إبراهيم نصرالله لــ الحياة الجديدة: تزوير الكتب سرقة وجشع بلا حدود
عجز قضائي فلسطيني عن حل نزاعات الملكية الفكرية

الحياة الجديدة- رحمة حجة- خاص- في بحثي عن الكتب، أكتفي بسؤال صاحب دار النشر أو المكتبة عن اسم الكتاب، وهذا حال كثيرين مثلي، لكن آخرين يضيفون للسؤال عبارة "أريد النسخة الأصلية"، ولا يرضون بديلًا. ما الفرق؟ ولماذا هذا الإصرار؟
حين سألتُ أصدقاءً ومعارف لي عبر موقع "فيسبوك"، عن صفة البحث في اختياراتهم للكتب، تعادلت إجاباتُ المُعقبين (الضفة، أراضي48) من حيث العدد بين مؤيدي فكرة "طباعة واضحة وسعر أرخص بالتالي لا يهم إن كانت أصلية أو غير أصلية" وفكرة "حق الناشر والمؤلف بالتالي النسخة الأصلية".
"الحياة الجديدة" تتبعّت هذه المسألة قانونيًا، عبر وزارة الثقافة، وهي جهة الاختصاص، كما تتبعتها عمليًا في تجربتين حيّتين، أولاهما للروائي الفلسطيني- الأردني إبراهيم نصرالله، وثانيهما لدار البيرق العربي للنشر والتوزيع.
"تقليد وتزوير"
تقول مديرة دائرة حق المؤلف والحقوق المجاورة في وزارة الثقافة الفلسطينية، نداء صبح، إن الباحث في مجال حقوق النشر والملكية الفكرية سيلحظ فروقات واضحة ودقيقة في المفاهيم، التي تمنح كل قضية صبغتها القانونية.
وعن الفرق بين مفهوم حقوق النشر والملكية الفكرية، توضح صبح لـ"الحياة الجديدة": "الوزارة تعتمد تعريف المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، إذ تعني الملكية الفكرية مجموعة مجموعة الحقوق التي تحمي الإنتاج الفكري والإبداعي الإنساني، وهي من حيث المضمون ونوعيّة المُصنّفات نوعان، أولهما، الملكية الأدبية ويترتب عليها حق المؤلف والحقوق المجاورة، وثانيهما، الملكية الصناعية التي تُعنى بالعلامات التجارية وبراءات الاختراع والمؤشرات الجغرافية وغيرها".
أما حقوق النشر، وفق صبح، فهي "استغلال الفكر بشكل تجاري عن طريق بيع المصنفّات".
وعن العلاقة بين المؤلف والناشر، المحكومة بمحددات وعقد قانوني يجب ألا يتم خرقه، تقول صبح، إن الأول يملك حق النشر، وينقسم إلى جزئين: حق تقرير النشر، إذ يملك الحرية الكاملة لنشر مؤلفاته أو الاحتفاظ بها ولا يستطيع أحد إجباره على خيار منهما، وهذا حقه المعنوي، وإذا قرر النشر، ينتقل الحق المعنوي إلى الحق المالي، لأنه سيجني الربح مقابل إبداعاته.
ويُبرم المؤلف عقدًا مع دار النشر، وفق المعمول به من قوانين في الأراضي الفلسطينية، ويتضمن العقد بنودًا كثيرة، منها حماية المؤلف والإيراد الذي ستحققه دار النشر، التي تتفق مع الأول أيضًا، على عدد النسخ من الطبعة الأولى، ومكان تسويقها والمدة الزمنية المحددة للتوزيع، ونوعية الكتابة وتصميم الغلاف، وأجرة المؤلف إلى إمكانية أن يأخذ نسبة من المبيعات لمؤَلَفه، وبناء على العقد بينهما، حسبما توضح صبح، لا يحق لدار النشر أن تُعدّ طبعةً ثانية من دون إذن المُؤلف، إذ يُعتبرُ تعديًا على حقوقه، وفي نفس الوقت، تعتبر النسخ الجديدة من الكتاب "أصلية".
لكن ما الفرق في المفاهيم بين "نسخة مقلدة وأخرى مزورة"؟ تقول صُبح لــ"الحياة الجديدة": "المقلدة تكون مُصوّرة عن النسخة الأصلية، لكن دون مراعاة للألوان أو لنوع الورق أو مادة الغلاف، بينما المزورة، وهي التي نراها في مراكز بيع الكتب، تكون نسخًا طبق الأصل عن الأصلية ولا يمكن تمييزها، وتُباع بنفس السعر أو أقل، ولا يمكن كشفها إلا إلكترونيًا من خلال فحص البار كود (رمز شريطي) عبر أجهزة كمبيوتر خاصة".
وتستطيع دار النشر أو المؤلف رفع دعوى قضائية ضد دار النشر أو المكتبة التي تعيد إنتاج العمل دون الرجوع للمؤلف، وقد يوكل المؤلف الأمر إلى دار النشر لتكون ممثلة عنه لاسترداد حقوقه، وفق صُبح.
من جهته، يؤكد مدير دار البيرق العربي للتوزيع والنشر، أكرم البرغوثي، أن التمييز بين النسخ الأصلية والمزورة غير ممكن بالنسبة للقارئ مع هامش تمييز السعر، مشيرًا إلى أن النسخة الأصلية من رواية "زمن الخيول البيضاء" –على سبيل المثال- تُباع بـ75 شيقل، بينما المزورة بـ30 شيقل، في مدن الضفة.
ويرى البرغوثي من خلال تجربته، أن "حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي في حدها الأدني، حيث يوجد استنساخ كثير في الكتب، لم تسلم منه دور نشر كُبرى".
وعن تسعيرة الكتب في العالم العربي، يقول البرغوثي إن "الكتب ومواد الطباعة معفيّة من الجمارك والضرائب لكن لا رقابة على تسعيرة الكتاب"، ملمحا الى الظلم الذي يقع على الكاتب.
وأضاف لـ"الحياة الجديدة": "أسعار بعض الكتُب أعلى من قيمتها بكثير، والمؤلفون غالبًا لا يلاقون مقابل الجهد الذي يقدمونه، ولو حصل ذلك لعاش المؤلفون من وراء احتراف الكتابة، وهذه إشكالية الإنتاج الفكري في العالم العربي قبل الإنتاج الطباعي" في إشارة منه إلى أن دور النشر- غالبًا- تجني الأرباح، أكثر من الكُتّاب أنفسهم.
وعن خصوصيّة الوضع في فلسطين، يقول البرغوثي، إن "وقوعها تحت الاحتلال يُعفيها في أحيان كثيرة من حقوق الملكية الفكرية، إذ لا يمكن إدخال كتب بشكل تجاري عبر الجسر، من سوريا أو لبنان، فتستطيع أي دار نشر إعادة إنتاج أي كتاب تريده بعد جلبه بشكل شخصي من إحدى هاتين الدولتين".

"عجز قضائي"
هل فتشت على النسخة الأصلية من رواية "زمن الخيول البيضاء" للأديب إبراهيم نصرالله ولم تجدها محليًا؟ أنا فعلت. فجميع النسخ الموجودة في نقاط بيع الكتب في مدينة رام الله حتى نهاية الأسبوع الماضي "مزورّة"، حتى أن باقي الروايات من سلسلة "الملهاة الفلسطينية" غير متوفرة بشكل كامل منذ شهور، ما قد يشي بإمكانية تزويرها أيضًا.
في تعقيبه على هذا الشأن، يقول الروائي نصرالله لــ"الحياة الجديدة" عبر مكالمة هاتفية: "لم أعرف للآن من يقوم بتزوير (زمن الخيول البيضاء). رأيتُ نسخًا مزوّرة في أيدي الطلبة أثناء زيارتي لجامعة بيرزيت، وكنتُ مضطرًا لتوقيعها، لأنني حريص على أحاسيس الطلبة وحبهم للرواية وروايات أخرى لي".
ويؤكد نصرالله أن "تزوير أي كتاب سرقة بكل معنى الكلمة. وهو سرقة للكاتب والناشر وسرقة فكرة الحق أيضًا، التي تترك أثرها على حياة الكاتب لأنها تحرمه من مواصلة الكتابة بشكل جيد؛ حين يتم الاستيلاء على حقوقه وسلب هذه الحقوق".
ويتابع: "مع أن موزع الكتاب عمومًا هو أكثر الناس استفادة من الكتب حيث يفوق ربحه ربح الناشر والكاتب معًا، وفي أحيانٍ كثيرة تصل نسبة الحقوق التي يتلقاها صاحب المكتبة (الموزع) إلى 50% و60% في حين تبقى 40% فقط هي أجرة الطباعة وتكاليف الطباعة وحقوق الناشر وحقوق الكاتب، ورغم ذلك نرى هذا الجشع الذي لا أدري إلى أين يمكن أن ينتهي لانه جشع بلا حدود".
ويقول نصرالله لــ"الحياة الجديدة": "أنا شخصيًا لم أكن يومًا ضد أولئك الذين يوفرون كتبنا بنسخ إلكترونية في الإنترنت، لأنهم لا يتقاضون أي مقابل مالي، لكنني حين أرى صاحب مكتبة يزور الكتب أعتقد انه لصٌ كبير".
ودعا القرَاء إلى الاهتمام باقتناء النسخ الأصلية من الكتب، لأن "أخلاقية القرّاء من أخلاقية الكاتب"، وفق قوله، مضيفًا "يجب أن نقاطع دور النشر والمكتبات التي تزوّر الكتب، وأنا لن أتوانى عن التشهير بأي مكتبة أو دار نشر يمكن أن تقدم على تزوير أي كتاب لي".
في ذات السياق، يخبرنا البرغوثي عن تجربة مشابهة، ولكن كدار نشر، قائلًا: "طبعتُ كتابًا بعنوان (البرهان في الأعداد والأرقام على إعجاز القرآن)، وهو فكري أكثر منه دينيّ، كلّف ما بين طباعة صف أحرف ومونتاج وغلاف ألف نسخة، 23 ألف شيقل، وكان سعر الجُملة 35 شيقل ويباع مقابل 45 شيق للنسخة الواحدة، لأتفاجأ أنه تم تصوير ألف نسخة منه، بكلفة 12 شيقل للكتاب، ويُباع بأقل من سعر الكلفة التي دفعتها، أي نحو 25 شيقل للنسخة الواحدة".
هل قدمتَ شكوى ضد دار النشر التي قامت بعملية التزوير؟ يقول البرغوثي: "لا؛ لأنني حين استقصيتُ عن الموضوع، عرفتُ أنني لن أتمكن من ملاحقته، لأنه من أراضي48، وبحكم اتفاقية أوسلو لا يمكن مقاضاته من الجهات الفلسطينية"، مضيفًا "وبدل أن يُباع الكتاب في دار البيرق خلال ثلاثة أعوام، مكث عشر سنوات ولا تزال نسخٌ منه لدي".
كما يؤكد البرغوثي أنه كمدير دار نشر متضرر من عمليات التزوير، لأن "سعر النسخ المزورة وهو أقل ثمنًا من الأصلية، يعيق عملية بيع النسخ الأصلية للكتب المتوفرة".
مديرة دائرة حق الؤلف والحقوق المجاورة في وزارة الثقافة، نداء صبح، لم تنفِ صعوبة معالجة مثل هذه الشكاوى في القضاء، حتى على مستوى دور النشر الواقعة في النطاق القانوني للسلطة الفلسطينية، وتؤكد: "نداء ضبط ورقابة: "في الوضع الحالي لدينا مشروع قانون حماية حق المؤلف، ولكن الإسناد القانوني الذي نعود له هو القانون البريطاني رقم 1924 الذي ما زال ساريًا، إلى جانب قانون المخالفات المدنية العثماني".
وتوضح: "وزارة الثقافة لغاية الآن لا تملك أسانيد قانونية لتقوم بأي تسجيل قانوني للمؤلفين أو بإيداع مصنفات في المكتبة الوطنية أو إعطاء أرقام إيداع، بالتالي، لا يستطيع صاحب مؤلَف تم تقليده أو تزويره، التوجه للوزارة بشكوى، وحتى لو تم ذلك، لا نملك صفة الضابطة القضائية التي تمكننا من التحرّي والتحقق والعمل على هذا الملف، حتى القضاء عاجزٌ عن التعامل مع هذه القضايا، ولو تم تقديم منازعة بهذا الشأن للقضاء، من الصعب على القاضي التعامل معها أو تشخيصها لأن موضوع الملكية الفكرية قديم حديث، ونحن غير متمكنين منه".
وتشير صُبح، إلى أن أفضل وسيلة –في الوقت الحالي- للمقاضاة بحالة المنازعات حول الكتب "التحكيم، أي تسوية المنازعات خارج نطاق القضاء"، وذلك لقلة دراية القضاء بالموضوع، ولأنه أسهل وأسرع، مع شرط قبول أطراف النزاع باللجوء لهذا الخيار، وفق صبح، التي تؤكد أن وزارة الثقافة تؤيد اللجوء لهذه الطريقة للحل.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين