلاد. كنا نسير في الطابور. واحدا وراء واحد ونمر أمامها. يتامى من بيروت وصيدا ويتامى من مدن وقرى لبنانية، وصغار من المغار، من فلسطين.

حينما وقفت أمامها ناولتني خمس قطع بسكويت هدية العيد. وسألتني من أين أنت يا صبي؟ أجبتها: من المغار. من فلسطين. فنظرت إلي نظرة اشمئزاز وقالت: "فلسطيني!! الكلاب تترك جراءها وتنصرف". وبصقت في الهواء.

لم أتحمل الإهانة. أنا لست جروا وأهلي ليسوا كلابا. سقطت قطع البسكويت من راحتي ومشيت ذليلا فشاهدت الراهبة المسؤولة ذلك فصرخت: قف جانبا وانتظرني!

وقفت جانبا.

ماذا تريد مني؟ أي عقاب ينتظرني؟ تشتمني وتشتم أهلي وتريد أن تعاقبني؟

مرت دقائق مثل نهار طويل وانا واقف.

ومر أولاد كثيرون أمام الراهبة المسؤولة يأخذون قطع البسكويت.

مدت إحدى الراهبات المساعدات راحتها وقبضت على ذراعي وجرتني. وأمرتني أن أصمت. لا تتحرك. لا تلفظ كلمة واحدة ولا تخرج اهة.

وعندما انتهت الراهبة المسؤولة من توزيع البسكويت خرجت من القاعة.

ويبدو انها نسيتني.

اخذتني إحدى الراهبات وسقتني الماء وأطعمتني خبزا وقالت لي: أنقذتك من عقاب قاس. كانت ستضربك بقسوة كأنك كيس من القطن. أو حزمة حطب. شكرا للرب لأنها نسيتك. هذه قاسية وقد تعاقبك بالتجويع وبالضرب الشديد.

لا تعرف هذه الراهبة مأساتنا. ويبدو أنها تجهل ما حدث لشعبنا. يبدو أنها لم تسمع بالمجازر التي حدثت؟ ولم تقرأ عنها؟ ولم تسمع بالطائرة التي قصفت الأولاد في قريتنا؟ ولم تشاهد عويل الأمهات اللاتي فقدن أولادهن من قصف الطائرات؟ ولا تعرف ما حدث لأم ميلاد؟ هل تعرف هذه الراهبة القاسية أن امرأة حاملا من بلدتنا وضعت مولودها عند جذع السريسة في أثناء فرارها من قصف الطائرات؟

هذه الراهبة المسؤولة لم تشاهد دموع أمي وهي تودعنا مرغمة. ولم تسمع كلامها الممزوج بالدمع وهي توصيني: دير بالك على أختك!

هل يعرف العالم ما حدث لأهلي؟

هل سمع العالم ما حدث لأهل طبريا في أثناء سقوط مدينتهم الجميلة؟

جمع جنود اليهود من بقي من عرب طبريا ووضعوهم في ستين شاحنة، وفي كل شاحنة ستون إنسانا ورحلوهم إلى مدينة الناصرة. وتركوا السكان اليهود ينهبون البيوت العربية. ينهبون الغالي والنفيس حتى أتوا على الرخيص.

تركونا في الدير شفقة علينا. حرصا على أرواحنا. تركونا حتى تهدأ الأوضاع ثم يعودون ويصطحبوننا إلى المغار.

اعتقدوا أن الدير ملجأ آمن.

لم يحسبوا حسابا لمن يشتمنا ولمن يهيننا.

عرفنا في الدير الجوع والبرد والوسخ والظلام.

لو كان والدي يعرف أن ابنه وابنته يعيشان حياة الكلاب السائبة ما تركاهما هنا.

لو كان والدي يعرف أنني سوف أشتهي لقمة خبز طرية ما تركني هنا.

ولو كان والدي يقدر أن طعامي، غذائي وعشائي صحن معكرونة فقط لا غير خاليا من اللحم ومن الدسم ما تركني في الدير.

لا أعرف طعم الخضار. نسيت طعم البندورة والخيار والكوسا والباذنجان.

صارت الفراخ واللحمة في الخيال. ولا يصل الدسم إلى مطعم اليتامى. نحن نفطر خبزا حافا مع كأس شاي.

ونتغذى معكرونة وخبزا.

ونتعشى معكرونة وخبزا.

نظرت أمس في المرآة فلم أعرف نفسي.

صار جسدي عظاما يكسوها جلد له لون الكوسا في تشرين.

جلد أصفر جاف.

جلد ناشف.

أشتهي خبز أمي وطبيخ أمي.

أحلم بصحن شوشبرك. أحلم بصحن مجدرة مع صحن لبن ماعز. لا أريد لحما، لا أريد شواء، لا أريد كفتة، لا أريد كبة نيئة. أريد صحنا من البامياء، من الباذنجان، من الكوسا، من اللوبيا، من العدس، من العلت، من الخبيزة.

كرهت المعكرونة.

مرت سنوات وعقود وكبرت وتزوجت وما زلت أكره المعكرونة ولا أذوقها.

هذه الأكلة تذكرني بالنكبة وبالغربة وبالذل وبالجوع وبالراهبة القاسية التي وصفت أهلي بالكلاب.

كلما شاهدت صحنا من المعكرونة على مائدة، في مطعم أو على مائدة جار أو على مائدة صديق أو حتى في التلفزيون أكاد أتقيأ. وأشعر أن سربا من القمل يغزو رأسي وظهري وأبدأ أحك وأحك كأن الجرب غزاني من جديد.

كانت أمي، تغسل شعر رأسي وجسدي بالماء الساخن وبصابون الزيت المصنوع من زيت زيتون المغار الصافي الخالي من العكر. لا صابون صحيا مثل صابون زيت المغار. هذا الصابون الذي نشتريه اليوم من الحانوت أو من السوبر ماركت أو من الصيدلية لا يعادل صابون زيت الزيتون الصحي. وأما في الدير فكنا نستحم بصابون له رائحة زنخة مثل رائحة السمك الفاسد.. صابون يجلب القمل والسيبان لشعر الرأس وللجسد.

غزا الحزاز جلدة رأسي فقررت الراهبة حنه أن يحلق الحلاق شعر رأسي بالموسى، يعني على الصفر.

كانت الراهبة حنه حنونة، تعطف علينا وتهتم بصحتنا، وتحرص ألا نصاب بالعدوى.

ما كنت الصبي الأقرع الوحيد.

قررت راهبات الدير أن يحلق الحلاق شعر رؤوس جميع الصبيان على الصفر كما يقال.

ما عرفت أختي جورجيت عندما قابلتها وشاهدتها حليقة شعر الرأس أيضا.

أوصتني أمي: دير بالك على أختك.

أختي صلعاء.

أختي قرعاء.

غزا الحزاز رأس أختي ذا الشعر الأسود الطويل والجديلتين اللتين كانتا تنسدلان على ظهرها.

هذه ليست جورجيت.

لن تعرفها أمي لو شاهدتها.

معذرة يا روزا ما استطعت أن أمنع الحزاز عن رأس جورجيت.

ليتني لم أرها بهذه الحالة البائسة.

وليت أبانا طانيوس لم يستعمل نفوذه عندما طلب من الراهبة المسؤولة عن قسم البنات أن تسمح لي بمقابلة جورجيت.

أبونا طانيوس، كاهن جدير بلقبه وبمكانته. رجل ذو وجه بشوش تمرح الابتسامة دوما عليه. وضع الله في قلبه نبعا من الحنان والمحبة. كان يحب الجميع ويعطف على الجميع ويساعد الجميع.

تعلق قلبي به منذ شاهدته في صباح ذلك اليوم في كنيسة الدير. وتقربت إليه. وداومت على الصلاة معه في كل يوم أحد وفي جميع المناسبات الدينية.. في كل قداس. حبب إلي الصلاة.

سمعني ذات يوم وانا أصلي "أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأتي ملكوتك، كما في السماء كذلك على الأرض، أعطنا خبزنا كفاف يومنا وأغفر لنا خطايانا، كما نحن نغفر لمن أساء إلينا، ولا تدخلنا في التجربة، ولكن نجنا من الشرير، لأن لك الملك والقدرة والمجد إلى أبد الدهور، آمين" فأعجبه صوتي. واحتضنني وسألني عن اسمي وعن أصلي فلما عرف أنني من المغار قال بصوت حنون: من فلسطين. من بلد السيد. وقبل جبيني.

وفي مرة أخرى تعمدت أن يسمع صوتي وأنا أصلي "السلام عليك يا مريم. يا ممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك يسوع" فدعاني إليه بعد القداس، وسألني عدة أسئلة وطلب مني أن أقرأ فصلا من سفر أعمال الرسل.

وأعجب بقراءتي. وقربني إليه. ولولا صغر سني لكنت شماسا. إلا أنه كان يسمح لي أن أكون بجوقة الكنيسة. وكان أحيانا يطلب مني أن أقرأ على مسمع من الجميع فصلا من أعمال الرسل.وقد خصني ذات مرة في العيدبخمس حبات ملبس. مثل بيض الحمام. فسألته أن أهدي أختي جورجيت ثلاث حبات منها. فنزلت الدمعة من عينيه.

الملبسة شيء نادر وثمين في الدير. في حياة التقشف. وحياة اللا موجود.

كان بعض الصبيان يغبطونني على هذه العلاقة مع أبونا طانيوس وبخاصة عندما كان يخصني في الأعياد بحبات الملبس.

 كنا نحن الصبيان نجلس معا في الليل،ونحيي ذكرياتنا في القرية، ونروي نوادر بعض أهل القرية، ونشجع بعضنا على الحياة ونزرع الأمل بأن أهلنا لن ينسونا ولا بد أن يعودوا ويأخذونا إلى الوطن.

مرت الأيام والأسابيع والأشهر بثقل. ولا خبر ولا علم. لا أحد يسأل عنا. إلا أن الأمل كان قويا. لم نفقد الأمل في يوم ما. لا بد من أن يأتي آباؤنا ويخرجونا من الدير. وينقذونا من الحياة القاسية البائسة. من المعكرونة ومن الجوع ومن القمل ومن الجرب. ويأخذ كل والد ابنه أو ابنته إلى مطعم ويأكلان الخبز الطري والخضار والفواكه والفراخ.

لا بد من أن يشتري كل والد ملابس جديدة لآبنه، ويتجول معه في المدينة ثم يركبان في سيارة ويعودان إلى الوطن.

في أحد الأيام أسر لي صديقي فخري أنه سيهرب من الدير إلى بيروت ويبحث عن عيشة أفضل فحذرته من المغامرة إلا أنه أصر على ذلك. وفي ليلة قمراء هرب. ولا أعرف الخطة التي وضعها. وكيف تمكن من الهرب.

سرى خبر هروبه بين جميع الأولاد وبين الراهبات والعاملين في الدير.

ولم يأسف أحد على هروبه ولم يحاسب أحد على ذلك.

نقص ولد. لا يهم. ولد بلا أهل. ولد فلسطيني.

وبعد ثلاثة أسابيع عاد فخري وتعرض إلى عقاب شديد. جلدته الراهبة المسؤولة بالعصا.

عاد وروى لنا مغامرته.

قضي أياما في بيروت.. "نيالك يا فخري!"

تسول في الشوارع.وجمع نقودا قليلة وسافر إلى حمص.

"نيالك يا فخري!".

وصف لنا طريق السفر الطويل.

وفي حمص بحث عن عائلة قريبة له.

بحث يوما ويومين وثلاثة أيام إلى أن وصل إلى العائلة فاستضافوه. مبروك يا فخري.

وصف لنا بالتفصيل أنواع الطعام التي أكلها وأنواع الشراب الذي شربه. هنيئا مريئا يا فخري!

كان وصفه شائقا..

يجلس ونجتمع حوله ويبدأ بالسرد.

أكل فخذ دجاج كاملا.

تناول قطعة هريسة.

شرب كأس شاي بالنعنع.

تناول فطورا مع أقاربه، خبزا وزيت زيتون صافيا وزعترا، ولبنة ماعز.

وكان لعابنا يسيل.

أكمل يا فخري. أكمل يا فخري!

وفخري يسرد ويطيل بالسرد.

وتجرأ عبد الله مرة وقال له: كذاب. فأقسم بالعذراء أنه يقول الصدق إلا أن عبد الله أصر على أن فخري كاذب.

وتشاجرا.

وسواء كان فخري صادقا أم كاذبا، مقتصدا أم مبالغافقد غبطناه وحسدناه أيضا.

كان حلمنا أن نخرج من الدير.

كان حلمنا أن نعود إلى المغار.

قال لي أبونا طانيوس: أنت من مغار حزور يا شفيق. من الأرض المقدسة. حيث عاشت مريم العذراء وحيث سار المسيح وعمل المعجزات. المغار قرية قريبة من بحيرة طبريا التي مشى على مائها يسوع. والمغار قريبة من كفر ناحوم وقريبة من جبل التطويبات، وقريبة من قانا الجليل حيث حول يسوع الماء إلى خمر، وقريبة من الناصرة، من كنيسة البشارة، أنت من الديار المقدسة وسوف تعود إليها. كي تعيش هناك.

متى نعود يا أبونا؟

مرت أيام قاسية، أيام بؤس وظلام، ومرت شهور البرد القارس والجوع، وجاء عيد الميلاد مرتين. وجاء الفصح مرتين. ونحن هنا. هل نسي الأهل أولادهم؟

يفرح الأطفال في الأعياد، يلبسون الملابس الجديدة، ويأكلون الحلوى والطعام اللذيذ وأما نحن فنبكي. لا أم ولا أب، ولا أهل ولا بيت. نلبس الملابس القديمة المستعملة. لا لحم ولا بيض ولا زلابية ولا قطين ولا زبيب. لا حليب ولا لبن ولا جبن. نأكل المعكرونة. صار جسدي مثل المعكرونة. وانتشر الحزاز في جلدة رأسي. واستوطن السيبان وراء أذني. وكان الخطر الأكبر هو انتشار الجرب في أجسام البعض منا.

صار العيد بكاء ونواحا.

كل عيد وأنت سالم. والعيد القادم في البيت. السلام عليك يا مريم. يا ممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء. ومباركة ثمرة بطنك. متى أعود إلى أمي. متى أشم شعرها؟ متى ألقي رأسي على صدرها؟ متى أقبل راحتها كما كان يفعل يسوع عندما يلتقيك يا عذرا؟ متى آكل صحن شوشبرك من مطبخك يا روزا من صنع يديك الطاهرتين؟

قمت بعد قداس العيد قمت بتنظيف الكنيسة وفيما أنا أنظفها وجدت جريدة في سلة المهملات. لم أر جريدة منذ خرجنا من المغار. كان والدي يعود من سفره أحيانا مع جريدة بين قناني العرق أو في كيس زوادته. وكان أخي الأكبر يأخذها ويقرأها وبعد ساعات يأخذها أخي الثاني وبعد يوم تصل إلى يدي وأقرأ فيها أخبار الحرب في يافا والقدس وحيفا. أخبار فيها قتل وفيها حرائق.

دسست الجريدة في عبي كأنني أجد كنزا. ولما عدت إلى فراشي جلست وأخرجتها وبدأت ألتهم سطورها وكلماتها.

كانت أخبار الجريدة غريبة ولا تهمني.

وكان فيها طرائف ومقالات طويلة ومقالات قصيرة.

وفيها لغز. وفيها قصيدة.

فتشت فيها عن المغار فلم أجد حرفا.

فتشت عن طبريا وعن حيفا وعن يافا وعن القدس وعن الناصرة فلم أجد سطرا.

وفيما أنا أبحث في صفحاتها قرأت خبرا صغيرا جدا عن نائب عربي في برلمان إسرائيل يطالب بلم الشمل لعائلات عربية انشطرت نتيجة الحرب وتعيش مآساة بعد أن بقي الزوج أو الزوجة أو الابن أو البنت في الأردن أو لبنان فيما الأهل في الوطن وأكد على أن هذه قضية إنسانية وعلى وزير الداخلية أن يعمل على حلها.

أعجبني الخبر ونقلته إلى فخري والآخرين من أبناء المغار.

الغريق يتمسك بالقشة، فكيف إذا كان الخبر في جريدة؟ وعن نائب في برلمان إسرائيل؟

إسرائيل التي انتصرت علينا وصارت دولة ولها جيش وطائرات وسجن وحاكم عسكري. وحاييم بطاطا. وحاييم كوسا. وحاييم باذنجان. وحاييم مشمش.

كبر الأمل بالعودة إلى البيت.

إلى حضن روزا.

إلى بيتنا. إلى التوتة والتينة.

إلى بئر الماء.

إلى الحارة.

إلى أبي وإخوتي وجيراني.

إلى برج الحمام.

إلى دجاجات أمي.

إلى خبز أمي.

إلى صحن شوشبرك.

سوف يأتي أبي ويأخذني وجورجيت ونركب في سيارة من الدير إلى المغار. وسوف أسبق جورجيت إلى حضن أمي.

آويها وعاد شفيق.

زغرودة.

وحدث ذلك.

جمعوا الصبيان والبنات في ساحة الدير.

وجاء رجل من الصليب الأحمر.

وقابلنا واحدا وواحدة.

وسألنا عن أسمائنا وأسماء الآباء والأمهات والأجداد والجدات والعائلات.

وسجل كل كلمة.

وتأكدوا من كل واحد منا.

وأخذ كل فرد منا حاجاته القليلة والبسيطة.

وركبنا في سيارة باص.

وسارت بنا إلى إحدى البلدات.

دخلنا إلى عيادة.

فحصنا طبيب وممرضة.

وقدموا لنا طعاماوخبزا وجبنا.

وعدنا إلى الشاحنة.

ووصلنا إلى نقطة الحدود في رأس الناقورة.

هبطنا من الشاحنة ودخلنا إلى غرفة الانتظار.

ووقفنا على باب الوطن. ما أجملك يا وطن.

عائدون. عائدون إلى المغار. عائدون إلى جبل حزور.

وبدأنا نشم رائحة البلاد.

ما أطيب هواء الوطن. لا نسيم أرق من نسيم الوطن.

جاء عسكريان وفحصا الأوراق التي مع موظف الصليب الأحمر ثم نادوا على كل واحد منا باسمه واستجوبوه.

وجاء طبيب وفحصنا واحدا واحدا. ورشونا بالدي دي تي.

ونقلونا إلى سيارة عسكرية وسارت إلى الجنوب.

هذه قرية الزيب خالية من أهلها.

وهذا البحر.

وهذه مدينة عكا. وذلك مسجد الجزار.

هذا هو الكرمل.

نحن في الطريق إلى حيفا.

هذه حيفا.

حيفا عروس البحر.

عروس بدون زينة.

ووصلنا إلى كنيسة الكاثوليك.

وكان ذلك في 30 تشرين الثاني 1949.

ولما سألت مندوب المطران عن أهلنا، أجابني: لا تقلقوا. سوف نخبرهم بعودتكم سالمين كي يدبروا أمورهم ويحصل أحدهم أو بعضهم على تصريح من الحاكم العسكري للسفر إلى حيفا كي ينقلكم إلى المغار، وهذا الأمر يحتاج إلى يومين أو ثلاثة أيام وربما أكثر. أنتم الآن في ضيافة المطرانية. المهم يا أولاد أنكم عدتم إلى الوطن.

قلت: يا عماه العودة الحقيقية هي إلى جبل حزور وليس إلى جبل الكرمل، إلى المغار وليس إلى حيفا.

ولولا الحياء لقلت: العودة إلى حضن روزا.