عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 05 كانون الثاني 2016

قصائد مُختارة للشَّاعر الإيطالي بيير باولو بازوليني

رمادُ غرامشي2

I

ما هو بأيَّاريٍّ هذا الهواءُ المرمَّد

الذي يصيِّرُ هذه الحديقة الغريبة المعتِمة3

أكثر إعتاماً، ويُبهِرها

بالبرقِ المعمِّي... لكأنَّ السَّماءَ،

فوق العِلِّيَّاتِ المصفرَّة، زبَدٌ

من أشباه دوائر هائلة تبرقعُ الآنَ

التواءاتِ نهرِ تِفِرِهْ، والجبال الفيروزيَّةِ

جبالِ لاتْسيو... صمتٌ

قاتلٌ، وجافٍ جفاءَ أقدارِنا نفسِها، يسفِكُهُ

بين الأسوار العتيقة هذا الأيَّارُ الخريفيُّ.

فيه ترتسمُ ترميدةُ العالَم؛

ووسط خرائبه تكمنُ الخاتمة

خاتمةُ العقدِ الذي تجلَّى فيه الجهدُ العميقُ

والسَّاذج، جهدُ إصلاحِ الحياة؛

كذلك ثمَّة السُّكون، مُنتِنٌ وعاقرٌ...

شابَّاً كنتَ، في شهر أيَّارَ ذاك

أيَّامَ كان الخطأ معنىً آخرَ للحياة، في ذلك الأيَّار الإيطاليِّ

الذي كان، على الأقلِّ، يضفي على الحياة جذوةً؛

كنت يا غرامشي، وأنتَ الأقلُّ طيشاً وأوفر صحَّةً

مِن سائر آبائنا - لا أسمِّيك أباً، بل أخاً

متَّضعاً- قد بدأتَ ترسمُ بيدك النَّحيلة

 

المثالَ الأعلى الذي يريق نورَه

(لكنْ ليس لأجلنا: فأنت ميِتٌ، ونحن كذلك

موتى، معكَ، في هذه الحديقة

المبلَّلة) على هذا السكون. منهي أنت،

أفلا ترى؟ أن تستريحَ إلَّا في هذا المقامِ

الغريب، منفيَّاً فوق ذلك. ضجرٌ

جليلٌ يحوِّطُك. وحدُه

الرَّجعُ الخاملُ لانطراقِ السَّنادين يبلُغُك

من وُرَشِ ضاحية تِسْتاتْشو، النَّاعسة

آناءَ الشَّفق: حيث بين السُّقُفِ البائسة، وكُوَمٍ

مِن صفائح فولاذٍ عارٍ، وحديدٍ متآكل،

يُتِمُّ صانعٌ سقيمٌ نهارَه، مدندناً،

 

فيما تختتمُ السَّماءُ، مِن حولِه، إمطارَها.

 

II

بين العالَمَين4، تقومُ هدنةٌ،

لا مكان لنا فيها. علينا أن نختارَ ونتكرَّسَ... أمَّا الموتى

فلم يبق لهم، بخلافِ صوتِ هذه الحديقة

النَّبيلة والمغِمَّة، صوتٌ آخرَ يلطِّفُ،

بخداعٍ متعنِّتٍ، [ظلَّ] الحياةِ الباقي في موتهم.

في أطواق المدافنِ الحجريَّة لا تفعلُ

 

رقوشُ العلمانيين المدنِّسة شيئاً

سوى أنَّها تبوحُ بما بقي من مصيرهم،

على تلك الشَّواهد الرَّماديَّة،

 

القصيرة والمهيبة. ها عظامُ الأثرياء،

أثرياءِ الأممِ العظمى، لا تزال ملتهبةً بهُياماتٍ

لا لاجمَ لها، نقيَّةٍ الآنَ

مِن كلِّ شنار؛ وهي ذي تخفقُ، كأنَّها لم تندثر يوماً،

تهكُّماتُ الأمراء، واللوطيِّين، الهاجعةِ أجسادهم

داخلَ المرامدِ، وقد صارت إلى الأبدِ

رماداً مذرَّى، منقوصَ الطُّهرِ كما من قبلُ.

ههنا، صمتُ الموتِ يوالي

الصَّمتَ اللطيفَ، صمتَ الرِّجال الباقين

رجالاً، وصمتَ المللِ الذي، في قلبِ المللِ الحدائقيِّ،

يتحوَّرُ خفيةً: المدينة التي،

بحيادٍ، تعزلُه5 وسط البيوت المتهالكة

والكنائس العديمةِ الرَّحمة، تجرِّدُه

بذلك من ألقِه. أرضُه

الطَّافحة بالقرَّاصِ والبقول، تُطلِقُ

سروَها النَّحيل، وذلك البللَ الأسودَ

الذي يبقِّعُ الجدرانَ حولَ

هَوشاتِ بقسٍ شاحبٍ، إذ يخمدُها

المساءُ الملطِّفُ في شميمِ طحلبٍ

عارٍ... [كذا تُطلِقُ] سحلبيَّاتها الهشَّة

عديمة الرَّائحة، حيث بنفسجيَّاً

يهوي الغروبُ، مع ارتعاشةِ نعناعٍ،

أو تِبنٍ عفِنٍ؛ فيما الليل بارتجافِ أعمى

يلجُ، هادئاً، مثلَ توطئةٍ موسيقيَّة،

قلبَ الحزنِ النَّهاريِّ. ضارٍ

هو المُناخ؛ عذبٌ هو، بين هذي الجدران،

تاريخُ الأرضِ التي ترشحُ منها

 

أرضٌ أخرى؛ عذبٌ البللُ الذي

يستدعي آخرَ؛ بينا تَصدى

- مأنوسةً وآتيةً من انفساحاتٍ

وخطوطِ أفقٍ حيثما الغابات الإنكليزيَّة تتوِّجُ

بحيراتٍ تائهةٍ في المدى، وسطَ مروجٍ

خضراء كما بليارٍ فُسْفوريٍّ، أو كما

الزُّمرُّد: "وأنتِ أيَّتها الينابيع..."-

الابتهالاتُ الورعة...

IV

فضيحةُ أن أناقض نفسي، أن أكون

معكَ وضدَّك؛ في الضَّوءِ

معكَ بالقلب، وضدَّكَ في ظلمةِ الأحشاء؛

خائناً نهج أبي6

- في الفكرِ، كما في شُبهةِ فعلٍ-

أعرفُ أنِّي مشدودٌ إليه بحميَّةِ الغرائز؛

بالشَّغف الجماليِّ ذاتِه؛

أنا المفتونُ بحياةٍ بروليتاريَّةٍ

سبقتْ وجودَك، لا ديانة لي

إلَّا في بهجتها، لا في كفاحها الممتدِّ

ألف عامٍ: في فطرتها، لا

في وعيها؛ وحدها القوَّة الفطريَّة

للإنسان، تلك المفقودة من المشهد،

ما يمنحها7 نشوةَ الحنين،

والبرقَ الشِّعريَّ: وسوى ذلك

لا أعرفُ ما أقول، إلَّا ما قد يكون إنصافاً،

لا إخلاصاً، وحبَّاً

نظريَّاً، لا تعاطفاً موجعاً...

 

فقيرٌ أنا، بين الفقراء، مثلهم

أتعلَّقُ بآمالٍ مُهينة،

ومثلهم أصارعُ لكي أحيا

 

يوماً بيوم. لكنْ، في وضعي المكئب،

وضع المحرومِ من الميراث،

أنا هو المالكُ: وملكيَّتي هي الأعظم

 

بين التَّرِكاتِ البرجوازيَّة8، بل هي

الحقيقة المطلقة. ويقيناً، مثلما أمتلك أنا التَّاريخَ،

فالتَّاريخ بدورِه يمتلكني؛ إنَّني مستنيرٌ به:

ولكن، ما نفعُه الضِّياء؟

صد المقبرة الإنكليزيَّة.