يا أخى فى زراعة الموسيقى
عبد الرحمن تمام .. إلى أشرف فياض

أعرف رجلاً
كلما جلس قُبالة البحر
بات يهش النوارس التى علقت بأعضائه
و إن أبصر الرب فى حديقة البيت
ملأ حزامه بالشراشر
يقيس الحزن أحياناً بالمترونوم
و العتمة يحرثها بهواء القصائد
وحيداً مثل عوسجة البراري
أعزلاً
إلا من دُغل حناجر مشروخة
و نسغ العابرات
ذات مرة
و أنا أطل عليه خلف جدرانه الناشعه
نظر فى ساعته المُعطّلة
و قال :
من هنا يا أخى
رأيتُ " فينسنت " يشعل مصباحه الكيروسين
لآكلى البطاطس
و لما أتعبه التحديق فى الفراغ
عصر حنجرته قبل أن يقطع شحمة أذنه
فنزّت الألوان
شرب كثيراً
حتى شاهدت بعيني جنّية خضراء
تطلق العصافير من صدره
نحو بلاد الشمس
و " لوركا "
إذ ذهب مغاضبا يفتش عن صديقه القديم
فى فضاءات مختونةٍ
ليوصيه بفتح النافذة لبلشون و ميليشيات
و أغانيه الغجرية
تنط من جيب معطفه
لتركض معه تحت سماء غرناطه
كيف طاق القمر رصاصة تبخ شظاياها
فى صدغه
كيف طاق
أن يسكت الوسيم عن الغزل و الثوره
..
و فى الربذة
_ بعينين دامعتين _
كان المسكين يقرأ
و بشّر الكانزين بمكاوٍ .. و رضف
_ يا " ناظم " آموت وحدى هكذا على قارعة الطريق ؟!
وقتها ربت العملاق ذو العينين الزرقاوين على كتفه
و قال :
_ سأموت أيضاً فى المنفى يا " أبا ذر "
" التنين يرقد بجانب ينابيع الماء
كما في بلادكم أيضا
نحن نموت قبل أن نصل لسن الخمسين
كما في بلادكم أيضا
..........
لتغدو أشعارنا طريق حريتنا الكبيره "
..
رأيت " سيرغى يسينين " يخط بالدم
" ليس جديداً أن نموت فى هذه الدنيا "
و " رامبو "
إذ قال لفتاه آتنا غداءنا
لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
ثم كبس ساقيه على ساحل عدن
و " عُبيدة الطنبوريه "
الفاتنة التى دعاها " شوستاكوفيتش " لرقصة فالس
و أبتْ
رأيتها تدوزن الأوتار كرامة لى
" اخماتوفا " بكتنى
" الخنساء " علّقت نعلي فى خمارها
و فى فضاء أخف من العزلة
أمسكتْ " ديكنسون " بيدى
حتى دعتْ لنا " مايا " أن يناسبنا الجناح
و " بهرنكى " و " كفافيس " إذ يحكمان فى الحرث
إذ نفشت فيه غنم القوم
و كنا ....
.......
..
فيا أخى فى زراعة الموسيقى
مر المتعبون من هنا
و نحن لا ندجن الرؤى كالأنبياء
قصصتُ
فأنبئنى الآن
و قل لى
إذا مات شاعر
كيف يحتمل العالم كل هذا
الــــــــــ
ب
ي
ا
ض
الآسن ؟!
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين