عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 08 حزيران 2024

شو بدك يا شاطر؟ إلى شفيق جهشان (2-1)

محمد علي طه

حرصت على أن تكون النافذة الصغيرة في شادر صندوق الشاحنة لي وحدي من بين العشرين ولدا الذين كنا محشورين فيها مثل قطيع جداء في تشرين. شاهدت كروم الزيتون الخضراء في السهل وعلى سفوح الجبال كأنها بحر أخضر فأدركت أننا اقتربنا من القرية التي اشتقت إليها وحلمت بها في ليالي الجوع والبرد والغربة والذل. ها هي كروم الزيتون حيث كنت أرافق والدي والعائلة في أيام جني الثمار عندما يأتي بائع الهريسة والكعكبان فنقايضه بنصف صاع من ثمر الزيتون. سقى الله تلك الأيام.

سنتان لم أذق الحلوى ولم يعرف فمي طعم الهريسة أو الكعكبان أو الزلابية أو القطين أو الزبيب. لا حلوى في الغربة بل علقم. بانت بيوت القرية. بانت الحارة الجنوبية أو كما يسميها أهلنا الحارة القبلية فصرخت: "المغار" فتدافع الأولاد نحوي "من شان الله! من شان المسيح! من شان العذرا. خليني أشوف!" ولكنني كنت مصرا على أن تكون المغار لي وحدي. هذه مغاري أنا. هذه حارتنا، وذلك بيتنا، وتلك سروتنا ولوزتنا وتينتنا. وتلك بقرة أم الياس ترعى في حاكورة دار طنوس. "من شان العذرا خليني أطل شوية!". اهدأ انت وهو!

مررنا بوادي الرباضية حيث كنا نسبح عراة في مياه الوادي ونجفف أجسامنا ببشاكير أشعة الشمس. وصلنا إلى البيادر. منذ سنتين ما شاهدت كديشا على طرحة من حصيد القمح. ما شاهدت كومة القمح النورسي على البيدر. ما شاهدت النورج. وما شاهدت التبن والقصلية والعواذر وما سمعت أغاني الدراسين.

ترجلت من الشاحنة قفزا وعدوت في الطريق الترابي إلى بيتنا. يا بيتنا الدافئ. يا بيت الحب. يا بيت أمي وأبي. يا بيت الحمام والزغاليل.

مهرولا دخلت بيتنا الذي كان يقع على حافة الحارة القبلية فوجدت أمي جالسة على طراحة على مصطبة البيت وتنقي العدس كي تعد المجدرة للعائلة. لأبي نجيب ولأخوي مجيد وشكيب وأختي الصغيرة. وجه أمي السموح الجميل ما تغير على الرغم من طبقات الحزن التي تراكمت عليه شوقا لصغيريها الغائبين.

نظرت إلي مشدوهة مستغربة من اقتحامي البيت بدون استئذان وسألتني: شو بدك يا شاطر؟

لا تعرفني روزا لا تعرف شفيق. لا تعرف أصغر أولادها. لا تعرف ابنها الحبيب الذي كانت تدلله وتدلعه وتضمه إلى حضنها وتخصه بقطعة حلوى أو بحبة مندرينا أو كمشة لوز زيادة عن إخوته. لا تعرف شفيق الذي كانت ترجل له شعره وتدهنه بزيت الزيتون المغاري الأصلي. كيف تعرف روزا هذا الولد الأقرع الذي حلقوا شعر رأسه بالموس بعدما انتشر الحزاز في جلدة رأسه؟ وكيف تعرف هذا الصبي الذي يرتدي الأسمال مثل متسول غريب بعدما كانت تحرص على أن يرتدي القميص والبنطلون النظيفين؟ وكيف تعرف هذا الولد ذا الوجه الأصفر مثل الليمونة الجافة بعدما كانت الحياة تتدفق من وجنتيه السمراوين؟ وكيف تعرف هذا الصبي الفقير ذا الجسد النحيف مثل السروة العطشى في تشرين بعدما كان جسده مثل الخروف السمين وقويا مثل القعود في أشهر الربيع؟

تسألني: شو بدك يا شاطر؟

أشياء كثيرة، يا أماه، يحملها هذا الجسد الواهي المكون من الجلد والعظم، يحملها هذا الرأس الحليق، وتحملها هذه الروح التي عانت وتعذبت، بعدما انقطعت عن حضن الأم وعن خبز الأم ودفء البيت.. عن الوالدين وعن الأهل.

دعي حبات العدس في صينية النحاس وقومي عانقيني. أود أن أشم رائحتك، رائحة شعرك الذي ينسدل بضفيرتين طويلتين، رائحة فمك وعنقك وصدرك، رائحة كفيك وأناملك الطويلة.

قومي. انهضي.

تحدقين بي؟

شو بتؤمر؟

لا يأمر عليك ظالم يا أماه.

شو بدك يا شاطر؟  

خذيني إلى صدرك الحنون الدافئ الذي طالما حلمت به في ليالي البرد وليالي الثلج وليالي نواح الرياح وليالي الخوف.

خذيني رمشا من رموشك الوطفاء.

خذيني شعاعا على شفتيك وأنت تفتحين ذراعيك لتعانقيني عندما كنت أعود من مدرستي.

خذيني دمعة في عينيك السوداوين الجميلتين.

خذيني زغلولا من برج الحمام الذي في ساحة البيت.

أنا.. أنا..

ودخلت جورجيت مثل قوس قزح صارخة: يما.. يما.. يما.

وانهار الجدار.

 وتصحو روزا وتصرخ:

- أولادي.

- أولادي.

وتتدحرج حبات العدس على المصطبة.

وتفتح روزا ذراعيها مثل جناحي طائر المحبة.

شفيق يا قلب أمك.

وجورجيت يا عينها.

ويمتلئ البيت حبا.

وتأتي الجارات.

جاءت جارتنا سميرة تزغرد فرحة، وجاءت جارتنا جميلة، وجاءت جارتنا أم إلياس.

ويأتي كمال.. ويأتي يوسف.. ويأتي إبراهيم.. ويأتي داود.

ويأتي إلياس ويأتي صبحي.

وتأتي الحارة القبلية.

رجعوا...

رجع الأولاد!!

التأمت العائلة.

وطفلة صغيرة تقف عند العتبة تحدق مذهولة في أمي وفي وفي جورجيت وفي الناس.

هذه أختي جولييت.

كانت في الثانية من عمرها عندما حملتها أمي على ذراعها في رحلة الشرق الأوسط. وعندما حملتها في طريق العودة. وجولييت اليوم في الرابعة من عمرها.

جولييت لا تعرفني ولا تعرف جورجيت.

ونحن لا نعرفها.

ولكن الدم تحرك.

تناولتها من ذراعي جورجيت.

أختاه..

خرجنا من المغار في شتاء العام 1948.

خرجت وأنا في الصف الثالث الابتدائي.

ولما عدت وجدت أولاد صفي في الصف الخامس الإبتدائي.

كانت رحلة قاسية، رحلة صعبة، فيها شقاء وتعب وجوع وظلام وبرد وثلج وإهانات.

نحن من عائلة مستورة. كان والدي نجيب حجارا. وأصبح عاطلا عن العمل بعدما توقف الإعمار والبناء في البلاد بسبب الأحداث الساخنة التي شملت بلادنا في معظم مناطقها وبخاصة في القدس ويافا وحيفا. بحث والدي عن مصدر رزق ليعيل عائلته المؤلفة من زوجة وثلاثة أبناء وابنتين فبدأ يتاجر بالعرق الزحلاوي. كان يشتري زجاجات العرق اللبناني المعروف بجودته من الجنوب اللبناني ويبيعها في الجليل. في مدينة الناصرة ومدينة طبريا وفي قرى المغار وعيلبون والرامة وغيرها.

وكان بعض الشبان يأتون إلى بيتنا ويشترون قناني العرق.

وكان في بلدتنا فرقة من جيش الإنقاذ. وأذكر أن جنديا من هذا الجيش جاء إلى بيتنا وطلب زجاجة عرق من والدي ولما تناولها رفض أن يدفع ثمنها فأخذها والدي منه وصرفه، وفي الغداة شاهدت ضابطا وثلاثة جنود في ساحة بيتنا وسألني الضابط فيما كنت ألعب في ساحة البيت: أين نجيب؟ فأجبته: في البيت. وناديت والدي فأمره الضابط أن يخلي البيت من الأهل والأثاث. فسأله والدي: لماذا؟ فأجاب: سوف نهدمه. كان الأمر مثل الصاعقة. استفسر والدي عن السبب فأجاب الضابط: علمنا بأنك تعطي إشارات بالقنديل لطائرات العدو.

أبي يخابر طائرات العدو بقنديل الهواء؟!

رفض أبي التهمة بشدة. نحن وطنيون ولا نتعامل مع العدو. ورفض أبي أن نخلي البيت وشاهدته يوشوش أخي شكيب ببعض الكلمات، فركض أخي في الشارع ولحقت به حتى وصل إلى بيت الوجيه الوطني المعروف عبدو العايدي وبلغه بما يجري في بيتنا. فسار الرجل الشهم وسرنا أنا وأخي وراءه، ولما وصل إلى بيتنا تحدث مع الضابط وأقنعه بأن والدي وطني وبريء وطلب من الضابط أن يغادر المكان مع الجنديين فانصرف الضابط والجنديان وحمدنا الله وشكرنا الرجل.

كان عبدو العايدي شخصية محترمة ووطنية ويتمتع بشعبية وسمعة طيبة في بلدتنا وفي المنطقة وكان أحد أبنائه تلميذا في صفي، في الصف الثالث الابتدائي واسمه عايدي.

كنت تلميذا متفوقا وأحصل على المرتبة الأولى في صفي وكان أخواي أيضا يحصلان على المرتبة نفسها. لم توزع المدرسة في تلك السنوات شهادات في نهاية كل فصل مدرسي أو كل عام دراسي بل كان التلاميذ يقفون في طوابير في ساحة المدرسة من الصف الأول الابتدائي حتى الصف السابع الابتدائي.

كما كان الآباء يحضرون إلى ساحة المدرسة ويقفون مترقبين نتائج أولادهم. وكان مدير المدرسة الأستاذ ناجي الخوري، وهو من الأردن، يقف أمام التلاميذ يحيط به المعلمون وكان كل معلم يقرأ نتائج صفه المدرسي أمام الجميع ويعلن ترتيب التلاميذ حسب نتائج علاماتهم من التلميذ الأول حتى التلميذ الأخير من الصف وكنا نسمي الأخير الطش، وقد أثنى المدير على والدي وهنأه لأن أبناءه الثلاثة كانوا الأوائل في المدرسة، مما دعا أحد الآباء، وهو شخص معروف أن يتقدم ويقف أمام المدير ويقول له: لماذا لا تشكرني يا حضرة المدير وقد حصل أولادي على المرتبات الأخيرة؟

كتب علي نصوح الطاهر مؤلف كتاب "شجرة الزيتون":

"بذل المغاريون جهودا كبيرة مشكورة لتكثير شجرة الزيتون في أراضيهم الخصبة والوعرة على حد سواء فأصبحت هذه القرية ثالث قرى فلسطين مساحة بالزيتون. واعتنى أهل هذه القرية بأغراسهم وزيوتهم فأصبحوا ينافسون قرية الرامة وهي أشهر قرى فلسطين زيتا وزيتونا، وباتوا يملكون أربع معاصر ميكانيكية كبيرة منها واحدة مزودة بآلة فرازة، واشتهر زيت المغار بجودته وقلة حموضته، ويضيف حضرة المؤلف: يعتبر زيت المغار أفخر زيوت القضاء لأن سكان المغار يدرسون أغلب زيتونها المقطوف أولا بأول وثانيا لأن قسما كبيرا منزيتونها من الصنف المعروف بالمليصي ومنه يستخرج أحسن زيت للأكل في فلسطين.

كان الطقس جميلا والشمس مشرقة، والطيور تسقسق، والفراشات تطير من زهرة إلى زهرة، والنحلات تمتص الرحيق، وكنا مجموعة من صبيان القرية تلعب على البيادر الجنوبية للبلدة. وما زلت أذكرهم، هؤلاء أترابي ميلاد وأديب وفخري وأحمد ورشيد وسلمان وجريس وصالح، ربما نسيت بعضهم. كنا فرحين جدا، نركض وراء عرباتنا البسيطة التي صنعناها بأيدينا وننكر عصافير الدوري التي تبحث عن حبوب ضائعة بين الأشواك. ونقفز مثل ديوك الحجل، ونغني مثل الحساسين، وفجأة سمعنا صوتا غريبا يخدش هدوءنا وفرحنا وسعادتنا. سمعنا دوي طائرة تحلق في سماء قريتنا. لم نخف ولم نفكر بسوء، بل حدقنا بها معجبين كيف تطير بالسماء؟!!

ما فكرنا بعمل عدائي. وما فكرنا بأن الطائرة تقصدنا. وفجأة ألقت الطائرة قذيفتين كبيرتين علينا. كان حجم القذيفة مثل حجم برميل صغير. وكان الانفجار قويا جدا. والدوي يملأ الجو. وتحولت البيادر إلى زلزال، غبار وحجارة تتناثر في الفضاء. وشاهدت مخ ميلاد ابن جارتنا يخرج من بين عظام رأسه،كان جسده ممزقا ورأسه مهشما كما شاهدت أمعاء شادي ابن جارتنا تندلق من بطنه، وشاهدت ذراعيه وساقيه على الأرض والدم يتدفق من جسمه.

فقد بعض الصبيان الوعي وسقطوا على أرض البيادر، وهرب البعض واختبأوا بين الصبار.

وجاء رجال القرية يبحثون عن أولادهم.

وجاءت نساء الحارة تندبن. شاهدت جسم ميلاد الممزق وجسم شاهين المقطع.. لم تعرف الأم جسم ابنها. فقدت النساء الوعي. لطمن وجوهن ومزقن ملابسهن.

كانت أم ميلاد تصرخ ولا تتعرف على جثة ابنها. هل هي جثة ميلاد أم جثة شاهين؟ ميلاد زينة الصبيان. ميلاد الجميل مثل البدر.

وكانت أم شاهين تمزق ملابسها وتعدو بين الجثتين كي تتعرف على جثة ابنها. فلذة كبدها. الصبي الأنيق الجميل.

وكان أديب بطل الألعاب جريحا جراحا قوية في ساقه،والدم ينزف وهو يصرخ ألمافأخذه أهله إلى العلاج في ترشيحا، ومن هناك إلى بيروت. وكان له ما تبقى من العمر كي يعيش.

هذا الحادث المأساوي هز القرية من أقصاها إلى أقصاها بل هز جبل حزور. هز جميع عائلاتها وجميع حاراتها. بكى الرجال وبكت النساء. وخيم الأسى على القرية. على حاراتها وبيوتها.

هي الحرب اللعينة.

هو الموت.

هو الدمار والخراب.

قرية وادعة تتعرض إلى قصف طائرة.

والطيار يقصف صبيانا يلعبون. كانوا يلعبون. يقصفهم بلا رحمة وبلا إنسانية.

لم يبق أمن وأمان في البلدة. لا جيش يحمي الناس. ولا قوى تدافع عن أهل البلدة.

وبدأ الناس يفكرون بالرحيل.

استأجر والدي شاحنة. فوضعنا فيها بطانيات وفراشا وملابس وأدوات منزلية ضرورية وزيتا وطحينا وبرغلا وعدسا.

وتوجهت الشاحنة إلى الشمال، إلى الجنوب اللبناني. حيث أقاربنا في قرية يارونالذين تربطنا بهم صلة النسب.

وكانت عائلتنا واحدة من عائلاتعديدة رحلت من قريتنا إلى الجنوب اللبناني تبحث عن الأمن.

التقيت في يارون بعدد من أترابي ومن أهل بلدي.

وشاهدت الوجيه عبدو العايدي، الرجل الكريم الأصيل يسكن هناك، وذهب والدي وعدد من أهل القرية لزيارته والاطمئنان عليه والتشاور معه حول الأوضاع. وكانوا يطرحون السؤال الهام: متى نعود إلى المغار؟

بعد أيام قليلة وصل أحد أقاربنا إلى يارون وأخبرنا بأن اليهود احتلوا البلدة في 30 أكتوبر وأن القائد اليهودي الذي احتلها اسمه إسحاق بروشي، ويحكمها اليوم ضابط عسكري اسمه حايم بطاطا. والأصح أن اسمه حايمبطيطو وأمر السكان أن يجتمعوا في ساحة المدرسة، الرجال والنساء والأطفال، وحينما اجتمع أهل البلدة في الساحة أمرهم أن ينقسموا إلى ثلاث مجموعات، الدروز في مكان، والمسيحيون في مكان، والمسلمون في مكان. وبدأ الناس يتفرقون حسب مذهبهم ودينهم. وهنا وقف حسينالرجل الشهم من أبناء الطائفة المعروفية. حسين الرجل الأنيق الجميل الذي يرتدي الملابس العربية التقليدية وقال بصوت عال: يا حضرة الضابط: نحن في هذه البلدة كلنا أبناء المغار ولا فرق بين حارة وبين حارة ولا فرق بين مسلم ومسيحي ودرزي. ولا نوافق على هذا التصنيف. أطلب منك أن تدعو الجميع أن يعودوا كما كانوا. لا مجال للتقسيم الطائفي ولا نوافق عليه. وانصاع الضابط لطلب حسين. وفشل التقسيم الطائفي.

وأخبر هذا الرجل أهل المغار الذين كانوا في يارونأن الضابط بطاطا طلب من كل رب عائلة أن يأتي إلى الموظف المسؤول في دار المختار كي يحصل بطاقة تسجيل تؤهله فيما بعد للحصول على هوية زرقاء. وكي تحصل زوجته وأولاده على قسائم التسجيل. ونصح هذا الرجل الجميع أن يعودوا إلى المغار ويحصلوا على بطاقات التسجيل كي يبقوا في بلدتهم.

ركبنا في سيارة إلى قرية رميش. ومشينا في الليل في طريق وعري إلى قرية حرفيش ومن هناك إلى قرية بيت جن ثم إلى قرية عين الأسد ومررنا بوادي سلامة حتى وصلنا إلى قرية المغار.

عدنا في الليل خوفا من الجنود.

مشينا على الحصى والشوك بين أشجار البلوط والسريس والقنديل والبلان.

كانت أمي تحمل أختي الصغرى على ذراعيها، وكان أبي يحاول ان يساعدني إلا أنني رفضت مساعدته وأصررت أن أمشي مثل الآخرين.

كنا قافلة عائدة إلى قريتها وبيوتها.

تركنا حاجاتنا في يارون وعدنا إلى المغار مسرعين كي نحصل على البطاقات، وعندما وصلنا بعد أيام قليلة من الاحتلال توجه الرجال إلى بيت المختار فحصلوا على بطاقات إلا أنها كانت من الدرجة الثانية.

بطاقات تؤهلهم الحصول على هويات حمراء وليست هويات زرقاء. هوية تقول أن صاحبها كان غائبا ولم يكن في البلدة في يوم احتلالها، وأن صاحب الهوية الحمراء وعائلته حاضرون غائبون.

جميع العائلات التي كانت في يارون وفي قرى أخرى من الجنوب اللبناني يوم احتلال المغار وعادت إلى المغار اعتبرها القانون الإسرائيلي الجائر حاضرة غائبة. وهذا يعني أنها مهددة بالطرد من الوطن.

عدنا إلى بلدتنا، إلى بيوتنا، إلى وطننا ولم يعترفوا بنا مواطنين يحق لهم العيش والبقاء في الوطن.

كان الأمر صعبا علينا أن نفهم هذا القانون الظالم.

نحن أبناء المغار.

تراب المغار يعرفنا. كما يعرفنا زيتونها وحجارتها.

هواء المغار يعرفنا.

فكيف صرنا حاضرين غائبين؟

ما كنت أفهم القلق في وجه والدي أو في حديثه مع الجيران وبخاصة مع الذين عادوا من يارون ومن قرى الجنوب اللبناني.

كنت أسمع كلمات غريبة مثل جنين وزبوبا والمقيبلة ومرج ابن عامر والأم بي والحاكم العسكري.

وجاء اليوم المشؤوم أو يوم الطرد من الوطن.

حملونا بضاعة مزجاة في سيارات شحن عسكرية. وضعوا جميع العائلات التي كانت في يارون وقرى الجنوب اللبناني يوم احتلال القرية في الشاحنات العسكرية.

وضعوا في الشاحنات كل من لم يكن في البلدة يوم الاحتلال.

وكل من لم يسجل في ذلك اليوم ولم يحصل على بطاقة هوية زرقاء.

حملوا الرجال والنساء والأطفال في الشاحنات.

حملونا بدون حاجاتنا اليومية وبدون ملابس للغيار وبدون زاد.. بدون رغيف خبز وبدون شربة ماء.

وسارت السيارات بنا إلى الجنوب، إلى المجهول.

وما كنت أجرؤ أن أسأل والدي عن وجهة سفرنا.

سارت السيارات طيلة ساعات.

وتوجعت أمعاؤنا وأضلاعنا وأيدينا وأرجلنا وظهورنا.

كنا واقفين أو مرميين في صناديق الشاحنات العسكرية.

- انزل من سيارة!

أمرنا العساكر.

هبط الجميع من السيارات العسكرية. تجمع الأولاد الصغار حول والديهم مثل صيصان حول أمهم القرقة. تخاف الصيصان من الطيور الجارحة ومن الثعالب. وكنا مرعوبين من العساكر الذين يحملون البنادق ويرطنون بلغة عربية مشوهة.

- روخوا عند عبد الله!!

وأطلقوا الرصاص في الهواء.

أطلقوا الرصاص بين سيقان الناس.

- اركد. اركد يا عكروت!

يعني اركض اركض!!

وركض الجميع نحو الجنوب. ركض الرجال وركضت النساء وركض الأطفال، وركض الرصاص.

كنا هاربين من الموت. العساكر وراءنا. والرصاص فوقنا وبين سيقاننا. والبلدة العربية أمامنا. ركضنا ومشينا خائفين مرهقين حتى وصلنا.

لجأنا إلى مسجد مدينة جنين.

وكان سادن المسجد يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله. تحول بيت الله إلى ملجأ. ارحمنا يا رب!!

- خلص يا سميرة. يكفي يا جميلة. اخرسي يا بنت. منشان العذرا بلاش بكا. الناس بدهم يناموا.

وكان الطقس باردا.

وكنا عدة عائلات، تربو على خمس عشرة عائلة.

عند الفجر نادى مؤذن المسجد للصلاة وقال إنها خير من النوم. أدركت بؤس واقعنا. كنا متعبين نريد أن ننام وكان المؤذن يدعو للصلاة ولا يدري أننا نصارى. نصارى نيام في مسجد. نصارى يحتمون في مسجد للمسلمين.

- يا فتاح يا عليم. قوموا إلى الصلاة. قوموا إلى الصلاة. وحدوا الله!!

وبدأنا نتململ على مصطبة المسجد.

يا نسوان. خذوا أماكنكم في جهة المشرق. ويا رجال. خذوا أماكنكم في جهة المغرب. وتوضأوا استعدادا لصلاة الفجر.

ارتفع صوت غليظ لرجل: "يا سكران. قم يا رجل. المؤذن ينادي للصلاة".

فصرخ سادن المسجد: ويلاه! استرنا يا رب!! سكران وفي المسجد. هذا ما جعل اليهود ينتصرون علينا.

وتوجه رجال غاضبين يبحثون عن السكران لتأديبه.

وسرت خطوات وراءهم كي أتفرج على ضربه. وتوقعت أن أشاهد عراكا وضربا.

- يا جماعة. وحدوا الله. الزلمة مش سكران. ولا يشرب الخمرة. يا جماعة الزلمة اسمه سكران. هذا اسمه. الزلمة مسلم موحد بالله.

- مسلم واسمه سكران. استغفر الله.

- هيك سماه أبوه.

- خير الأسماء ما حمد أو عبد.

- الزلمة سكران بحب الله يا جماعة.

وهدأت الأمور.

الاسم غريب. هناك أناس يسمون أبناءهم بأسماء الوحوش والحيوانات مثل ذيب وأسد وفهد ونمر ووحش وكليب كي لا تصيبهم عين الحسود. وهناك اعتقاد شائععند الذين يموت أطفالهم بالحصبة أو باليرقان أو بأي مرض آخر بأن يختاروا لهم أسماء الحيوانات كي يعيشوا. هناك أسماء حيوانات مقبولة تدل على الشجاعة والقوة مثل أسد ونمر وفهد ولكني لم أفهم كيف يسمي أحدهم ابنه وحشا أو كلبا أو جروا أو جعلا أو ثعلبا؟

ولولا أن رفيق الرجل استدرك الأمر لبطش الجمهور بالسكران. وفطس بسبب اسمه.

اشترى والدي من سوق جنين ملابس لأفراد العائلة كي يغيروا ملابسهم إذا ما اتسخت كما اشترى لنا خبزا وجبنا وزيتونا لنتناول فطورنا ونتزود به..

وبعد الظهر قدم ثلاثة جنود يتقدمهم جاويش طويلة القامة أسمر الوجه وقوي الجسم ذو هيبة إلى باحة المسجد وطلب لقاء الرجال وأمرهم أن يغادر الجميع مدينة جنين، رجالا ونساء وأطفالا، إلى مدينة نابلس للانضمام إلى مخيمات اللاجئين التي أعدتها وكالة الغوث لإيوائهم ولما استفسر أحد رجال قريتنا عن السبب أجابه الجاويش: هذه أوامر!

استأجر رجال المغار مجموعة من السيارات كي تنقل عائلاتهم. وصلت قافلتنا إلى مدينة نابلس التي تتراكم بيوتها ذات الحجارة البيضاء على جبلين متقابلين هما جرزيم وعيبال وعندما استفسرت من والدي عن الجبلين أجابني: الجبل الذي من الجنوب يبدأ بحرف الجيم أي جرزيم وأما الثاني فهو عيبال في شمال المدينة.

كان الطقس باردا جدا. ولا تدفئة في مخيم اللاجئين الذي انضممنا إليه.

حصل والدي على بطانيتين ففرشنا واحدة منهما على أرض الخيمة وأما البطانية الثانية فقد حرص هو وأمي على أن تكون غطاء للعائلة في الليل المظلم القارس.

كنا ثلاثة أبناء وابنتين ممددين على بطانية سوداء في حين كانت البطانية الثانية غطاء من البرد القارس. وأما الوالدان فقد قبضا على طرفيها كي يحميا أولادهما.

نمنا نحن الأولاد الخمسة متعبين وأما الوالدان فبقيا قابضين على طرفي الغطاء يحرساننا طيلة الليل.

اجتمع رجال القافلة المغارية في الصباح واتفقوا على أن العودة من نابلس إلى جنين ومن هناك إلى المغار خطرة جدا وصعبة بل مستحيلة لكثرة الجنود المنتشرين على الحدود كما أن الصعوبة الكبرى هي عبور مرج ابن عامر الغارق في مياه الأمطار وعلموا بالأخبار المؤلمة عن رجال غامروا وحاولوا اجتياز مرج ابن عامر فكانت نهايتهم الموت مغروسين في أرض المرج الموحلة. غاصت أقدامهم وسيقانهم في الوحل وماتوا واقفين مثل الأشجار.

ولا بد من أن نعود إلى قريتنا. لا بد من العودة إلى المغار.

وبعد نقاش عميق شارك فيه جميع الرجال اتفقوا على أن أفضل الطرق هي الوصول إلى الجنوب اللبناني أي السفر إلى بلدة يارون حيث أقاربنا وأغراضنا والعودة من هناك إلى الجليل إلى قريتنا. وهذا يعني أن نسافر من نابلس إلى مدينة عمان ومن هناك إلى سوريا ومن وسوريا إلى لبنان فالجنوب اللبناني. أن نرحل من دولة إلى دولة ومن مدينة إلى مدينة. ومن سهل إلى جبل. ومن جبل إلى وادي.

هي رحلة في الشرق الأوسط كما يسمونه. بل هي رحلة في الهلال الخصيب كما كان يسميه معلم الجغرافيا.

هي رحلة العذاب. رحلة البرد القارس، والجوع والخوف.

رحلة الاهانات والذل.

وكل شيء يهون من أجل العودة إلى المغار.

ركبنا في سيارات الشحن. كأننا بضاعة للتصدير.

وسارت السيارات.

قطعنا الغور.

وكان نهر الأردن يهدر بالماء المتدفق من الشمال الماطر والمتدهور جنوبا.