عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 04 تموز 2021

منعاً "لسورنة" المناطق

د. رمزي عودة

شهدت بعض المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل رام الله والخليل وبيت لحم ونابلس تظاهرات احتجاجية على خلفية وفاة المواطن نزار بنات، إثر قيام عناصر من المؤسسة الأمنية باعتقاله. وطالبت هذه الاحتجاجات بمحاسبة المسؤولين عن هذه الحادثة العنيفة متهمين ما حدث بأنه "اغتيال سياسي". وشارك في هذه الاحتجاجات فئات وشرائح مختلفة معظمهم من القوائم الانتخابية التي ترشحت في الانتخابات التشريعية التي تم تأجيلها بمرسوم رئاسي في أواخر نيسان/إبريل الماضي بسبب عدم سماح سلطات الاحتلال لإجراء الانتخابات في مدنية القدس المحتلة، كما لوحظ وجود عدد من الناشطين الشباب المستقلين وذوي الميول الليبرالي. وفي بعض المناطق الفلسطينية، رصدت محاولات مخطط لها من قبل تيارات إسلاموية للتحريض وتجييش الجماهيير ومحاولة اقتحام بعض المقرات السيادية وبعض المقرات الأمنية. وفي خضم الأزمة وبرغم أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية اعتبرت جزءا من الأزمة التي اجتاحت المناطق، الا أنها نجحت في التفوق على ذاتها واستطاعت أن تحتوي الأزمة بعقلانية وحكمة مشهودة. 

بدايةً، تعاملت المؤسسة الأمنية بمهنية عالية مع حادثة وفاة المواطن نزار بنات، صحيح أن العنف الذي مارسته قواتها أثناء عملية الاعتقال قد أدى إلى وفاة بنات، وهو ما ذهب إليه تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بالتحقيق في الوفاة، إلا أن قوات الأمن قامت بعد أقل من ساعتين من الاعتقال بتسليم الجثمان إلى المستشفى رغم أنها قد تيقنت مسبقاً من الوفاة، وهذا يشير إلى عدم وجود نية مبيتة بالقتل، وفي أقل تقدير، فإن ذلك يشير أيضاً إلى غياب الإرادة بالتضليل وإخفاء الحقائق من قبل قوات الأمن.

من جانب آخر، أعلنت المؤسسة الأمنية منذ إشاعة خبر وفاة بنات صباح الخميس الموافق 24 حزيران/يونيو الماضي، وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها اللواء طلال دويكات تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في أسباب الوفاة، وأنها مستعدة لتحمل نتائج التحقيق. ورغم الضغوط التي تعرضت لها هذه اللجنة منذ بداية التشكيل ورفض عائلة بنات قراراتها مسبقا، فإن اللجنة الخاصة التي ترأسها وزير العدل محمد الشلالدة وضمت في عضويتها ممثلا من الاستخبارات العسكرية، قد أدانت عناصر المؤسسة الأمنية من خلال تحويلها ملف القضية إلى الجهات القضائية لاتخاذ الإجراء القانوني اللازم، وهذا إقرار بأن الوفاة لم تكن طبيعية.

وفي خضم الاحتجاجات، وبرغم وجود بعض التجاوزات، فإن المؤسسة الأمنية الفلسطينية أدارت الأزمة بكثير من المهنية والاحترافية، فقد ابتعدت قدر الإمكان عن اعتقال أي من المحتجين بمن فيهم محركو الاحتجاجات وذلك حتى لا تقوم بعملية التصعيد، وما نموذج تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات في مدينة بيت لحم إلا نموذج عن رشادة المؤسسة الأمنية رغم الاعتداءات العنيفة على قواتها. من زاوية أخرى، عمدت المؤسسة الأمنية إلى إتاحة المجال للمحتجين بالتفريغ والاحتجاج لاسيما في الأيام الأولى من الاحتجاجات، وعندما استشعرت قوات هذه المؤسسة وجود مخططات لاقتحام المقرات السيادية تحت شعارإسقاط النظام وتخريب الممتلكات العامة، فقد استخدمت الحد الأدني من القوة لمنع تنفيذ هذه المخططات.

لا شك أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية هي مؤسسة وطنية بامتياز، فهي العمود الفقري للدولة الفلسطينية وقادة هذه المؤسسة وكوادرها يعتبرون من المحترفين والمناضلين الذين ضحوا كثيراً لأجل القضية الفلسطينية. وهم بالمجمل يمثلون شريحةً كبيرةً من المجتمع الفلسطيني تقوم عقيدتها الأمنية على النضال ضد الاحتلال وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية والحفاظ على أمن الفلسطينيين وحرمة دمائهم. وبالضرورة لا يمكن فهم الدور الوظيفي لهذه المؤسسة بعيداً عن هذه العقيدة، وما قدمته هذه المؤسسة من تضحيات واسعة لصالح المشروع الوطني منذ أوسلو وحتى اليوم، سواء بعدد الشهداء والأسرى والمبعدين من أبناء المؤسسة الأمنية، إلا دليل واضح على هذا الدور المقاوم لهذه المؤسسة.

وللأسف، تحاول العديد من الجهات الداخلية والخارجية استغلال أزمة وفاة "نزار بنات" من أجل النيل من الدور الكفاحي للمؤسسة الأمنية، وذلك من خلال نشر حملات مغرضة لتشويه سمعتها، وتصويرها كأنما هي سلطة قمع خارجة عن السياق الوطني. وفي إطار الرد على هذه الحملة، علينا جميعاً أن نجدد الثقة بهذه المؤسسة الوطنية، باعتبارها السد الحصين لحماية المجتمع الفلسطيني من حالة الفوضى وعدم الاستقرار، التي يسعى الاحتلال الاسرائيلي وأعوانه في المنطقة، إلى فرضها في الشارع الفلسطيني بهدف الوصول إلى ما يمكن تسميته بـ"سورنة" الأراضي الفلسطينية المحتلة، بمعنى نشر الفوضى والتشرذم والإرهاب، وذلك بهدف إسقاط النظام السياسي الفلسطيني باعتبار السيد الرئيس محمود عباس هو رأس الممانعة ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة، هذا المشروع الذي يتضمن تطبيق صفقة القرن، والتطبيع، وإقامة دولة في غزة، وتهويد القدس، وعدم الاعتراف بحق اللاجئين في العودة.