فلسطينيون يغردون بـ"قناع بلون السماء"

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- تتوارى الأحداث في غموضها وينفرد منزل عائلة الأسير باسم الخندي بأناقة تعبيرية تليق بمشهد يتخلله المجهول والتناقض. بين أضواء الفرح المتلألئة بفوز باسم بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته "قناع بلون السماء"، وبين ظلال الحزن الثقيلة التي تسكن القلوب بسبب غيابه ليبدو الزمان وكأنه يلعب دور المتقلب بين الفرح والحزن، بين شوق العائلة لرؤية وجهه المضيء بالانتصار وذلك الحنين العميق للحظة احتضانه بفرحة حقيقية وغير ملوثة بحسرة الغياب.
وبين تلك الرتابة التي تعيشها جدران المنزل، وبين النبض الحيوي الذي يتصل بصفحات الإنجاز والفخر، يظهر الاستفهام العميق حول كيف يمكن للإنسان أن يكون قادرا بذلك الشكل؟ كيف يمكن لروح مبعثرة بين أروقة القهر والتحدي أن تخلق عملا أدبيا يبعث الأمل والجمال ويخطف فوزا ثمنيا.
باسم ابن مدينة نابلس الذي يعاني على حبل السجن المؤبد ثلاث مرات، يظهر الجرح الكبير الذي يختبئ خلف وجوه الإبداع والموهبة. فربما كانت كلماته ترسم لوحات من الجمال الأدبي، ولكن وراء تلك الكلمات كانت هموم الوطن والحرية تتغلغل بين السطور، تطلب العدالة بقوة وتشرع الصرخات المكتوبة بألم وتحدٍ.
عبر منصات التواصل الاجتماعي، تغنى المواطنون بإنجاز باسم وخطفه الجائزة العالمية للرواية العربية.
الكاتب سميح محسن، كتب على حسابه في صفحة "الفيسبوك" مشيدا بإنجاز الخندقجي قائلا: "منذ سبعة أشهر، بنهاراتها ولياليها لم نذق طعم الفرح، إن ما يتعرض له قطاع غزة يلقي بظلاله الثقيلة علينا، على قلوبنا، وأرواحنا، وأجسادنا، بل إنه يدخل في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، فهموم وعذابات غزة هي همومنا وعذاباتنا أيضا، أمام شلال الدم المتدفق بغزارة، وأمام مشهد محو مدن وبلدات ومخيمات عن بكرة أبيها، ومشهد تشريد ما يزيد عن مليون إنسان ودفعهم إلى أفواه الجوع والقهر والمرض والمصير المجهول، هل يحق لنا أن نفرح بفوز رواية فلسطينية بجائزة أدبية ؟! وهل هناك أسباب تدعونا لهذا الفرح بهذا الفوز؟".
يضيف محسن: "على المستوى الشخصي تربطني بالكاتب باسم خندقجي علاقة تعود إلى ثلاثة عقود، كما وتربطني بعائلته علاقة حاضرة إلى يومنا هذا، لذا أجدني أتقاسم وعائلته فرحها بفوزه".
وتابع "أما على المستوى العام فأنظر إلى هذا الفوز من عدة زوايا، الأولى أن باسما أسير حرية يقضي في السجن ثلاثة مؤبدات ويزيد؛ والثانية أن الرواية هي جزء من حرب الرواية بيننا وبين عدونا؛ والثالثة أن حكومة الاحتلال وظفت سرديتها منذ اليوم الأول لشنها حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة، ونذْكر، ونذكر كيف استدعى رئيس حكومة الاحتلال نصوصا تلمودية لشحن ضباط وجنود جيشه ضد كل ما هو فلسطيني؛ والرابع هو حملة التحريض ضد الكاتب عندما أعلنت لجنة تحكيم الجائزة أن رواية "قناع بلون السماء" دخلت ضمن القائمة القصيرة للمنافسة على الفوز بالجائزة، أظن أن تلك الأسباب كافية لأن نفرح بفوز رواية أسير فلسطيني بهذه الجائزة".
وأشاد الدكتور سائد أبو حجلة بإنجاز باسم الخندقي قائلا في تغريدة على "الفيسبوك": "حبيبنا باسم مبارك لمشروعك الثقافي الانساني المقاوم خلقت الحرية لأمثالك خلقت للأبطال، فلتسقط كل الاقنعة وليبق وجه الثوريين الصادقين نبراسا، ولتبق قلوبهم النابضة بالحب إيقاعا جميلا للحياة، نسأل الله العلي القدير أن يكون اللقاء في فضاء دون سجان أو قضبان قريبا".
واعتبر د. عدوان عدوان أن فوز الأسير باسم خندقجي بجائزة الرواية العربية هو انتصار للأسرى الفلسطينيين، وللأدباء الفلسطينيين، ولمدينة نابلس، ولأهله آل الخندقجي المشغولين بالحركة الثقافية والأدبية، وانتصار لمسيرة والده الحاج صالح صاحب المكتبة الشعبية، ومكتبة العم صالح في نابلس.
في رواية الخندقجي، يتجسد الصمود والتحدي بأبهى صورهما، وتتشابك أرواح الأحداث والشخصيات في تكاثر مثير للدهشة.
تتناول الرواية قصة "نور"، عالم الآثار الذي يعيش في مخيم للاجئين يجد نور هوية زرقاء فيرتدي قناع المحتل في محاولة لفهم مفردات العقل الآخر.
في تحول "نور" إلى "أور"، وفي انضمامه إلى بعثة تنقيب إحدى المستوطنات، تتجلى فلسطين المطمورة تحت التربة بكل تاريخها وفي المسافة الفاصلة بين نور وأور، بين نور وحبه الجديد، بين الهوية الزرقاء والتصريح، بين السردية الأصلية المهمشة والسردية المختلقة السائدة.
تتميز الرواية بتصويرها للمشاعر والأحاسيس التي اعترت البطل، فيتجلى الحوار بلغة منطقية، وتتصاعد المجريات حتى لحظة اكتشاف الآثار التي عانقتها الأرض وفي غمرة ذلك كله يبدأ الصراع بين وجه نور وأور المنتحل.
تعكس الرواية الألم والأمل، الحب والخيبة، الحقيقة والوهم، في رحلة بحث عن الهوية والحقيقة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين