مقدِّمةٌ لِكِتَابِ الدَّمَارْ
*باسل المصري

خلفي جهات كالمياه؛
خلفي قبور خصبة, نمتِ الحياة على جوانبها كشوكٍ منذُ أطلعت الحفاةَ على أسرتهم فناموا جائعينَ, ومنذُ أن أبصرتُ في خللَ السرابِ مطيَّتي مذبوحةً, فحملتها وجعلتُ أختلسُ النشيجَ على الطريقِ إلى المتاهْ
حتَّى تمزَّقَ كاحلي
وسالتِ الشرفاتُ منيّ غضّةً.
خلفي الخرائبُ كلّها
والأفقُ واهْ
ضُمّوا لجذعي النازفاتِ من الدوالي كي أرمِّمها إذاً
فدمي تراتبُ مشهدينِ: نهايةٌ ونهايةٌ,
ودمي اقتراب الشعبِ من أسماءهِ الأولى, اقترابَ مُجلْجلٍ من طعنةٍ تُدميهِ لكنْ لا يموتُ.
أرحتُ صدري فوقَ سيفِ الحزنِ حينَ تكوّمَتْ قربي الحدودُ جريحةً, وأثرتُ أغبرةَ المحالِ بخطوتي سكرانةً بخمورِ حزنيْ, كنتُ كالصيّادِ أكمنُ للبلادِ, أقولُ: تأتي حينَ ينهرها الحنينُ, أقولُ: ليسَ قدومها إلّا انتظارُ دقائقٍ, فأتت مضرّجةً بخيباتٍ, أتت مغدورةً والقتلُ يركضُ خلفها بحرابهِ, فحملتها وجعلتُ أختلسُ النشيجَ كأمهّاتٍ.
كنتُ أعرفُ أنَّ كفّي لم تكن تَسَعُ السماءَ إذا أرادتها, وأعرفُ أنَّها بين انهيارينِ ابتنت للغيمِ أعشاشاً وبينَ خرابها ألقتْ بمرساةِ الهدوءِ لكي أنامَ, وكنتُ أعرفُ كلَّ شيءٍ آخرٍ لمّا أتتني كي تنامَ على ذراعي, بينما كانَ النهارُ يلمُّ أوراقَ الجنونِ ميمِّماً جهةَ المياهْ.
قلقُ ذراعي, واللذينَ تفاوتوا في موتهم بدؤوا النشيجَ معي, ومّدوا لي ذراعاً من بقاياهم لأحتضنَ البلادَ بها, ذراعاً من بهاءٍ تستطيعُ الليل, ثمَّ توقفوا وتوقَّفت حولي المنازلُ عن تساقطها كريشٍ,
كانَت الأحجار واقفةً, غياب واقف,
أسف, لهاث
غير أن القتل كانَ مفاخراً بردائه يجري
وكنتُ أنا هناكَ
أبادل الأموات أسراَ الوجود بحنطة الموتى,
أجهز للبلاد سريرها
وأزفّها للحلم عذراء
أزفّ الشك للحق الطليق, وللرحيل أزف نفسي طائعاً.
خلفي الجهات
غريقة
وأنا أغادرها إلى جهتي
شديداً مثلَ تل
حاملا هذي القتيلةَ فوقَ ظهري
أرمق الجهةَ الأخير هادئاً
أرمي السلامَ على الدمار
وأغلق الأبواب خلفي
لا لشيء
إنما الأبواب تخلق حين تغلق.
* شاعر سوري يعيش في امستردام
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين