للقدس صهيلٌ..
رشا السرميطي

أطلَّت الشَّمس تصافحني.. مددت عيوني لأسلِّم عليها؛ فانتشر الدِّفء ، وبدأت نهار من عام الانتصارات. نهضت الرُّوح ولبست جسدها، امتلأ الثَّغر بابتسامات الفرح، ليوم جديد، أيلول ما غاب عن خاطر السَّنوات عطرًا كمروج النَّرجس وأشهى.. تغريدة لحسُّونين على غصن زيتون يشتاق البلل، ومطر يروي الثَّمر وزُرَّاع الهوى، وسنابل شقراء تغتسل بها شقائق النُّعمان.
انطلقت للقاء صديقتي المرابطة "سراج القدس"؛ هي التِّي وهبت حياتها لذاك المكان، وانتمت لعقيدة رسخت في قلبها وعقلها، لا تضيِّع ساعاتها في اللَّهو والتسليَّة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنَّما تقوم بواجبها تجاه المسجد الأقصى، وإن كان أضعف الإيمان.. تتواجد هناك بصمت المقهور على نحر وردة يافعة لا يقدِّمها عاشق شرقيٌّ لمحبوبة سمراء، وكأنَّها ورقة بُلي عمرها وسقطت عن غصن شجرة مناضلة، فتساءلْتُ: أتموت الأوراق عند سقوطها عن الشَّجر؟ أم أنَّ في سفرها عن الأغصان ميلاد لحياة جديدة على أرض نصوص يختارها تراب الورق؟ كذلك الأفكار تنبت عندما تسقط عن أغصان عقولنا.
كان موعدنا على صلاة العصر في امسجد الاقصى ، جهَّزت أفكاري، وحزمت أحلامي كباقة جوريَّة تلفّها شرائط الشَّوق، وامتطيت بساط الوقت أسبح بين الغيوم المحمَّلة بأسرار الخريف، وما بين ألوان الطَّبيعة الدَّافئة، شعرت بصخب الحياة وجنون البشر في لوحة تسلَّل إليها الغروب؛ فازدادت فتنة وجمالاً.. ثوانٍ مرَّت، لحقتها دقائق، حتَّى صرت أمام باب العامود.
لم أصدِّق! صدفة غريبة، فلا أزمة سير على الطَّريق العابر من منطقة شعفاط حتَّى التَّلة الفرنسيَّة، مرورًا بمنطقة الشَّيخ جرَّاح، وصولاً إلى محطة الباصات الموَّحدَّة.. وما لفت انتباهي، عدم وجود جنود يعترضون مروري من باب العامود، وهو المُّسمَّى بــــــ "باب نابلس" أو "باب دمشق".. تفحَّصت كامل حواسي لعلِّي في حلم، لكنَّني تذَّكرت سريعًا اليوم هو السبت، وذاك ميقات ذو طابع ديني خاص لدى اليهود، فعند أفول شمس الجمعة تبدأ ربة البيت اليهوديَّة بإشعال شموع السَّبت، وتسمَّى نور السَّبت، فهو اليوم الأسبوعي المقدَّس لديهم. إذًا ذاك سبب قلَّة التشَّديد على الدَّاخلين للبلدة القديمة.
بدوتُ محظوظة؛ لأنَّ اليوم لم يصادف أيَّ مناسبة يهوديَّة. ازدادت ابتسامتي اتِّساعًا، ودخلت متجهة يمينًا أتدحرج على طريق باب العامود، فقرَّرت الدُّخول يمينًا من سوق باب خان الزَّيت، الذي يقع شرقي كنيسة القيامة.
أوَّل ما يستقبلك في السُّوق عبق القهوة و"بن ازحيمان"، ثم على يسارك مطعم يبيع الفلافل والقطايف والجبن والجوز لأشهر عائلات المنطقة – عائلة الهدمي.. وعلى اليمين، أيضًا، يستقبلك بائع الخضار من عائلة "طقِّش" ذو المعاملة الطيِّبة والصَّوت الحسن، وإذا ما ولجتَ تمر بمحل المخللات زكيَّة الرائحة والمذاق، وما بعدهما تغرق بين ألوان الملابس والشالات ومحال السكريات لعائلة "عويضة"، ولا شيء أشهى من ابتياع بعض المكسرات المحمَّصة الطازجة من عائلة "الحلواني"، ولن تستغني عن تناول حلويات "جعفر" التي تحيِّرك ما بين الكنافة والبقلاوة والنَّمورة وغيرها. تغمرك أصالة المكان ذو الطَّابع الفلسطيني، وتبكي وجعًا على حال هذا الزَّمان الذي ألفينا فيه نعيش في القدس، ولا يحقُّ لنا العيش بها.
تصل مفترق طريق إن أخذته يسارًا تنزل عقبة تضعك في طريق الواد، تمر مستقيمًا حتى تبلغ محل العصير الطازج ليغويك الرُّمان والمانجا والبرتقال، وتشتهي شرب كأسٍ مثلَّج.. تكمل نحو السُّوق ورائحة البخور الزاهية تنتشر في أنحاء زوايا حواسك الخضراء.. أخيرًا، تصل سوق القطانين الذي يقع غربي الحرم القدسيِّ، تمتدُّ من الشَّرق إلى الغرب أمامك دكاكين، يظهر من بنائها أنَّها ليست قديمة، أمَّا السُّوق نفسه فكل ما فيه قديم العهد منذ زمن المماليك، قد كان من أحسن أسواق المدينة وأكثرها ازدحاما وأتقنها بناءً وارتفاعاً.
تخرج من باب جميل الشكل محكم البناء، مدخله صغير مستطيل، يقع في الرواق الغربي للمسجد الأقصى المبارك، بين بابي النَّاظر والقطانين، يسمَّى "باب الحديد" أو باب أرغون؛ وهو اسم تركي يعنى الحديد بالعربيَّة, وقد سميَّ بهذا الاسم نسبة إلى مجدِّده الأمير المملوكي أرغون الكاملي. يوجد ملاصقا لباب الحديد، من جهته الشمالية، رباط يسمى "رباط الكرد"، بجوار سور المسجد الأقصى المبارك (الأربطة: هي أبنية انتشرت في القدس خلال الفترة الأيوبيَّة والمملوكيَّة ليجاور فيها محبو الأقصى وعشاقه رباطًا في سبيل الله ودفاعاً عن الأرض المقدَّسة). وفجأة شرعت جفناي نوافذ عيونها على نور وصل بلا استئذان! فشاهدت السِّراجين: هو؛ يحمل إصراراً يضئ ظلمات الأمة.. وهي؛ تطلق صهيلاً نحو فارسٍ؛ يعيد إلى القدس زمانها السليب ومكانها الأسير..
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين