مكانٌ آخر في زمنٍ آخر
بلال الخطيب

معرض الفنان الفلسطيني إبراهيم جوابرة
"أنا المهرج
أرسم أطفالًا صغارًا
وألوّن وجوههم بدموعي
وحين أنتهي أشعر بالحزن
على الأولاد الذين قتلتهم وأنا انظر في المرآة
كان الجرح طرّيا
حين خلقتهم
ومن شدة الألم
نسيت رأسي على اقدامهم
ومت".
بهذه الكلمات يقدّم الفنّان الفلسطيني إبراهيم جوابرة معرضه الفني "مكان آخر" الذي افتتحته الأميرة رحمة بنت الحسن في جالاري "وادي فينان" في العاصمة الأردنية عمّان مقدماً سبعة وعشرين عملاً فنياً مرسوماً "أكريلك على قماش" بقياسات مختلفة.
يستعرض الفنّان من خلال أعماله مفهوم الأسرة عبر ذكريات الطفولة التي أعادت تجميع هذه الذكريات في صور بصرية احتفلت بالفرح والسعادة من خلال الألوان التي قدمتها مجموعته المرسومة، وأشعرتنا بهذا الكم من الحنين والحب الذي نفتقده في أيامنا هذه، بعد تفكك العائلة بشكل عام، وانتماء الفرد لحاجاته الخاصة كمحفّز ذاتي بمعزل عن البيئة والمجتمع، لا سيما في ظل غياب الألعاب الشعبية التي نما عليها الأطفال، وقد شكلت علاقة قوية بين الأجيال السابقة.
تميزت تجربة جوابرة هذه المرة أنه قدم لنا أعمالا فنية بوسيط اللون واللوحة، مختلفاً عما عهدناه سابقاً بتقديم أعمال أدائية أو تركيب أو تصوير، كـ "تنقل" و"فزاعة"، "الثورة ليست شعار" وكذلك "قلق" وغيرها، حيث قدم الفنان سابقاً تجربة فريدة على الصعيد الفلسطيني بتبني نهج الأعمال الأدائية، وانفتاحها على سياقات إنسانية، تعكس مدى عمقها وصدقها.
أعمال الفنان ابراهيم جوابرة "مكان آخر" هي محاولة لإعادة المشهد الطفولي المنتمي للمكان والزمان عبر عناصر وزّعها على لوحاته، مثل اصيص الورد، علاقته مع الأب والأم، الحيوانات، وتحديدًا القط الذي لم يخلُ بيت من البيوت الفلسطينية منها، بحيث كانت الطبيعة متناسقة ما بين الإنسان والمحيط، هذه العلاقة لم تعد موجودة لفعل عوامل عدة، وتطورات تكنولوجية وسياسية واقتصادية، عملت على تفتيت ذكرياتنا وحياتنا بشكل كبير دون أن ندرك ذلك.
لقد احتفت أعمال الفنان بكم هائل من الألوان التي ربما تبدو تعويضًا عن فقدان هذا الحنين، وعدم تناقله بين الأجيال والذي ولّد حالة من التجربة الفردية للأجيال السابقة، لن نجدها عند الأجيال الجديدة.
مكانٌ آخر، هي أعمال تنقلنا من العالم الحقيقي، والعالم السياسي، لعالم مشبع بالطفولة والفرح والذكريات، أعمال تشعل ذاكرتنا بلحظات ربما مرت دون أن نلتمس أثرها آنذاك، ونقف اليوم أمامها مبتسمين، نتهامس مع أنفسنا أو مع أقرب الناس إلينا عن مشاغبات ومشاكسات كثيرة في الوقت الذي كنّا نختبئ فيه عن أُسرنا، هاربين من ضغطها المستمر في الواجبات البيتية والإجتماعية، كانت هذه اللحظات هي اللحظات الفردية الخاصة فينا فقط.
يُعد معرض مكانٌ آخر، تجربة مختلفة على الصعيد الفلسطيني، لا سيما أن معظم الأعمال الفنية الفلسطينية تلامس الواقع السياسي بدرجة كبيرة، ومن النادر جداً أن نجد أعمالاً تبتعد برؤيتها عن السياسة علماً بأن أي عمل فلسطيني يتم تقديمه هو نتيجة حالة من المزيج السياسي الاجتماعي الذي لا ينفصل عن يوميات الفلسطينيين.
ربما يمكننا القول، ان هجرة الفنان الاختيارية للاردن، فتّحت لديه شهية الحنين، انطلاقاً من أسرته وأصدقائه، ويمكننا ملامسة كل هذا الدفن الذي انفجر فجأة، كانعكاسه في الخط الفني المختلف، وهو اللوحة، وكذلك كل هذا الكم الهائل من الألوان التي توحي بالدفء والتوازن ما بين حلوها ومرها.
وهذا يعيد إلينا سؤال تجديد التجارب وانطلاقها لدى كثير من المبدعين الفلسطينيين خاصة، الذين سرعان ما تتحول تجربتهم في المهجر إلى نضج ورؤية تتشكل لتبني وجهة نظر بالحياة يمكن تعميمها على حالات كثيرة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين