أبو عرب ... نتنياهو ... وأوباما
أحمد يعقوب

" نتنياهو " إحتج على أغنية الفنان الفلسطيني الشاب " محمد عساف "... فشنت " الدولة العظمى اقليميا " حرباً على أغنية !!!
الأغنية في الأصل هي للفنان " محمود صبح " وأعاد إحياءها الراحل " أبو عرب " . وكان على كليهما ، كما على الشاب " عساف " ، أن يدخلوا " تيه الدياسبورا " بعد أن وجدو أنفسهم مقتلعين من وطنهم فلسطين ... من صفد ومن قرية " الشجرة " ... أو " السجرة " كما تلفظ بالكنعانية.. والتي تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة طبرية في فلسطين على ارتفاع يصل إلى 275م فوق مستوى البحر، قامت الميليشيات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1948 حوالي (893) نسمة. وكان ذلك في 6/5/1948. وبلغ مجموع اللاجئين من هذه القرية في عام 1998 حوالي (5485) نسمة يتوزعون في سوريا مدينة حمص وبعض قرى درعا وكذلك في لبنان والأردن وغيرها. واستبدلت إلى مستعمرة " إيلانيت " اليهودية...
" الفنان الفلسطيني في متاهته " مصاباً بدوار الحنين إلى البيت ( Homesick)..ومشتعلاً بنار الغيرة من طيرٍ طليق خارج سجن المنفى ، و بإمكانه التحليق والعودة الى السجرة .. فيحمّله حسراته ولوعته واشتياقه إلى مهده وإلى كل مدن فلسطين وقراها وكذلك الجبل والسهل والبحر ... وهكذا كانت أغنية " يا طير الطاير ... يا رايح عالديرة " ... رسالة إلى الأرض البعيدة بأنّ أهلها سوف يعودون .. وهذا ما ضرب صافرات الإنذار في ترسانة " الدولة العظمى اقليميا" .
" نتتياهو " المولود في " هولندا " أو " السودان " ، يوحي بأنه من مواليد " أرض الميعاد " ، ومع ذلك فهو ينكر اقتلاع " السجرة " و" أبو عرب السجراوي ".
ربما يعوّل " نتنياهو " على عدم معرفة المتلقي بالتاريخ بعد سبعة عقود تقريبا على " دياسبورا الفلسطيني " .. وربما أنه لا يعرف ... أو لم يقرأ... لكنه يكتب بالحديد والنار وقائع " السيف والدم ". ولا يفوت فرصة كي يدلي بتصريحات وأقاويل تشحذ السيف .وتسيل دماً أكثر..
من على منبر الأمم المتحدة ، وبأداءٍ مسرحي بعيد كلّ البعد عن " ستانسلافسكي Constantin Stanislavski " . يتحدث " نتياهو" أمام رؤساء دول العالم وكبار شخصياتها ، وأمام سكان المعمورة ، متنكراً لحقيقة أن يكون بينهم عارفون بالتاريخ أو قارئين للإنجيل والتوراة !! فيتحدث عن " جذوره " ليس في " هولندا " أو " السودان " ، إنما في " أرض الميعاد " وعن تاريخ 3000 سنة... كذلك يفعل الرئيس الأمريكي ويكرر ذات التصريح في القدس أمام نصب ضحايا المحرقة.
يذكرني ذلك بإحدى أغاني " بوب مارلي " وهي بعنوان" صهيون قطار يعود إلى دربنا..” Zion train is coming our way "..تتحدث الكلمات عن " ألفين سنة من التاريخ ... لايمكن أن تمحى بسهولة " “ Two thousand year of history Could not be wiped easly “
يقال إن " نتياهو ” تربى في بيت مؤرخ ، يقال إن والده بروفسور تاريخ، فهل قرأ " نتنياهو " التوراة جيداً ؟، وهل فعل ذلك الرئيس أوباما ؟ .
وهل قرؤا سفر صمويل تحديداً، حيث حكاية الملك داوود مع الفلسطينيين... وكان ذلك قبل ألف عام من الميلاد ، أي قبل أكثر من 3000 سنة !!
حكاية داوود و الفلسطينيين
ومع أنني لا أفضل الإنجرار الى الرواية الدينية لأنني أرفض الصراع دينياً جملة وتفصيلا ... إلاّ أنني أقتبس هنا مما جاء في سفر صمويل - الأصحاح 27 -. لتوضيح الحكاية فقط .
فلقد كان " شاول " الملك يخوض حرباً ضد " داوود " ، ورغم أنهما أقاما عهوداً بينهما ، فلقد فقد " داوود " الثقة بــ" شاول " ، وبدأ يفكر جدياً في الإلتجاء إلى بلاد غريبة ، خاصة أنه صار ملتزماً بزوجتيه " اخينوعم اليرزاعيلية " و " ابيجايل الكرملية " ... لقد فكّر أن يفلت مع أسرته و( 600 ) من رجاله إلى أرض الفلسطينيين ، إلى " أخيش " ملك " جت" ... وهي ، وكلمة " جت " في رأي القديس " أغسطوس " تعني المعصرة ).
رحب " أخيش " بـــ" داوود " ، إذ تأكد أن " شاول " يطارد " داوود " بلا هوادة.. قال " داوود" لـــ" أخيش " متوسلاً : " إن كنتُ قد وجدتُ نعمة في عينيك، فليعطوني مكاناً في إحدى قرى الحقل فأسكن هناك ... لماذا يسكن عبدك معك يضايقك ويزحم مدينتك ".
استجاب الملك لطلبه وأعطاه " صقلغ " ( يرجح أنها " تل الخويلفه " شمال بئر السبع ).
وراح " داوود " يدفع الجزية إلى ملك الفلسطينيين مقابل سكناه في بلاده ... ولقد اضطر " داوود " إلى المواربة وإخفاء الحقيقة عندما قال له " أخيش " : " اذاً لم تغزو اليوم " ... يقصد هل غزوتم اليوم ؟ ومن غزوتم ؟ . قال : ( " بلى ، على جنوبي يهوذا وجنوبي اليرحمآيليين " الله يرحم " ) ... لقد تظاهر أنه غزا .. لذلك قال " أخيش" عن " داوود " : " وقد صار مكروهاً لدى شعبه اسرائيل فيكون لي عبداً إلى الأبد " ... و" كان عدد الأيام التي سكن فيها داوود في بلاد الفلسطينيين سنة و أربعة أشهر ".
أحد أنصار " نتنياهو " من نيويورك ، طرح عليّ سؤالا عبر الفيسبوك : " من يقول إن الفلسطينيين المذكورين في التوراة ، هم الفلسطينيون الحاليون ؟ " . قلت له : " سؤال ذكي ، لكن ، من يقول إن الصهاينة الحاليين هم من سلالة داوود ؟ " . وماذا عن الفلاشا الذين يدينون إلى توراة الراستافارية ؟ ... وماذا عن المهاجرين الروس الذين يذهبون الى الكنائس يوم الأحد ؟ ... وماذا عن مملكة الخزر ؟ ... وعن المملكة المالية لـــ( ريتشفيلد ) ؟...
" نتنياهو " شن حرباً على أغنية الشاب " عساف " ، وعلى الرئيس الفلسطيني ، لأنه كرّم الفنان "محمد عساف "... لكن " أوباما " وربما " نتياهو " يمجدان " بوب مارلي Bob Marly " ، الجامايكي ، الذي ترك المدرسة ، وذهب للعمل في ورشة حدادة ، ثم اكتشفت موهبته الغنائية على موسيقى الويلرز...
" بوب مارلي " اعتنق الراستفارية في 1966، تاريخ زيارة امبراطور أثيوبيا "هيلاسلاسي " إلى " جامايكا ".... وصار " بوب مارلي " داعية للقومية السوداء والعودة الى الوطن الأم ، إلى افريقيا...
الراستافارية ، " تفري " تعني الأسم الديني لــ"هيلاسلاسي " ، و " راس " تعني الأمير ، لذلك تعتبر حركة راستافاري هيلاسلاسي بأنه " سليل أسد يهوذا " ، وهو " الرقم 225 من سلالة ملوك تعود إلى " سليمان " ... وتستند التوراة الراستافارية إلى ما جاء في سفر المزامير ، ويقولون : إنه ذَكــر " ملك الملوك هيلاسيلاسي " : " اذكر رهب وبابل عارفتي . هوذا فلسطين وصور(لبنان) مع كوش (اثيوبيا) .. هذا وُلـِــدَ هناك .. " و " الرب يعد في كتابه الشعوب ان هذا ولد هناك . سلاه "...
في إحدى اغاني " بوب مارلي " وهي بعنوان" صهيون قطار يعود إلى دربنا..” تتحدث الكلمات عن " ألفين سنة من التاريخ ... لايمكن أن تمحى بسهولة "
لكنه يوضح أن التاريخ هو تاريخ السود... إذ أن " هيلاسلاسي" في خطابه في جمايكا 1966 ، قال هناك : " حرروا الشعب في جمايكا قبل أن تعودو إلى الوطن الأم "...
وأنا الفلسطيني المنحدر من طيرة حيفا على سفوح الكرمل ، والممنوع من العودة الى الوطن الأم .. أقول لمفسّري الأديان :
خُـــذو برهة للبرهان
وَجِـــدو العلاقة
بين ابراهيم وأبرهة والبراهما
للّغة معنى
للّغة دلالة
وللّغة تأويل
وتذكروا :
أطفالنا قرابين التاريخ وتأويل المؤرخين
اليقين مأساة
والشك ملهاة ...
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين