العمل يدا بيد على بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك
بقلم: السفير قوه وي (مدير مكتب جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين)

تضرب العلاقات بين الصين والدول العربية بجذورها في أعماق التاريخ، ونصبت نموذجا للتبادلات الودية بين مختلف الأمم.
على مدى 73 عاما بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، تتطور العلاقات بين الصين والدول العربية على أساس الاحترام المتبادل والتعامل على قدم المساواة والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك والتعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة، وحقق التعاون الودي بين الجانبين طفرة تاريخية من حيث النطاق والعمق.
في أوائل كانون الأول عام 2022، أصدرت وزارة الخارجية الصينية تقريرا عن التعاون الصيني العربي في العصر الجديد، بما استعرض تاريخ التبادلات الودية وممارساتها بين الجانبين بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وخاصة في المرحلة الجديدة في القرن الحادي والعشرين، ووضع الآفاق والاتجاه لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك. ظل السلام والتعاون والانفتاح والشمول والتعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك عنوانا رئيسيا للتواصل الصيني العربي.
وأصبح طريق الحرير البري وطريق التوابل البحري شريانين أساسيين للتواصل بين الحضارتين الشرقية والغربية. وحققت الدول العربية استقلالها على التوالي في خمسينات القرن الماضي.
في عام 1955، وفتح مؤتمر باندونغ الباب لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية، حيث قام رئيس مجلس الدولة تشو أنلاى الذي حضر هذا المؤتمر على رأس الوفد الصيني، بتواصل واسع النطاق مع الممثلين من الدول العربية، مؤكدا على الدعم لنضال مصر من أجل تأميم قناة السويس وإدراج القضية الفلسطينية في جدول أعمال المؤتمر، والدعوة إلى حل قضية اللاجئين العرب في فلسطين، ودعم نضال الشعوب في شمال إفريقيا لكسب الاستقلال. في عام 2012، عقد الحزب الشيوعي الصيني المؤتمر الوطني الـ18 له، حيث دخلت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية إلى العصر الجديد.
كما دخلت الدول العربية إلى مرحلة من استكشاف الطرق التنموية بإرادتها المستقلة وتحقيق استقرارها وتنميتها وتحولها.
وتدعو كل من الصين والدول العربية إلى احترام السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي وعدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي، وترفض التدخل الخارجي والهيمنة وسياسة القوة بكافة أشكالها، وتدعو إلى احترام ودعم كافة الدول في اختيار طرقها التنموية بإرادتها المستقلة وفقا لظروفها الوطنية ومقدراتها الوطنية، وتحافظ على المنظومة الدولية التي تكون الأمم المتحدة مركزا لها والنظام الدولي القائم على أساس القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية التي تقوم على أساس مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
تتشابك وتتداخل التغيرات غير المسبوقة في العالم منذ مائة سنة وجائحة القرن والأزمة الأوكرانية في العقد الثالث من القرن الـ21، مما أدخل العالم إلى جولة جديدة من الاضطرابات والتحولات.
وأصبحت عزيمة الصين والدول العربية على تطوير علاقات الصداقة القائمة بينها أكثر ثباتا، وأصبحت خطواتها لدعم الدفاع عن المصالح الجوهرية للجانب الآخر أكثر قوة.
منذ حدوث جائحة فيروس كورونا، أجرت الصين والدول العربية تعاونا فعالا في مجالات تطوير اللقاحات واستخدامها والوقاية والسيطرة المشتركة وتقاسم الخبرات والأدوية العلاجية وغيرها.
لغاية تشرين الأول عام 2022، قد قدمت الصين أكثر من 340 مليون جرعة من اللقاحات ضد فيروس كورونا إلى الدول العربية. تهم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية جذرية للشرق الأوسط، السلام والاستقرار في المنطقة والعدالة والإنصاف الدوليين والضمير والأخلاقية للبشرية.
تدعم الصين بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه الوطنية المشروعة، وتدعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتدعم فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وتقدم مساعدات إنسانية إلى الشعب الفلسطيني.
تدعم الصين جهود جامعة الدول العربية والدول الأعضاء لها في القضية الفلسطينية، وتدعو المجتمع الدولي إلى تعزيز الشعور بالإلحاح، وإعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، وتحث الأطراف المعنية على الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة و"مبادرة السلام العربية" ومبدأ "الأرض مقابل السلام" وغيرها من التوافقات، ودفع مفاوضات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس "حل الدولتين"، بغية الدفع بإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية في يوم مبكر.
يولي الرئيس الصيني شي جينبينغ اهتماما بالغا للقضية الفلسطينية، وهو بعث ببرقيات التهاني إلى مؤتمر الأمم المتحدة لإحياء "اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني" لـ10 سنوات متتالية.
في أيار عام 2013 وتموز عام 2017، عقد الرئيس شي جينبينغ جلسة المباحثات مع نظيره الفلسطيني محمود عباس لمرتين، حيث طرح فيهما الرؤية ذات النقاط الأربع لحل القضية الفلسطينية لمرتين، التي يكون جوهرها ضرورة الدفع بثبات بالحل السياسي على أساس "حل الدولتين"، والالتزام بمفهوم الأمن المشترك والمتكامل والتعاوني والمستدام، وحشد جهود المجتمع الدولي لدفع مفاوضات السلام وتعزيز السلام من خلال التنمية. في نيسان عام 2022، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ مبادرة الأمن العالمي، التي توجه جهود الصين الحميدة لدفع التصالح والتفاوض في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة.
في أذار عام 2021، طرحت الصين المبادرة ذات النقاط الخمس بشأن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، التي تشمل الدعوة إلى الاحترام المتبادل، والالتزام بالعدالة والإنصاف، وتحقيق عدم الانتشار النووي، والعمل معا على تحقيق الأمن الجماعي، وتسريع وتيرة التعاون الإنمائي. في تموز عام 2021، طرحت الصين الأفكار ذات النقاط الثلاث لتنفيذ "حل الدولتين" بشأن القضية الفلسطينية، داعيا إلى تعزيز نفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية، ودعم الفصائل الفلسطينية لتعزيز التضامن، وتشجيع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على استئناف مفاوضات السلام على أساس "حل الدولتين".
بعد اندلاع الاشتباكات الشديدة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في أيار عام 2021، قامت الصين بصفتها الرئيس الدوري لمجلس الأمن الدولي، بدفع المجلس لمراجعة القضية الفلسطينية لخمس مرات حتى أصدر المجلس بيانا صحفيا رئاسيا.
ونظمت الصين أربع دورات لندوة الشخصيات الفلسطينية والإسرائيلية المحبة للسلام، وتدعو إلى عقد مؤتمر سلام دولي على نطاق أوسع وبمصداقية أكبر وتأثيرات أكثر، بما يدفع عملية حل القضية الفلسطينية بخطوات ملموسة.
في تشرين الأول عام 2022، عقد الحزب الشيوعي الصين المؤتمر الوطني العشرين له بنجاح، حيث تم طرح أن أهم مهمة للحزب الشيوعي الصيني هي الاتحاد مع الشعب الصيني من كافة القوميات وقيادته لبناء دولة اشتراكية قوية حديثة على نحو شامل وتحقيق الهدف المئوي الثاني، والدفع بالنهضة العظيمة للأمة الصينية على نحو شامل من خلال التحديث الصيني النمط.
في المسيرة الجديدة، تلتزم الصين دوما بمقاصد سياستها الخارجية المتمثلة في الحفاظ على السلام في العالم وتعزيز التنمية المشتركة، والعمل على الدفع ببناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وستتمسك الصين بانتهاج السياسة الخارجية السلمية المستقلة، وتطوير التعاون الودي مع كافة الدول على أساس المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، وتتمسك بالسياسة الوطنية الأساسية للانفتاح على الخارج، وتشارك بنشاط في إصلاح وبناء منظومة الحوكمة العالمية، وتكرس القيم المشتركة للبشرية، بما يوفر فرصا جديدة لدول العالم بما فيها الدول العربية بالتنمية الجديدة في الصين.
وتحرص الصين على العمل مع الدول العربية على تكريس الصداقة الصينية العربية التاريخية، ومواصلة إثراء وتعميق معادلة التعاون الشاملة الأبعاد والمتعددة المستويات والواسعة النطاق بين الجانبين، والعمل يدا بيد على بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد، بما يعود بالخير على الشعب الصيني والشعوب العربية، ويعزز التضامن والتعاون بين الدول النامية، ويحافظ معا على قضية السلام والتنمية في العالم.