رشاد أبو داود في "كلامه الطري"
* عمـر أبـو الهيــجاء

شاعــر ينحـــاز إلى المــرأة بعفــويتـه المدهشــــة
ما يشهده العالم في الآونة الأخيرة من تسارع في التكنولوجيا وتطورها في حياة الشعوب المعاصرة، انعكس تماما على مسار حياتنا في شتى المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا التطور المتسارع في عالم التكنولوجيا كان له انعكاسه أيضا على بنية القصيدة العربية الحديثة وحتى العالمية بكافة أشكالها المتعارف عليها، فكانت أن طالت القصيدة هذه التحولات التي شهدها العالم.
فنجد العديد من المصطلحات التي أطلقت على القصيدة القصيرة جدا كما أشارت بعض الدراسات، من مثل قصيدة: الومضة، التوقيعة، التوقيعات، الهايكو اليابانية، وكذلك ما يسمى الأبيجرام – النقوش اليونانية، والبعض أطلق عليها: تلكسات سريعة، أو البرقيات، إلى غير ذلك من التسميات، وكل هذه القصائد مختزلة ومكثفة تتضمن على خواتم مدهشة في نهاياتها، فهي كما قلت قصيدة شديدة الدهشة والعمق، وبفنيتها ورؤاها تحاول أن تتخطى القصيدة المتعارف عليها في شكلها التقليدي، قصيدة تمتاز بلغتها العالية التقنية وشعريتها المنسجمة مع الحالة المعاشة من تراكيبها اللغوية بمفرداتها القليلة المختزلة التي ترسم لنا اللحظة المراد التعبير عنها بتكثيف لغوي لا يحتمل الإطالة، أي أنها تؤدي المطلوب ضمن مضامين ورؤى تنم عن معايشة الواقع وقراءته قراءة مدهشة.. بمعنى أن هذا النمط من الشعر يندرج برأيي تحت مسمى القصيدة المستفزة، لأنها تعمل على كهربة القارئ.. وصادمة له.
أردت من هذه المقدمة الولوج إلى الديوان الشعري الأول للكاتب والشاعر رشاد أبو داود الموسوم بـ"كلامٌ طريٌ"، الصادر حديثا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، ويأتي هذا العمل الإبداعي بعد كتابه الموسوم "لكم أنتِ بي..نكهة وطن"، وهو عبارة مقالات وجدانية إنسانية صدر عن المؤسسة العربية للدراسات النشر عام 2008، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن شاعرنا أبو داود لم يطرح نفسه شاعراً ولم يكن يدر في خلده أيضا أن يصنف هذا العمل شعرا، وإنما اكتفى بوضع كلمة "نصوص"،على غلاف المجموعة، علما بأنها تحمل في ثناياها الكثير من الشعر، أي أن لغته لا تخلو من الانزياح الشعري والتراكيب اللغوية المشعرنة والمفعمة بالاحاسيس الصادقة، نصوص منحازة إلى الواقع المؤلم، واقع مشحون بالتناقضات والانهزامية، لهذا نرى أن الشاعر في ظل ما يشهده هذا الكون من تشظيات وجراحات يذهب إلى المرأة.. إلى حبيبته كي يرسم لها توجعات الروح فيه، لنرى أناه مسافرة إلى فضاءات المرأة، تلك حالة من الحالات التي يعايشها الشاعر ذاته المنطلقة نحو عوالم الكون المسكون بالعذابات والعطش- عطش الأرواح للحب والحياة والحرية.
(بين السماء والأرض
الليل والنهار
مسافات وأحاديثُ معلقة
أنفاس تنمو على شجرة
جذعها أعلى.. أعلى
في روح الأشياء
وفي حفيف الحضن
يخضر همس..يكتمل اللامتناهي
ولا يكتمل طعم القبلةْ).
في هذا العمل الشعري المنسوج بشفافية الروح وتلقائيتها وعفويتها المدهشة، من هنا، يتبين لي مدى اشتغال الشاعر على مشهدياته ورغبته في توقيعها على ورق الجسد المبلل بماء القصيدة، وكما يتبين لنا من خلال مطالعتنا لهذه المشهديات والتوقيعات، أنها توقيعات يانعة كالروح وحقولها الخضراء، يبثها الشاعر تجاه الأنثى – معشوقته, بمعان ودلالات وتكثيف في العبارة ورشاقة اللغة وإيجازها، وتمتاز هذه التوقيعات والومضات بأنها تستقرىء جوانيات الإنسان ضمن مخيلة خصبة تبث لواعج العاشق المعذب، العاشق الذي يلوذ بمعشوقته ليخط بمائه سكنات روحه وجراحاتها، وكي يمضي محلقا بعيدا عن الهواء الملوث، هواء هذا الكون المعطوب.
(صباحك فلُ
افتحي ستائرك
خذي ما شئت من البحر والشمس
استنشقيني لنحلق عاليا..بعيدا
عن سواد الهواء).
في "كلام طريّ"، نجد أبو داود شاعر أكثر شمولية في الكتابة، وأكثر شمولية بعواطفه وأحاسيسه التي ترشح بالألم – الألم الذي منبعه احتراقاته نحو الأمل والحياة، نحو المرأة التي تسكنه ويسكنها، حيث تأخذ المرأة في مضامين نصوصه الشعرية أشكالا عدة، فهي الحبيبة، والأم والأخت والزوجة والأرض، المرأة المكافحة، وهناك نلحظ في ثنايا الشاعر ثمة مكنونات وإشارات تأمّل فيها الشاعر داخله المشتعل والمشحون بالعذابات والعشق الشفيف، ممسكا بخيوط اللهفة ولحظة الحب المعاشة، شاعر يمطر تراب جسده بماء قصيدته المنثورة على صفحات القلوب، شاعر يلملم ما قد تناثر من معاني روحه المفقودة ليخط لنا، لها، صورة أكثر تأملا لخلجات قلبه الموشح بالكلام الطريّ.
(لأنك الأجمل
أسرقك من الحياة
أجمُّلها بك..أعيشها
وأحضنك بشراسة الفقدان".
ويقول: (أنتِ وسادةُ الروح
سارية الريح الغربية).
ولا يفوتني هنا، أن أذكر بأن الكاتب والشاعر أبو داود بدأ صحفيا وكاتبا، يحمل ليسانس في اللغة والأدب الانجليزي ـ جامعة دمشق، وبدأ ايضا حياته الصحافية 1976، في صحيفة الأنباء الكويتية، وتنقل بين عدة صحف ومجلات عربية كصحافي وكاتب منها: ألأنباء الكويتية من بدايات الصدور 1976 - 1990، وعمل في الدستور الأردنية مدير تحرير عام ومساعد رئيس التحرير، وكما عمل مساعدا لمدير التحرير في الخليج الإماراتية، ومدير تحريرمجلة بسمة الاردنية، ومدير تحريرآخر خبر الاردنية، ومدير التحرير وكاتب لجريدة الوقت البحرينية، وكاتب في مجلة المجلة السعودية، وما زال كاتبا في جريدة البيان الكويتية، وكتب في العديد من الصحف العربية، ويعمل حاليا نائب رئيس تحرير الدستور الأردنية.
* شاعر فلسطيني مقيم في الأردن
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين