أي قصيدة أغوتك وذهبت معها بعيداً يا جهاد؟!

في ذكرى الاربعين لرحيل الشاعرجهاد هديب
أيرحل الشعراء؟
نعم يرحلون
وماذا يتركون لنا؟؟
خليل نصيرات
يتركون لنا ما نعجز عن الاقتراب منه، كلماتهم التي لم يبوحوا بها تذكرنا بتفاصيل لم تحدث وكان بإمكان الموت أن يمنحها ويمنحنا معها أجلاً طويلاً، لم تُقل ولم نعشها معهم، لكنننا نهجس بها بعد رحيلهم، بحدس المفجوع الذي لا يفتأ يردد: لو. لو.لو.
يتركون لنا أشياءهم الكثيرة التي حدثت لنتذكر بها أشياء كثيرة لم تحدث، هكذا يتفنن الغياب بمنتهى الحسرة بتزيين تقويمه الحجري على جدار الروح بأسئلته المتأخرة زمناً من حزن ليختبر بها قدرة الذاكرة على الوقوف طويلاً لتقايض توهج الفقد بمسحة عزاء صغيرة تسدد بها ثمن الأوقات التي لم نعشها مع الراحلين.
صديقي جهاد هديب،
الراحل الذي ترك الوجع وذهب،
الشاعر الذي ترك اسمه في غفلة على تقويمنا وذهب شالعاً ورقة وحيدة وتاركاً لنا الخسارة فيما تبقى من وقت، وما من أثر لموسيقى يا جهاد، ما من أثر لصوتك ينصت لرسائلي ومكالماتي وثرثراتي المسرحية.
لقد تركت صوتي مجوفاً، مضفراً بقصائدك المفتوحة على الأشجار، أينك الآن فوحدي أفتح غابة كلماتك ووحدي أعود منها أسال الطريق: لماذا الشعراء خطواتهم قصيرة؟، لماذا لا تمنحهم الغابة من عمر ما تمنحه للأشجار الدائمة الخضرة؟، لماذا لا تمنحهم الطريق سخياً بالركض والخطوة الواسعة والقصائد الدائمة المطر؟.
كيف سحبتك من حضني أسراب الأناشيد التي وضعتها بين أصابعي، أي قصيدة أغوتك وتسللت من بين ذراعي يا شقيق الروح؟.
هذا ما قالته "فاطمة" يا صديقي؛
تلك التي قلت لها ذات بداية:
"فاطمة أم البدايات
عروس نبع أولى
تخضر بين أصابعها الأناشيد"
وها هي الآن تتهجى بالدمع الأحرف التي علمتك إياها حين أمسكت بيدك الصغيرة ووضعت بين أصابعك القلم وخطت معك ماسكة كفك أولى الكلمات، اخضرت بين أصابعك الكلمات ففتحت كف "فاطمة" ووشمته بالحب، علمتك الأحرف فأهديت لها كل الكلام، وها هي الآن تبوح بصوت الناي:
اكتب يا جهاد، لكنها لم تقل: ارحل يا جهاد، فكتبت ورحلت وظل صوت "فاطمة" حتى الآن معلقاً بين الأحرف وبين أصابعك الصغيرة: اكتب يا شقيقي، اكتب يا حبيبي!
ها هي يا صديقي كل يوم تدخل غرفتك، ترتب كتبك، وتمسح الغبار عن شهادة الروضة، عن صورتك مبتسماً لوجهها الحاني وتضع فنجان قهوتك على الطاولة، وتلقي نظرتها على أشيائك التي تزيحها تحت السرير حين تخاف من تذمرها من فوضاك.
تتوسل الهواء ليشعل رائحتك، قم يا حبيبي من قبرك الآن، فوحدها تشرب قهوتك برشفات صارخة:
من سيزورني يوم الجمعة يا جهاد؟؟ وتهز سريرك لكنك لا تستيقظ، فقد اعتقلتك قصيدة طائشة وذهبت بك بعيداً تعد الأحرف التي لقنتك إياها، تعد وتنسى وتعيد من جديد.
"فاطمة" التي لا تزال ترتب سريرك كل صباح، وتفتح الباب وتغلقه بهدوء، وتمشي على أطراف أصابعها كي لا توقظ غفوتك، هي "فاطمة" التي قالت لك في المستشفى في لحظات الصقيع: اكتب اسمي يا جهاد، وحتى تقايض ألمها بلحظة فرح مستعارة مسكت القلم بكل شجاعة وبحثت عن أحرف فاطمة في ذاكرتك، ارتبكت أصابعك ولم تهتد لرسم الاسم، لكن وجهك النابض بالرحيل كتب لها اسمها بإغماضة عين وبسمة شفاه افترت عن حب عميق وطوقت ارتباكتك أمام عينيها المتلهفتين قلبها بآلاف الكلمات، لم تكتب أصابعك اسمها، لكنها ما تزال بصوت روحها تناديك باسمك آلاف المرات.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين