خِيانةُ أَخيلْيُوس
أحمد خولي

ذهب المفكِّر الفرنسيُّ (بِنْدا) في كتابِه (خيانة المُثَقَّفين) إلى معالجةِ موضوعٍ نراه واضحًا بدءًا من عتبة كتابه، ألا وهو خيانة المُثَقَّف، وخلاصة ما يراه أنَّ المثقَّف إنّما يخون إذا تنازل عن مبادئِه، المعايير الخالدة للحق والعدل، في سبيل تنظيم المشاعر الجماعيّة الجارفة، كالطّائفية، والعداوات المستندة إلى اختلاف القوميّات، والمصالح الطبقيّة، بل حتى في خضوعِه لعمليّة جراحيّةٍ فكريّةٍ، حين تستدرجُه السّلطات، وتنجح في استدراجِه، في سبيل تطويعِ أدبِه خدمةً لمواقفِها، ونحن نرى في ذلك أنَّ المثقَّف إنّما يخون، إذا تنازل عن مبادئِه الإنسانيّة التي لا تعرف حدودًا عِرقيّة أو طائفيّة أو جغرافيّة، وحين يلجأ إلى مصالحة السلطة الفاسدة والوضع الرّاهن، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى الانخلاع من عالمِه الذي يجاهدُ إلى تحقيقِه، هذه المبادئ التي تضعُه مُمَثِّلًا لطبقة لا تجدُ مَن يمثِّلها في السّلطة، ولنا أن نسَمِّيَها الضَّحية اللّامنتميّة، تمامًا كالمثقَّف اللّامُنتمٍ، وهو حقيقةً مَن يمثِّل الهنديَّ الأحمر والموريسكيّ والفلسطينيَّ وغيْرَهم، لا مَن يمثِّل أحدًا منْهم ويصرف نظره عن غيرِه، كوْنه إذا مثَّلها يتعارض مع السّلطة التي يعيشُ في كنفِها.
سنحاولُ في هذا الصّددِ إيضاحَ صورةٍ للمُثَقَّف الخائنِ عبرَ شخصيّة هوميريّة تنجحُ في تمثيلِ المُثقَّف الخائن كلَّ تمثيل، (أخيليوس)، ذلك المُحارِبُ الإلياذيُّ المِغوار الذي كان يملكُ قوْسًا سحريّةً، فلا يتمُّ نجاح أبطال الإغريق إلّا بها، غيرَ أنّه مصابٌ بجرحٍ في قدمِه يخرِجُ رائحةً نتنةً، ما جعله منبوذًا بينهم معزولًا عنهم، فهم لا يلتفتون إليْه إلّا عند حاجتِهم لَه، فيخرج من عالمِه منقادًا معهم.
بعد التّعريف الموجزِ لهذه الشّخصية، لنا أن ننقلَها، تمثيلًا، لصورة المُثَقَّف الخائِن، فقوْسه التي يمتلكها معادل موضوعيٌّ لفكرِ المُثَقَّفِ المستنير المُزعزعِ للسلطة، الذي ينمازُ به عن سائر أبناء جلدتِه، وقد جعله جرحُه - عالم المثقف الذي يسعى إلى إيجاده- منبوذًا عن الواقعِ غيرِ المقبول، وفي لحظة حاجة أبطال الإغريق - السلطة- إلى قوسِه، فإنّه يخرجُ من عالمِه، مصالِحًا ما يرفضُه - السّلطة-، مُطَوَّعًا قوسَه - فكر المثقف الذي يُعَبِّر عنه في أدبِه- خدمةً للسّلطة الرّاهنة، ونحن لا نرى (أخيليوس) في ذلك إلّا خائنًا.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين