الأمم المتحدة وفلسطين.. ظلم أكثر وعدل أقل
باسم برهوم

بعد الحرب العالمية الاولى (1914- 1918) أسس المنتصرون عصبة الأمم المتحدة، وهي أول منظمة دولية بهذا الحجم والهدف المعلن هو حفظ السلام العالمي، المنتصرون هم مجموعة من الدول الاستعمارية أبرزها بريطانيا وفرنسا وايطاليا والولايات المتحدة الأميركية، بالرغم ان هذه الأخيرة بقيت خارج العصبة، ومنذ البداية تبين ان الهدف الحقيقي لتأسيس العصبة هو إضفاء الشرعية على تقاسم الدول المشار اليها لمناطق نفوذها في العالم. فلسطين كانت إحدى أهم ضحايا العصبة، فهي وان قالت ان هناك دولة اسمها فلسطين، وهذه الايجابية الوحيدة، فإنها وعلى الفور سلمت هذه الدولة، التي وضعتها على خارطة العالم، الى بريطانيا عبر صك الانتداب والى الحركة الصهيونية عبر تبنيها وعد بلفور وتضمينه في الصك.
قرارات عصبة الأمم، وخاصة القرار المتعلق بصك الانتداب (الذي اقرته العصبة في تموز/ يوليو 1921 واصبح قيد التنفيذ في تموز/ يوليو 1922)، اصبحت كما وكأنها قدر الهي، واستخدم كسلاح بيد بريطانيا والصهيونية لمنع الحركة الوطنية الفلسطينية من قطف ثمار نضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته، وفي نفس الوقت كانت الاداة لتأسيس الكيان الصهيوني ورعاية تطوره. وهنا لا بد من توضيح ما الذي يعنيه صك الانتداب، هو عبارة عن مواد دستورية ملزمة لدولة الانتداب (بريطانيا) لادارة شؤون فلسطين ولكن الأخطر انه خطة او خارطة طريق ملزمة لتنفيذ وعد بلفور، وهو الوعد الذي قدمته بريطانيا للحركة الصهيونية وينص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1949- 1945) مباشرة أسس المنتصرون: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا هيئة الأمم المتحدة عام 1945، وكان القرار رقم 181، من اوائل قرارات هذه الهيئة وينص على تقسيم فلسطين الى دولتين الاولى يهودية، واعطاها 57% من مساحة فلسطين، بالرغم ان اليهود كانوا يشكلون اقل من ثلث السكان، في حين اعطى القرار الفلسطينيين، وهم اصحاب البلاد الأصليون ويمثلون الاغلبية الساحقة 42%، وجعل القرار القدس منطقة مدولة بنسبة 1%. القرار جاء نتيجة لإرادة المنتصرين، فقد توافق المنتصرون، مؤسسو هيئة الأمم الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي في حينه على تقسيم فلسطين وإقامة دولة إسرائيل، ولكن ما كان هذا التطور ليصل الى هذه النهايات في الأمم المتحدة لو لم تكن بريطانيا قد أكملت تنفيذ وعد بلفور واقامت الكيان الصهيوني (مجتمع الييشوف) في فلسطين بكل مؤسساته المدنية والأمنية والعسكرية، ولولا ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية وتفككها وتواطؤ بعض الحكام العرب.
قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين كان السبب باندلاع حرب 1948 التي انتهت مع توقيع الدول العربية اتفاقيات الهدنة من دولة إسرائيل حديثة التأسيس في الفترة من ربيع العام 1949 وحتى نهاية صيفه. خلال ذلك ومع قيام العصابات الصهيونية بابشع عملية تطهير عرقي للشعب الفلسطيني شردت خلالها اكثر من 800 ألف فلسطيني من ديارهم ووطنهم اصدرت الأمم المتحدة القرار 194 بخصوص عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم عن الاضرار التي لحقت بهم، وهو القرار الذي صدر في 11 كانون الاول/ ديسمبر 1948، ولم ينفذ. وبعد اتفاقيات الهدنة ازاحت هيئة الأمم القضية الفلسطينية عن جدول اعمالها، وكانت تطرح في سياق انساني عندما كان يتم اقرار ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا".
مرحلة جديدة من العلاقة بين الأمم المتحدة وفلسطين في ذروة الحرب الباردة بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 مع القرار 242، الذي جاء ايضا بتوافق دولي، وهو القرار الذي تحول الى اساس لاي تسوية سلمية في الشرق الأوسط، بمعنى ان وجود إسرائيل اصبح حقيقة ثابتة في الشرق الاوسط وان التسوية تدور فقط حول الاراضي التي احتلتها إسرائيل في تلك الحرب. في هذه المرحلة حسم الاتحاد السوفييتي موقفه من إسرائيل بالتزامن مع بروز دور الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على الساحة الشرق اوسطية.
وشكلت حرب تشرين اول/ أكتوبر 1973 بداية لمرحلة ثالثة عادت خلالها القضية الفلسطينية كبند على جدول اعمال هيئة الأمم المتحدة، وبالتحديد منذ اللحظة الذي وقف فيها ياسر عرفات على منبر الأمم المتحدة في خريف العام 1974. في هذه المرحلة صدرت مجموعة قرارات ايجابية واكثر عدلا عن المنظمة الدولية. ابرزها: الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة الخاصة به، بالاضافة إلى التأكيد المستمر على حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم بموجب القرار 194، كما تم الاعتراف بان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وانها هي الناطقة باسمه في هيئة الأمم المتحدة.
اما المرحلة الاخيرة في علاقة فلسطين بالمنظمة الدولية فقد بدأت مع اعتراف هذه الاخيرة بفلسطين كدولة غير كاملة العضوية في العام العام 2012. فمنذ ذلك التاريخ عادت فلسطين الى الأمم المتحدة كدولة وليس كمنظمة او حركة تحرر، وتوجت هذه المرحلة بإصدار مجلس الأمن الدولي للقرار المهم رقم 2334، الذي سمحت واشنطن، في عهد إدارة الرئيس اوباما، بتمريره نهاية كانون الاول/ ديسمبر 2015، الذي يعتبر المستوطنات وكافة الاجراءات الإسرائيلية من جانب واحد غير شرعية واكد حل الدولتين، لكن هذا القرار المنصف نسبيا بقي في الأرشيف.
وبعيدا عن عصبة الأمم، التي انتهت وأغلقت ابوابها في جنيف مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ومدى الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني نتيجة لقراراتها المجحفة، فإن هيئة الأمم كانت هي الأخرى حصيلتها اكثر ظلما واقل عدلا، ولكن ولكي لا نحمل هذه الهيئة اكثر مما تحتمل، فإن قراراتها في نهاية الامر تمثل ارادة الدول الكبرى اكثر مما تمثل ارادتها او إرادة الشعوب، فهذه القرارات تصدر ومن ثم تنفذ او لا تنفذ بتأثير مباشر من هذه الدول، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الروسي، الصين، بريطانيا وفرنسا، بالإضافة لدول كبرى اخرى لا تملك العضوية الدائمة في مجلس الامن مثل دول الاتحاد الاوروبي واليابان وغيرها. ولكن من بين اكثر الدول اضرارا بحقوق الشعب الفلسطيني هي الولايات المتحدة وبريطانيا، الاولى هي الراعي الأكبر للمشروع الصهيوني، والثانية هي التي جاءت بهذا المشروع الى فلسطين والمنطقة وهي التي دعمت تأسيس الكيان الصهيوني وتطوره حتى إقامة دولة إسرائيل.
لا تزال الولايات المتحدة الأميركية هي العقبة الاكبر أمام أخذ الأمم المتحدة دورها المتوازن، وألا تكون اداة لسياسة ازدواجية المعايير وتغييب العدل. هذا الواقع حول هذه المنظمة الدولية التي من اهم اهدافها حفظ السلام العالمي وتنفيذ القانون الدولي الى غطاء للعدوان والحرب في اكثر من مكان في العالم، وتقترب الأمم المتحدة من المصير نفسه الذي انتهت اليه عصبة الأمم، وتبقى القضية الفلسطينية هي المحك لفاعلية او عدم فاعلية الأمم المتحدة وقدرتها على القيام بدورها.
مواضيع ذات صلة
المياه المعالجة: أمل جديد لبساتين فلسطين في زمن شحّ المياه وارتفاع الأسعار
مؤتمر فتح الثامن.. أي برنامج سياسي نريد؟
نتنياهو ومحاولات توظيف مصطلح التهديد الوجودي في إدارة الصراع
غزة.. حين يتراجع الزمن 77 عاماً
المربع الذهبي!
ما الذي نتوقعه من مؤتمر فتح الثامن؟
في انتخابات الهيئات المحلية.. شكرًا للشرطة الفلسطينية