عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 نيسان 2024

الرابح والخاسر في الضربة الايرانية

باسم برهوم

ما اطلق عليه الضربة الإيرانية لإسرائيل لم تكن ضربة بالمعنى الحقيقي بل كانت تمرينا بالأسلحة الحية، الجميع كان يعلم مسبقا بكل تفاصيله، بتوقيته ومدته الزمنية والاسلحة التي ستستخدم ومراحله خطوة بخطوة. وكأن الجميع عمل من غرفة العمليات العسكرية نفسها. ومع ذلك هناك حدث حصل بغض النظر انه حدث تكتيكي بامتياز، فإن هناك من هو رابح ومن هو خاسر، وهو ربح وخسارة نسبية بطبيعة الحال، اكبر الرابحين هي الولايات المتحدة الأميركية، لأنها اولا: اثبتت أنها المايسترو الذي تحت مظلته يعزف الجميع، فهو الذي يضبط ايقاع تحركات الاطراف ولا غنى للجميع عنه، بمن فيهم ايران، فالشرطي الاميركي، هو من يحدد هوامش مناورات كل طرف، وثانيا: ان كل من هو تحت مظلة الحماية الأميركية، يتلقى الحماية، بالطبع في طليعة هؤلاء إسرائيل التي يعتبر امنها مسألة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما.

اما الرابح الثاني فهي إسرائيل التي اولا، تمتلك بلا شروط مظلة الحماية الاميركية، بالاضافة إلى انها اثبتت ان المتطور تكنولوجيا هو من يتحكم بالمشاهد، وثانيا: إسرائيل استفادت سياسيا لأنها استعادت التضامن القوي معها، بالإضافة الى انها باتت تمتلك شرعية الرد إذا ما ارادت وسمحت لها واشنطن، والاهم انها، ولو الى حين تخلصت من الضغوط المتعلقة بحرب الابادة التي تقوم بها في غزة. وثالثا: لم تنجح الضربة بإجبار إسرائيل على منع تفردها بقطاع غزة. من الرابحين تأتي الدول التي شاركت في التصدي وهي بريطانيا، فرنسا والاردن وربما دول اخرى كان لها دور ولكن لم تظهر بالمشهد مباشرة.

تبقى ايران هي في موقع بين الرابحين والخاسرين، فهي قامت بالرد لكن ردها لم يغير الكثير في المعادلات وموازين القوى، فمن جانب بامكانها ان تدعي انها ردت وتقول انها تخطت احد الخطوط  الحمر عبر مهاجمة إسرائيل مباشرة من اراضيها، بالرغم من ان الهجوم جاء ضمن ترتيبات تم الاتفاق بشأنها مع واشنطن، كما انه لم يسبب اي اذى لإسرائيل. اما باقي اطراف محور المقاومة فحاله مثل حال إيران لم تربح ولم تخسر، ولكن مع ذلك هم في مأزق لان الرد الإيراني لم يخرج من تحت عباءة المايسترو الاميركي، وبالتالي ليس هناك محور مقاومة حر القرار او مطلق اليدين يمكنه ان يفعل ما يشاء.

اما الخاسرون فيأتي في المقدمة قطاع غزة، الذي قبل الهجوم الايراني كانت إسرائيل ونتنياهو شخصيا في عزلة ويواجه ضغوطا حقيقية لوقف الحرب، فاليوم انتقل التضامن مع إسرائيل، فالدول السبع الكبرى، بالاضافة الى عدم تحمس روسيا للضربة، فما حصل قلب عمليا المزاج الدولي المتعاطف مع غزة الى مزاج مجند للدفاع عن إسرائيل ورفض اي إعتداء عليها،  يأتي من ضمن الخاسرين العرب بشكل عام، فالرد الإيراني ومن واجهوه كلهم تقاتلوا في الاجواء العربية. اما الفلسطينيون وبشكل عام ليس من مصلحتهم ان ينشغل العالم في ازمة كبيرة في وقت هناك حكومة فاشية في إسرائيل قد تستغل الفرصة اما لاطلاق يد المستوطنين لممارسة الوحشية ضد الفلسطينيين في الضفة، بالاضافة الى انها قد تحاول تهجير المواطنين الفلسطينين من قطاع غزة.

وبغض النظر كيف ومتى سيأتي الرد الإسرائيلي على إيران، فإن اندلاع حرب اقليمية شاملة في المنطقة هو امر خطير ليس فقط لشعوب المنطقة وانما قد تتدحرج الأمور الى حرب عالمية ثالثة. حرب اقليمية ستلحق بدول وشعوب المنطقة دمارا كبيرا، وخسائر بشرية واقتصادية هائلة. وقد تعود معظم الدول مئات السنوات الى الوراء مع مثل هذا التطور ان حصل فالجميع سيكون خاسرا حتى لو انتصر في الحرب. كما ان الاقتصاد العالمي سيتأثر بشكل خطير، خصوصا ان المنطقة هي مصدر الطاقة الاهم، بالإضافة الى كونها تستحوذ على الممرات المائية الأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية سواء للتجارة العالمية او للأغراض العسكرية. ربما لكل ذلك، وللخطورة الكبيرة فإن احدا لا يسعى فعليا الذهاب لحرب إقليمية لن يكون فيها رابح حقيقي.