عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 05 تشرين الثاني 2022

قراءة في كتاب جحا في رام الله

حسام أبو النصر

للوهلة الأولى حين نقرأ اسم جحا يتبادر إلى ذهننا  شخصية جحا في العصر الأموي (نسبة إلى أبو الغصن دجين الفزاري) وإليه تنسب النكات العربية في الأدب العربي، لكن عنوان المجموعة القصصية الساخرة الصادرة عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع، وجائت في 110 صفحات، للكاتب الدكتور بسام الحاج  بعنوان (جحا في رام الله)، يجعلنا ندرك أننا نعيش مع جحا المعاصر خاصة مع ذكر رام الله المدينة حديثة النشأة قبل قرنين، وهي فكرة ذكية من الكاتب خاصة ان شخصية جحا تم استحضارها في عصور مختلفة منها الغزو المغولي، حتى الدولة العثمانية، وأيضا في القصص العالمية، فكان اسقاطا موفقا على واقعنا الفلسطيني في 26 قصة قصيرة تناولت واقعنا بطريقة ساخرة ومعبرة، بتقديم ثري من الدكتور ابراهيم السعافين، وكل قصة تناول فيها بسام قضية معينة، منها السياسي ومنها الثقافي ومنها المجتمعي ومنها الاقتصادي،  ليلامس همومنا جميعا دون الاساءة وبإشارات قوية، لتحمل القصص أوجاع الشارع بلغة عامية فلسطينية أصيلة، خاصة المستعملة في مناطق الضفة الغربية، وتعبر عن تراثنا، من خلال تنقله في رحلاته بين المدن الفلسطينية، ليحط رحاله خلالها في رام الله، وقد تناول الكاتب قصص جحا بدء بأرضه التي باعها ليصرف على ابنه في الجامعة وصولا إلى الخزنة التي اهدها لأحد موظفي الحكومة، وبطريقة سردية رصينة ولغة عالية الجمال محكمة تتراوح بين العربية الفصحى والعامية البحتة، والفصل بينهما والانتقال بطريقة ممتعة في حوارات جحا الدائرة في جوانب المدينة وضواحيها، مع شخصيات رئيسية منها زوجته ام الخير، وإبنه خير، والوالي وتحمل الحوارات السجع الممتع ومذاق قصص كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، أي جعلنا نعيش الواقع بلغة الحاضر، لكن بأسلوب الماضي، بطريقة سلسة غير معقدة يستوعبها القارىء من القراءة الأولى، وتنوع في الطرح بين مشاكل القرية والمدينة وتباعيات اوسلو، والكهرباء، والتعليم، والزراعة، والرواتب، والمستوطنات، والقروض والحكومة والوزراء والخوازيق التي عاشها شعبنا من خلال شخصية جحا، وبالتأكيد أن تنوع الأحداث بين السلبي والايجابي، ورسائل الوالي، إلا ان في كل قصة أراد الكاتب أن يختمها بحكمة ساخرة، فنجد هنا أن بسام الحاج لم يكن مكررا في قصصه بل ترك بصمة وشخصية الكاتب واضحة، وقد أرخ لجحا في هذا العصر ليعطي استمرارية لقصصه التي ستعيش وتستمر، في كل زمان، بين الواقع المضحك المبكي، والسخرية السوداء، التي حرص الكاتب أن لا تتحول إلى حالة لهو بلا هدف وتحمل رسائل واضحة، وبإعتقادي ان القارىء سيحكم على هذه المجموعة القصصية من خلال تعابير التي ترتسم وتتغير من حين إلى آخر على وجهه، فتبين لنا مدى تأثره بهذه القصص، وأقول هنا أنها ذات سمات الرواية لأنه من المفروض أن يكتب على غلاف المجموعة أنها مصنفة كقصص ساخرة، لإعطاءها هوية، ولكن في حالة بسام الحاج فعلا في الحالتين هي رصينة بنصوص قصصية وأيضا قوية بسخريتها لذلك أيا كان التعريف فهي في مكانها الصحيح بلغتها المتينة، رغم وجود بعض الاخطاء المطبعية الغير مقصودة، إلا أن القصص أعطت انطباع أنها منفصلة وليست كلها عبارة عن قصة واحدة مترابطة ولكن بعدة يوميات، وكان ممكن للكاتب مثلا قصة (عمي جحا، انت غلطان) (ص 61) أن تكون آخر قصة في المجموعة بإعتبارها رسمت نهاية لشخصية جحا ببندقية جندي احتلال، إلا أن بقاء جحا في القصص اللاحقة حيا أعطى انطباع أنها قصص منفصلة، كما أن غلاف الكتاب لا يوحي بمضمونه وكان ممكن إختيار غلاف أقرب للمضمون، وهذا ما حدث للعنوان الذي أوحى للمتلقي للوهلة الأولى أن كل القصص دارت احداثها في رام الله والأصل في الموضوع أن قصة أو أكثر فقط داخل رام الله والباقي كانت في مدن وقرى اخرى، رغم أنه أكثر عنوان جذاب للقارىء في مجموعة القصص، وقد يكون الاختيار على هذا الأساس، كما أن الكاتب ذكر بعض المصطلحات العبرية التي قد لا يعرفها القارىء الفلسطيني أو العربي، فكان ممكن توضيحها في الهامش أو المتن، مثلا كلمة (شيكت) بالعبري  (ص 44 وص 63) وتعني إخرس، وجملة (عرفيم ملخلوخيم) ص 25، و(سيجر) تعني إغلاق (ص 24) وهذا أيضا ما حصل مع بعض المصطلحات العامية الفلسطينية التي قد يفهمها القارىء المحلي ولا يفهمها القارىء العربي، وهي من تراثنا مثلا، (امقرقطين) ص 70، (تبرطم) ص 65 (قواريط زغار ص 69)، كما أن استعمال عملات مختلفة رغم ان جغرافيا القصص فلسطينية، اعطى بعض التشويش، فإستعمل مثلا، (دنانير ص 30)، (شيكلات جمع شيكل ص 45)،  و(دراهم ص 50)، كما كان من المفروض وضع المصطلحات بين قوسين لتعطيعها خصوصية، ورغم تأثرنا بمحيطنا العربي الساخر وخاصة المصري إلا أن الكاتب أظهر الخصوصية الفلسطينية في هذه القصص، والتي نفتقدها في الكتابات الساخرة من خلال اللهجة واللفظ وهذا المستعمل لدينا، وقد كتب محمود السعدني اشهر رواياته الساخرة بالعامية المصرية البحت وعاشت حتى يومنا هذا، كما اني استعملها أيضا في كتابتي الساخرة ومنها عمود الهرطقات اليومية اللهجة الفلسطينية لتعطي هذه الكتابة صبغتها ونكهتها المحلية، كما ان الكاتب استطاع أن يظهر تراثنا الفلسطيني وأحقيتنا من خلال هذه القصص مع ذكره أهم الماكولات الشعبية، والادوات المستعملة في الزراعة، وفي حياتنا اليومية، نهاية استطيع القول اننا أمام كوكتيل غني بالفيتامنيات الأدبية العالية، لا يجعلك تمل في استعراضه، ويغذي العقل بأفكار ومواقف وحكم لنخرج بعدها من هذه القصص لنفتح قصصنا اليومية التي لم يعشها جحا لكن له الفضل في أن نسترجعها.