من ذاكرة الحرب
حنان باكير
لم أرتبك في اختيار موضوع تغريدة، مثل ارتباكي هذا الاسبوع! كتبت نصف تغريدة، فوجدتها تزيد من قتامة مزاجي، فتركتها لمرة ثانية. بدأت بتغريدة اخرى، فوجدت نفسي أنجرّ الى القتامة نفسها، إذ لا شيء يوحي لك بالانشراح. لكن زيارة بعض الصديقات، بدّلت المزاج باستعادتنا لنوادر الحروب التي خبرناها في لبنان.
أم حبيب، تسكن في ضيعة جبلية، وفي بيت أرضي. وحيث اعتدنا تخزين كل شيء، فقد اختزنت المرأة العديد من عبوات الغاز على بلكونتها. وعلى مرأى منها جاءت امرأة، وحملت عبوة مليئة بالغاز، وسارت بها.. هكذا وبكل بساطة! صرخت أم حبيب بها لإرجاع العبوة فلم تمتثل.. أحضرت جفت الصيد، ولحقتها مهددة! اطلقت خرطوشتين قرب قدمي السارقة، التي ألقت العبوة، وهربت. لكن ام حبيب تبعتها وهي تطلق الخرطوش. صاحت المرأة، لقد تركتها لك، ماذا تريدين بعد؟ أجابتها: انها ثقيلة أرجعيها الى مكانها! ففعلت.
ام حبيب، كانت اكثر شجاعة وفطنة مني، هل لأنها جبلية صلبة وعنيدة؟ كنت مع طفلاتي في شارع الحمرا، قرب بيتنا.. حين هجم شاب واختطف سلسلة مع قطعة ذهبية ثمينة، من رقبتي وفرّ هاربا! تبعته راكضة، بكل ما أوتيت من قوة.. عملية مطاردة هوليوودية، لكن سرعان ما وجدت نفسي وقد تجاوزت الحرامي وسبقته بأمتار عدة.. تركته خلفي يلهث، وإذ بسيارة كانت بانتظاره، استقلها واختفيا. عدت ادراجي.. وكانت ابنتي تصفق وتهتف بحماس " برافوو.. مامي سبقت الحرامي"! فزت بالركض وفاز اللص بالغنيمة!
الحرب والعوز أنجبا، عباقرة في اللصوصية. يجمعون المعلومات عن العائلة/الهدف، ويحضرون في وضح النهار، يدعون انهم من طرف اقاربهم في الخارج، ويحملون لهم الرسائل. أمي ارسلت لي رسالة، من الاردن حيث كانت في زيارة اقاربها. الرجل حامل الرسالة صديق ونعرفه حق المعرفة.
اضطررت ذات يوم، للخروج مع ابنتي الكبرى، تاركة ابنتي التي لم تتجاوز الثلاث سنوات، وابنة أختي ابنة الثلاث عشرة سنة. مع تعليمات صارمة بعدم فتح الباب لأي كان. غيابي لم يتجاوز النصف ساعة.. على مدخل البناية وفي الشارع، جمهرة من الناس! ارتعدت رعبا، حين تحولت انظار الجميع نحوي كالرصاص.
اقترب مني ناطور البناية ضاحكا ومطمئنا. فقد جاء الرجل الذي تجاوز الخامسة والسبعين حاملا رسالة أمي. الكهرباء مقطوعة كالعادة، فاضطر للصعود على الدرج. رن الجرس.. وطرق الباب حتى" كلّ متنه"، ومن دون نتيجة، فصعّد من وتيرة الطرق على الباب الحديدي، ولرعبها صاحت الصبية: مين؟ أنا معي رسالة لكم. صاحت به: ألاعيبكم صارت مكشوفة يا حرامية، فتشوا عن حيلة ثانية.. عبثا حاول الرجل تقديم معلومات تشفع له بالدخول ليستريح قليلا. سارعت الصبية وابنتي، الى الشرفة يصرخان: حرامي حرامي، تجمهر الجيران من البنايات المجاورة بالعصي والسكاكين، منتشرين على طول الدرج، حتى الطابق الخامس. لم يسمح للرجل المسن والأنيق جدا، بشرح الموضوع، فنال علقة ساخنة، من بعض الشباب، وانصرف الناطور وجار لنا، ينادي على ابنتي كي تفتح الباب. اطمأنت الصبية وفتحت الباب. تدفق الجمع داخل البيت، للبحث عن ابنة الثلاث سنوات التي اختفت! في الغرف وداخل الخزانات، لم يعثروا على اي اثر لها. لكنها ميّزت صوت الناطور... فخرجت من داخل الغسالة وقد غطت رأسها ببعض الملابس!
المفارقة، ان ابن الرجل الانيق، الذي اوصله وبقي بانتظاره قرب المبنى، كان قائد شرطة بيروت، ولم يدر ان الجماهير الغاضبة، كانت تستهدف اباه!
مواضيع ذات صلة
المياه المعالجة: أمل جديد لبساتين فلسطين في زمن شحّ المياه وارتفاع الأسعار
مؤتمر فتح الثامن.. أي برنامج سياسي نريد؟
نتنياهو ومحاولات توظيف مصطلح التهديد الوجودي في إدارة الصراع
غزة.. حين يتراجع الزمن 77 عاماً
المربع الذهبي!
ما الذي نتوقعه من مؤتمر فتح الثامن؟
في انتخابات الهيئات المحلية.. شكرًا للشرطة الفلسطينية