عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 كانون الثاني 2016

ابو مازن... والمشعوذون بطلاسم السياسة

موفق مطر

ما يميز الرئيس ابو مازن ان كلماته تؤثر في مدارك المتلقي المتجرد من الكراهية الحزبية والفئوية كتأثير قطرات الماء المتتابعة في الصخر، تنقش أبجدية حياة رغم قساوته وصلابته، فالصخر يخشع لطهارة وعذوبة قطرات الكلمة الخالصة الصادقة، النابعة من عقل اراده الله مقدسا بالسلام ومحبة الإنسان للإنسان.

قرأت في كلمة الرئيس في بيت لحم قبل بضعة أيام خطابا سهلا ممتنعا، ثقافيا سياسيا دون تكلف، بمصطلحات مبسطة، لكنها تلامس مصير الفلسطيني ووجوده، وتحدد معنى ومتطلبات السلام في الأرض المقدسة وما جاورها (المنطقة الحضارية) وتحمل في طياتها رسالة لا مجال لتأويلها او تفسيرها، ولا تخضع لمشيئة مشعوذي السياسة.

قدم الرئيس ابو مازن العلاقة بين الانسان الفلسطيني وأرض وطنه المقدسة كيانا ماديا واحدا لا يمكن فصلهما، او ديمومة حياة احدهما دون الآخر فالرئيس قال: "نحن حراس الأرض المقدسة، نحميها بعيوننا وبسواعدنا وبكل ما نملك ونبعث رسالة المحبة والسلام"، ثم قال: "هذا البلد بلدنا، نحن حماته ونحن رعاته، نحن ههنا قاعدون ولن نتراجع عن حقوقنا كاملة ".

كلام الرئيس ابو مازن عن قدسية أرض فلسطين، وحق الإنسان الفلسطيني بملكيتها الى الأبد، رسالة واضحة من رسول سلام فلسطيني، للعالم عموما، ولاسرائيل خصوصا، رسول محبة وسلام قدم الفرصة تلو الأخرى من اجل سلام يحفظ لهذه الأرض قداستها والإنسان عليها الحياة بلا سفك دماء او حروب، رسالة مفادها ان ابتغاءنا السلام لا يعني قطع الحبل السري مع (أمنا) الأرض المقدسة، ولا الرضى بمولود مشوه لا يحمل سمات وخصائص ثقافتنا وتاريخنا وقداسة أرضنا، ورؤيتنا المستقبلية الحضارية عليها، ورسالة لمن يظنون بقدرتهم على تطويعها لمشاريعهم الخاصة وبيعها قطعا قطعا من وراء ستائر تبدو دينية لكنها ليست كذلك، فالرئيس ابو مازن وهو يتكلم باسم الفلسطينيين كافة، يضع الخطوط الحمراء امام كل من يفكر بتجاوز الحق التاريخي والطبيعي للفلسطينيين بأرضهم، ويحذر من انتهازية واستغلال المتاجرين بأجزاء من هذه الأرض المقدسة، كانت قد آلت إليهم في ظروف تاريخية خارجة على إرادة الشعب الفلسطيني فالرئيس قال: "هذه أراضٍ مقدسة لن نسمح بتسريبها لأحد أيا كان، هذه أرضنا، هذه ملكنا هذه لأبنائنا وأحفادنا ولا نسمح لأحد ان يتصرف بذرة تراب منها، هي لنا إلى الأبد".

كتبنا مرة ان السياسة ترتكز على قوائم الثقافة، وأن الثقافة تحتاج الى علماء السياسة لابراز مكنوناتها الحضارية الجمالية، وهذا ما نراه متجسدا في اسلوب الرئيس أبو مازن حيث تتربع المناسبة كمصدر الهام لأبي مازن الانسان المفكر المثقف والسياسي المخضرم. لا تأخذه اهواء وبهلوانيات متسلقي الحبال السياسية بخفة، ولا تعنيه خزعبلات النافخين في جمر الثأر والانتقام والردود المزلزلة، ولا جعجعة اصحاب الأبواق المرئية والمسموعة، فهو يرى بعين القائد الذي يبلغ بصره الآفاق، ولا يرى بعين المنفعلين المأخوذين بالغضب.. فالسياسة منهج وليست ردة فعل، بناء وليست هدما، تقدم دائم ولا تراجع عن انجاز، السياسة عند ابو مازن تحقيق الانجاز والبناء عليه، بعد تأمين العمق والمدى الثقافي له لذا سمعناه قال: "السلطة هي إنجاز من إنجازاتنا لن نتخلى عنه، لن يحلموا بانهيارها.. لن نخرج من هنا ولن نيأس ولن نستسلم، السلطة موجودة وما بعدها الدولة،..... وأقول لكل الإسرائيليين أتمنى أن تسمعونا وتفهمونا، نحن موجودون هنا ولن نخرج، سنبقى هنا في بيوتنا وفي بلدنا، وإذا كنتم تريدون دولة بنظامين ليس مسموحا، نريد دولة كاملة السيادة".

ابو مازن رئيس، قائد ثائر على المشعوذين بطلاسم السياسة، ومتحرر من مفاهيم الزعامة التقليدية , قد لا يفهمه البعض اليوم، لكنهم سيفتقدون حكمته في الغد بعد عمر طويل.