عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 28 أيلول 2021

يجب تعميق سياسة اسرائيل الضبابية

هآرتس – اهود اولمرت

سياسة الغموض النووية التي تتبعها إسرائيل منذ بداية الستينيات وحتى الآن لم تضلل في أي يوم أعداءنا، الذين يريدون القضاء علينا، ولم تضلل أيضا الكثير من أصدقائنا. هؤلاء وأولئك تعاملوا بتسامح، وفي حالات كثيرة بالغمز، مع الإعلام الإسرائيلي التقليدي: "إسرائيل لن تكون أول دولة تدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط".
في عالم الدبلوماسية كانت هذه الصيغة الإسرائيلية نوع من التسوية والحل الوسط التي توصلت إليها حكومات إسرائيل، بالأساس مع الولايات المتحدة. هدف هذه التسوية كان طرح علامة تعجب وبجانبها علامة استفهام على الخطاب الدبلوماسي الدولي. علامة التعجب كانت مريحة وكان يمكنها إنقاذ اسرائيل من رفضها التوقيع على ميثاق عدم نشر السلاح النووي دون أن تكون في قلب نقاش وإدانة شاملة من جانب دول كثيرة في العالم، ليست كلها أعداء لها. علامة الاستفهام أبقت الشك في أن يكون هناك شيء أكثر تعقيدا وخطورة أخفته إسرائيل بشكل متعمد. 
  نطاق عدم اليقين الذي يقع بين علامة التعجب وعلامة الاستفهام كان المصدر لعدد غير قليل من الأساطير بخصوص القوة النووية المقدرة لإسرائيل، وأيضا لعدد غير قليل من النفي الذي صدر عن متحدثين إسرائيليين رسميين طوال سنوات. هذا النطاق مريح ومجد لإسرائيل، ومرغوب فيه أن يستمر.
لقد حان الوقت كي نتوقف عن خداع أنفسنا. من وجهة نظر ايران، ليس فقط وحدها، إسرائيل هي دولة عظمى نووية بحجم فرنسا وبريطانيا، وربما حتى أكبر منهما. نفي إسرائيل أو ما سماه محرر "هآرتس"، الوف بن، "فضاء الضبابية" ("هآرتس"، 23/9)، لا يترك أي انطباع على آيات الله في طهران. فهؤلاء على قناعة بأن اسرائيل يمكنها أن تستخدم قوة نووية بحجم يهز كل العالم، أكثر بكثير من فضاءات الشرق الأوسط.
أحد الأسباب بأن ايران تجنبت الإعلان رسميا عن نيتها إنتاج قدرة نووية هو فضاء الضبابية نفسه، الذي حرصنا كثيرا على الحفاظ عليه طوال ستين سنة. في اليوم الذي ستقلص فيه إسرائيل فضاء الضبابية، هي نفسها وليس مراسلين "نيويورك تايمز" الذين يعرفون كيفية الوصول تقريبا إلى أي جزء مخفي، وتعترف فيه أو تعطي إشارة أو تتراجع في هذا الشأن، في ذاك اليوم نفسه يمكن لإيران، حسب وجهة نظرها وطريقتها، الإعلان علنا وبصورة رسمية: إذا كان الأمر مسموح لإسرائيل فلماذا هو محظور علينا؟.
في نهاية المطاف، الحقائق الدقيقة ليست هي موضوع نقاشنا. السؤال ليس ما هي القدرة الحقيقية لإسرائيل، هل الإعلان الرسمي من قبل كل حكوماتنا يمثل الحقائق كما هي، وهل إسرائيل هي ذات قدرة نووية حقيقية، أو فقط ذات قدرة كامنة لإنتاج قوة نووية كهذه؟ (لا يوجد نقاش حول القدرة التكنولوجية لدولة إسرائيل، لا يوجد أي شخص عاقل، هنا أو في أي مكان آخر، سيقول إنه لو ارادت إسرائيل ذلك فليس بوسعها أن تنتج قنبلة نووية. موضوع النقاش هو هل إسرائيل جسدت هذه القدرة أو هل تمسكت بإعلانها أنها لن تكون الأولى التي تقوم بذلك في الشرق الأوسط). 
ما الذي يعنيه "تآكل الضبابية" الذي يكتب عنه بحذر شديد الوف بن؟ المعنى الوحيد المحتمل لذلك هو إشارة صريحة بأنه توجد لإسرائيل قدرة نووية. إذا كان تآكل الضبابية حقا يمثل واقع قائم فما هو التحديث الذي سيكون في ذلك بالنسبة لإيران وآخرين كثيرين، الذين يشخصون إسرائيل طوال سنوات كقوة نووية ذات أبعاد عالمية؟. بالنسبة لهم تآكل الضبابية سيكون فقط دليل دامغ على أن اسرائيل تتبع سياسة ذات وجهين. ففي حين أنها تهز العالم إزاء سلوك إيران، رغم أن ايران تنفي أن لديها برنامج لبناء قدرة نووية عسكرية، إلا أن اسرائيل نفسها تعترف (بدون "تآكل") بأنه يوجد لديها سلاح نووي. وإذا كان الأمر هكذا فإن ايران ستقول حينها لماذا ما هو مسموح لإسرائيل، دولة في نظرها هي دولة محتلة، محظور على إيران التي إسرائيل هي عدوة لها؟.
إذا كان تآكل الضبابية حسب صيغة الوف بن لا يمثل قدرة حقيقية قائمة لإسرائيل فما هي الفائدة في التآكل؟ لا ريب أن برامج إيران مقلقة جدا. هناك خطر حقيقي، أنه بعد فترة غير بعيدة ستتحول هذه الدولة إلى دولة حافة نووية. لا توجد حاجة إلى خلق ذعر زائد أو ذعر مبالغ فيه ازاء احتمالية كهذه، لكنها قائمة وهي حقيقية وتوجد لها احتمالية معقولة.
من الواضح أن سياسة حكومات بنيامين نتنياهو والتعاون المدمر لنتنياهو مع دونالد ترامب، سرعت إنتاج اليورانيوم المخصب لدى إيران. ليس هذا فقط، نتنياهو وترامب قلصا جدا فضاء التعاون الدولي في محاولة لوقف تقدم إيران. قبل سنوات من ذلك كانت روسيا والصين ودول أوروبا، على رأسها ألمانيا، وفرنسا وبريطانيا مصممة أكثر على التعاون، الأمر الذي نتج عنه عدد من قرارات مجلس الامن بشأن عقوبات اقتصادية على إيران، وأيضا وسائل أخرى اتبعتها الدول الغربية. وسائل بطبيعة الحال كانت ميزتها في السرية.
حتى روسيا في عهد فلادمير بوتين أعاقت لفترة طويلة تزويد الوقود النووي للمفاعل المدني الإيراني في بوشهر. صحيح أن المفاعل في بوشهر هو مفاعل لأهداف مدنية، ولا يوجد خوف من أن يكون بالإمكان إنتاج قنبلة نووية فيه، لكن في حينه تم التوضيح لروسيا بأن التزويد بهذا الوقود سيمكن إيران من تعميق فهمها في استخدام الوقود النووي. فهم يمكن تحويله لإنتاج قنبلة نووية بوسائل وقود نووي. الرئيس بوتين كان مصغيا لهذه المبررات وقام بتأخير لفترة طويلة تزويد الوقود النووي للمفاعل في بوشهر. أيضا بوتين تجنب في تلك السنوات تزويد إيران بصواريخ للدفاع الجوي من نوع "اس300".
هذه حقائق معروفة، وبالتأكيد كانت معروفة لقادة الحكومة في إسرائيل بدءا من العام 2009. ولكن إسرائيل اختارت اتباع سياسة استفزازية وهجومية أدت إلى مواجهة زائدة مع إدارة الرئيس براك اوباما، وحتى أنها دفعته في نهاية المطاف إلى جر شركائه في الغرب، مع روسيا والصين، إلى اتفاق نووي مع إيران. هذا الاتفاق، أنا قلت ذلك أكثر من مرة في السابق، كان اتفاق ناقص وفيه نقاط ضعف كثيرة. ربما كان يمكن التوصل إلى اتفاق أفضل، موثوق أكثر ومستقر أكثر. ولكن الاتفاق كان أفضل بما لا يقاس من حالة عدم اتفاق واستمرار السياسة الإسرائيلية التي هددت بإشعال مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران. مواجهة كان يمكن أن تهز الشرق الأوسط. ومن وجهة النظر الأميركية هددت بجر الولايات المتحدة إلى تدخل عسكري آخر في الشرق الأوسط، تدخل لم تكن ترغب فيه. التعاون بين ترامب ونتنياهو كان تعبير آخر على الفوضى التي مورست بها السياسة الإسرائيلية، وعلى الطبيعة الوهمية للسياسة التي اتبعها الرئيس الأميركي.

بعد كل ما قيل ما زال علينا الاعتراف بأن تخصيب اليورانيوم المسرع لا يجعل ايران بالضرورة تصبح دولة حافة نووية. من الأفضل التقليل من مظاهر الذعر غير الضرورية. في كل حالة معطاة وفي كل وقت يمكن لإيران في غضون بضعة اشهر إنتاج اليورانيوم بكمية تجعلها أقرب من الكمية التي تعتبر حافة. لذلك السؤال مرة أخرى ليس ما يقرب إيران من الحافة. كمية اليورانيوم المخصب هي ضرورية عندما تكون هناك شروط أخرى قائمة، التي هي غير موجودة الآن لدى إيران. ستكون هناك حاجة إلى فترة لا بأس بها إلى أن تستطيع تطوير قدرات في مجالات أخرى، وفقط عندها ستتحول إلى دولة حافة نووية.
رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق اهود باراك قال مؤخرا بأنه لا يوجد لإسرائيل أي خيار عسكري تقليدي للقضاء على كل عوامل التهديد النووي الإيراني. أنا أتفق معه وقد اعتقدت ذلك حتى قبل سنوات عندما كان باراك عضو في حكومة تسمع أصوات مختلفة عن هذه. رأي باراك مهم لأنه لا ريب أنه يفهم وأيضا يعرف أمر أو أمرين في هذا الموضوع. ما الذي يمكن فعله حقا؟ في الفضاء بين تصريحات استفزازية التي لا تختفي خلفها قدرة عسكرية حقيقية لتدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، مثلما فعلنا في العراق وفي سوريا، وبين محاولة الاستعداد لمواجهة عسكرية شاملة، التي لا نعرف كيف ستنتهي، هناك مكان لمنظومة معقدة ومتنوعة من العمليات التي يمكن أن تهز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في إيران.
منظومة كهذه من العمليات تحتاج إلى تعاون وثقة وضبط نفس من جانب إسرائيل. ونموذج من التنسيق، في المقام الأول مع الولايات المتحدة. في السابق تم إنشاء بنية تحتية لتعاون كهذا، في فترة ولاية الرئيس جورج بوش والرئيس براك اوباما. بعد ذلك جاء نتنياهو، مثل الفيل في دكان الخزف، ودمر هذا التعاون وأدمن على التصريحات الرنانة، الوطنية المنفوخة، وعلى عمليات سرية، التي عدد منها كان ناجحا ويستحق المدح (وهو أيضا)، والكثير منها كان استعراضات زائدة. بالأساس تلك الفترة امتازت بالتسريبات المتبجحة والتي لا تتوقف من قبل المستوى السياسي، وأحيانا من قبل الجهات التنفيذية أيضا. هؤلاء اعتقدوا أنه إذا كان للقيادة السياسية مسموح التفاخر بأعمال البطولة للمقاتلين المجهولين فإنه ربما مسموح أيضا لقادة هؤلاء الجنود بأن ينظموا لأنفسهم القليل من العلاقات العامة.
يجب العودة إلى نموذج التعاون المؤسس على نظام عملياتي مركز، يرتكز إلى عقوبات اقتصادية متشددة أكثر من التي اتبعوها في السابق، مس بالبنى التحتية العسكرية والاستخبارية بالطرق غير الظاهرة للعيان وغير المكشوفة للجمهور والبعيدة عن أذن المجتمع الدولي، وخطوات أخرى يمكن أن تساهم في هز الاستقرار السياسي والاجتماعي في إيران.
هذا برنامج عمل كثيف ومتحد وشديد الأخطار. ولكن أيضا له احتمالية كبيرة. ليس تآكل الضبابية هو ما نحتاج إليه، بل نضال جريء وشجاع وخفي ومسؤول.