عن شَرَه التحوّلات في رام الله.. البيوت إلى مطاعم
كتبت: رحمة حجة

في مفارقة حياتية، حين تطهو الأم طعامًا شهيًا جدًا نقول لها "كأننا في مطعم"، وإذا تناولنا وجبة شهية جدًا في مطعم نقول "كأننا في البيت". رام الله كسرت معنى المفارقة، حيث تحولّ عدد من بيوتها المهجورة إلى مطاعم وكافيهات وحانات.
منذ مدة وأنا أحصي عدد المطاعم في رام الله والبيرة، التي أقيمت على هياكل منازل مهجورة أو قديمة أو باعها أهلها لأسباب عدة، وأفكر في الروابط اللافتة للانتباه بينها. وخرجتُ بنحو 15 منشأة (مطعم ومقهى ومخبز وحانة) بين رام الله والبيرة، يتركزّ معظمها في محيط رام الله القديمة (التحتا) وحيي الطيرة والماصيون.
ومن القواسم المشتركة بين غالبية ما استدللتُ إليه: لائحة الطعام "المنيو" الغربية والبار والديكورات المعاصرة والموسيقى الراديكالية نوعًا ما، حيث يجتمع تحت سقفها اليساريون والمتغربنون والأجانب أكثر من أي فئة أخرى، إضافة إلى ارتفاع قيمة الضريبة على الفاتورة، كذلك الأسعار مرتفعة، وإعلانات الحفلات الموسيقية والراقصة فيها، إذ كانت الدعوات لها تتناقل بين عدد لا بأس به من روّاد الفيسبوك ويصلُني منها البعض، حتى آخر ثلاثة شهور قبل اندلاع "الهبة الشعبية".
الطراز الذي تقوم عليه هذه المطاعم والمقاهي مغرٍ للولوج إليها وخوض تجربة تناول مطعوم أو مشروب فيها قد يكون جديدًا على الذوق المحلي، والبحث عن جماليات الاندماج بين الأصالة والحداثة، كأنها أنموذج لعمل فنيّ معاصر، لكن سؤالًا يستحثّ الذهن في غمرة النشوة هذه: هل هي ظاهرة صحيّة؟ طبيعية؟
في سوريّا، منذ نحو 15 عامًا، برزت نفس المسألة في حارات دمشق القديمة، وفي أحد التقارير المتلفزة يقول مواطن سوري "صار ضجة كتير وعالم كتير، وغُربيّة كتير، ما عاد تشوفي ابن الحارة، بس بتشوفي غريب" فيما يقول آخر اضطرّ لبيع بيته بسبب فوضى المطاعم (كانت بيوتًا) المحيطة به "ما عاد جو دمشق القديمة أبدًا، صار جو مقاهي وكاباريهات" (روسيا اليوم، 2009).
الفرق بين البيوت الدمشقية والبيوت في رام الله والبيرة، أن الأولى أكثر عراقة وتصنّف بين التاريخية والأثرية وفق معايير وزارة السياحة السوريّة، بينما لدينا لم تصل إلى هذا التصنيف حسب وزارة السياحة الفلسطينية، إذ إن أقدم بيت في رام الله تحوّل لمطعم لا يتجاوز عمره 70 عامًا، لذا لا يستلزم الترميم رقابة منها، إنما يخضع لشروط الترخيص من دوائر الحكم المحلي والوزارات المعنية.
وفي دمشق –أيام كانت دمشق- كان الترميم عملية شاقة ومكلفة جدًا، نحن نتحدث عن ملايين الدولارات هنا، ووزارة السياحة تتدخّل في لون الحجر ونوع الأثاث وتصميمه والديكورات، الشيء الذي لا يستطيعه المواطن العادي، الذي لم يكن يُسمح له أساسًا بإضافة بناء لبيته أو ترميمه دون الخضوع لشروط حكومية صارمة، ما يضطر المواطنين لبيع بيوتهم لرؤوس الأموال التي تستثمرها في مشاريع مطاعم ومقاصد متنوعة للسيّاح.
وفي زيارتي الأخيرة للأردن لاحظتُ نفس الأمر، فمطعم ومقهى "نقش" على سبيل المثال في حي اللويبدة- عمّان، بيت قديم في الأساس، لكن القائمين عليه أبقوه على حاله مع بعض الإضافات الطفيفة، إذ تشعر فعليًا كأنك في زيارة لبيت جدك، تشرب شايًا بالنعنع من حديقة البيت، وتلج إلى مكتبته تنبش بعض ما فيها، والأسعار مناسبة.
وعالميًا، فإن البيوت التي تتحوّل إلى مطاعم في العادة "تقليدية" أي تروّج للطعام والشراب التقليدي في مكان وجوده، وصبغة المكان تتحكم بديكورها، وهذا الشيء مختلف لدينا، خاصّة إذا علمت أن "المجدرة" تصنع في أحد المطاعم مع النبيذ بدل الزيت، والمسخن يُقدّم على هيئة بيتزا. (عمل فني، لمى تكروري، 2015)
الأمر مثيرٌ للجدل، فالمطاعم التي أقصدها وقد يعرف القارئ بعضها، تلاقي قَبولًا شديدًا بين روّادها، خاصّة فئة الشباب والباحثين عن الجديد والمختلف واللانمطي، لكن هذا اللانمطي يتحوّل تلقائيًا إلى نمط مع التكرار، وتنبئ بموضة جديدة بعد أن راجت لفترة موضة "جفرا- عمّان".
وفكرة تزايد المطاعم بشكل عام كانت مثيرة للجدل هنا، في بلد تحت الاحتلال، معدلّات نموّه غير مستقرة والاستثمارات فيه تسير في طريق وعر وعائداتها غير مضمونة، ولا يتوقف الأمر عند رام الله، فجنين ونابلس والخليل تشهد هذا الازدياد أيضًا، مقارنة بالمستوى المعيشي للمواطنين ومتوسّط الدخل لهم، ما يجعل المطعم لعائلة مكونة من 5 أفراد على سبيل المثال، متوسط دخلها في الشهر 2500 شيقل، نوعًا من الرفاهية ويستلزم تخطيطًا مُسبقًا لوجبة غداء عائلية مُشبعة في مكان خارج نمط البيت. لذلك نجد الفئة الأكثر إقبالًا على المطاعم من الشباب أو من ذوي الدخل المرتفع.
في أحد التقارير التي تحكي عن ظاهرة الـ"Pop-up restaurant"، وهو نوع من المطاعم المؤقتة تُقام لفترة محدودة كمنشأة مستقلة أو في البيوت، تساعد الطهاة الحديثين على عرض أفكارهم لمستثمرين لمشاريع مستقبلية قد تحدث أو تنشأ خوفًا من المجازفة بإقامة مشروع ثابت غير مضمون النجاح، وبدأت فكرتها من إعلانات لعروض من عائلات لصنع وجبات منزلية يتم الحجز لها عبر الإنترنت، ظهرت قبل أكثر من عقد في بريطانيا وأستراليا، لتنتشر إلى دول أخرى في ما بعد، يقول أحد الزبائن عن بيت- مطعم: "مكان هادئ، حميمي، اجتماعي بحيث تستطيع التعرف على شخص يجلس في الطاولة بجانبك، تستطيع الدردشة مع الشيف دون حواجز أو ضوابط رسمية، تستطيع الولوج إلى المطبخ ومراقبة إعداد الطعام، وإذا احتجت كأس ماء يمكنك الذهاب إلى المطبخ وتناوله بكل بساطة، بعيد عن ضجيج الشوارع، وقد تجلس في حديقته الخارجية وتستمتع بشمس آخر النهار" (إندبندنت، 2014)
وهذه الأمور فعليًا يشعر بها الكثيرون من روّاد المطاعم هنا، الذين التقيتُ بعضهم، أو قرأته من تعليقاتهم في الـ"Check in" لها عبر فيسبوك، حين يتغنون بصفاتها. إلا أن علامة استفهام كبيرة لا تزال تحيق بهذا النمط الاستهلاكي البعيد نسبيًا عن شكل الحياة في فلسطين، التي تمتاز باللاستقرار واللاطمأنينة، وإذا نما عدد المطاعم تلك في غضون أقل من خمسة أعوام، كيف نتوقع شكل مدينة رام الله، ونابلس، ولاحقًا جنين وطولكرم والخليل في السنوات القليلة القادمة؟
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين