ثلاجة الاختناق القضائي تجمد القضايا في المحاكم لسنوات
10639 قضية معلقة في 2020 و9489 عام 2019

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- منذ عام 2015 ما زال المواطن (م.ج) من قرية رنتيس شمال غرب مدينة رام الله) يتنقل بين أروقة المحاكم للحصول على قرار نهائي في قضيته التي رفعها على أحد البنوك المحلية, لإخلال البنك بمعايير وضعها فيما يخص عملية السحب من رصيده, بحكم أن (م.ج) أسير سابق وخلال فترة الاسر وبحكم مرض زوجته, منح نجله "16 عامًا" وكالة لسحب الراتب الشهري محددا فترة الوكالة بمدة 3 شهور على ألا يتجاوز المبلغ المسحوب 2500 شيقل, لكن بعد الخروج من السجن وعند فحص رصيده في البنك وجد انه خال من أي مبلغ وأن ابنه قام بسحب الرصيد المتوفر في الحساب والبالغ (80 ألف شيقل) على فترات رغم قيام (م.ج) بتحديد قيمة الصرف على الا تتجاوز الـ 2500 شيقل, ما جعله يخسر (تحويشة العمر), مع تنصل البنك من الخلل الذي ارتكبه, ورغم وجود البينة المتمثلة في الاوراق والوثائق التي تنصف (م.ج) وتدين البنك ورغم وجود محام متابع بالتزام للقضية, ورغم سهولة البت فيها وصدور قرار سريع ينصف جميع الاطراف, الا ان قضية (م.ج) ما زالت تدور في أروقة المحاكم من عام 2015 دون وجود أية مؤشرات لحلها قريبا.
ليس مصادفة أن يكون القضاء العادل أساس الحكم وأساس الثقة في منظومة الحكم عبر كل العصور، ولذلك لجأت الدول والشعوب لتطوير نظمها القانونية وأجهزتها القضائية والرقابية ومؤسسات المحاكم لتجسيد سلطة القانون ودولة المؤسسات وما يزيد من اهمية القضاء طبيعة الوقت باعتباره من العناصر المهمة في البت بين المتخاصمين، فكلما طال عمر القضايا بين اروقة المحاكم دون قرار كلما تراجعت قدرة الجهاز القضائي أمام الجمهور كسلطة وكأجهزة تنفيذية، باعتبار العملية القضائية سلسلة حلقات متواصلة ومترابطة وذات تأثير متبادل وغايتها العدالة والانصاف وحماية المجتمع بكامل مكوناته بالقانون وعلى أساس القضاء العاجل والنزيه.
عقبات ومشاكل في منظومة القضاء.. والمجلس الانتقالي يشرح الأسباب ويقدم الحلول
بلغ إجمالي عدد القضايا الموثقة للفترة 2015-2020 نحو 68577 قضية فيما بلغ مجموع القضايا التي تم الفصل فيها نحو 18711 قضية من كافة الانواع المسجلة، وتم تسجيل نحو 12383 قضية ما تمثل نسبته 18% من مجموع كافة القضايا وهي نسبة مهمة مقارنة بباقي السنوات آخذين بعين الاعتبار اننا لم ننته من عام 2020 بعد.
تعليقا على ما سبق، رئيس مجلس القضاء الاعلى الانتقالي يقول عيسى أبو شرار: "تأخير البت في القضايا التي تنظرها المحاكم ومنها القضايا الجزائية والقضايا الحقوقية وقضايا العدل العليا المتعلقة بحقوق المواطنين وحرياتهم, والتأخير في البت في القضايا له عدة أسباب, أهمها الخلل في التشريعات الفلسطينية السارية المفعول بشكل عام, والتشريعات المتعلقة بالإجراءات القضائية بشكل خاص, الى جانب النقص في عدد القضاة والنقص في الكوادر الإدارية والجهاز الاداري
في المحاكم, وبعض الاسباب تتعلق بالضعف عند بعض القضاة نتيجة عدم تدريبهم وتأهيلهم بشكل صحيح, ولن نغفل الجانب السياسي وتداعياته على تراكم القضايا, الى جانب سيادتنا على الارض والحركة المقيدة للمواطنين بين المناطق, بالإضاقة الى إجراءات تبليغ الشهود ونقل المتهمين من محافظة الى أخرى، ومن مراكز الاصلاح والتوقيف الى المحكمة, كل هذه الاسباب مجتمعة ادت الى تراكم القضايا, ومن أهم الأسباب ايضا عدم وجود استراتيجية واضحة المعالم يتم العمل عليها من قبل مجالس القضاء الاعلى المتعاقبة تساعد على النهوض بقطاع القضاء وتطويره, الى جانب عدم تعاون الجهات المختصة ومنها التشريعية أو التنفيذية في تطوير قوانين الاجراءات التي تطبقها المحاكم ما يؤدي الى تأبيد القضايا وإطالة مدة التقاضي وهذا يتسبب في إهدار حقوق المواطنين, لان المواطن عندما يلجأ الى المحكمة يكون هدفه إيجاد حل لقضيته وعندما يحصل على حقه في وقت متأخر كأنه لم يحصل عليه".
ويضيف أبو شرار: "هناك أيضًا أسباب تتعلق بالمحامين وتتمثل في غيابهم عن الجلسات والمماطلة في الاجراءات، لأن قوانين الاجراءات تمكنهم من ذلك, والأهم عدم الجدية في التعامل مع المحكمة, ويحدث هذا عندما يكون القاضي غير مؤهل تأهيلاً سليمًا, ويحدث العكس عندما يكون القاضي مؤهلا بطريقة تمكنه من إدارة الدعوى بالشكل المطلوب, وعدم اعطاء المحامي فرصة المماطلة في إجراءات التقاضي" .
ويقول أو شرار: "هناك اشكالية مباني المحاكم غير المؤهلة وغير الصالحة وعلى سبيل المثال دائرة التنفيذ في محكمة بداية رام الله وهي دائرة غير مؤهلة يتدفق عليها يوميًّا مئات المواطنين للمراجعة في قضاياهم أو تسجيل قضايا جديدة, من جانب آخر عدد القضايا التي ترد للمحاكم لا يتناسب وأعداد القضاة الموجودين, خاصة في ظل عدم تقديم الحكومة لأية حوافز مادية تغري المحامين المؤهلين للقبول بالوظيفة القضائية, الى جانب عدم اهتمام السلطة التنفيذية بالقضاء وتزويده بكافة الاحتياجات اللازمة للنهوض بالقطاع القضائي وتمكينه من أداء مهامه والتسريع في البت في القضايا, وأضيف الى كل هذه العوامل جائحة كورونا, حيث لدينا محاكم معطلة بشكل كامل أو بشكل جزئي".
وحول وجود خطط واستراتيجيات بخصوص تسريع إجراءات التقاضي والتخفيف من نسبة القضايا المدورة في المحاكم, يقول أبو شرار: "عندما عدت للقضاء وتسلمت رئاسة مجلس القضاء الاعلى الانتقالي كان وجودي في هذا المنصب مؤقتً, وبالتالي أنا أترأس مجلسًا انتقاليًّا وضع استراتيجية للتعامل خلال المدة المحددة للمجلس الانتقالي الحالي, سواء فيما يتعلق بتشكيل المحاكم واصلاح القضاء, لكن هناك استراتيجيات قطاعية لقطاع العدالة قمنا بالاطلاع عليها ووجدنا انها استراتيجيات قديمة وغير مفهومة ولا تتناول أهدافًا استراتيجية عليا ودنيا خاصة بقطاع العدالة وجزء منها السلطة القضائية, وهي غير صالحة لتطوير القضاء والتغلب على تراكم القضايا, يضاف الى ذلك انه وقبل تشكيل المجلس الانتقالي كان هناك تسيب في المحاكم وعدم التزام بالدوام وهذا عامل أدى الى تراكم القضايا الى جانب الطريقة التي تتم فيها التبليغات للمتخاصمين أو الشهود هي طريقة قديمة وتقليدية والمطلوب تطويرها بحيث يتم التبليغ من خلال شركات خاصة أو التبليغ بالوسائل الالكترونية الحديثة وهذا يتطلب تعديلاً تشريعيًّا على قوانين الاجراءات لإجازة مثل هذه التبليغات, ورغم أن المجلس الانتقالي وضع التشريعات التي تساعد على معالجة هذه الجزئية الا ان الجهات المسؤولة وتحديدًا التنفيذية في ظل عدم وجود السلطة التشريعية لم تقر هذه التشريعات, ورغم طلبنا تعديل هذه الجزئية بإصدار قرار بقانون وتعديل موضوع التبليغات وسماع الشهود عن بعد, أو إجراء محاكمة عن بعد, وخاصة في ظل الظروف السياسة المستجدة وفي مقدمتها وقف التنسيق الامني وعدم قدرتنا على نقل اي متهم الى قاعة المحكمة, لكن لو كانت لدينا قوانين حديثة متطورة كان بالإمكان محاكمة المتهم وسماع الشهود عن بعد من خلال حلقة فيديو "كونفرنس" أو أية طريقة الكترونية أخرى أسوة بدول العالم الذي مكّن القضاء من استخدام هذه الوسائل وسهّل البت في القضايا بشكل اسرع, وعلى سبيل المثال في الاردن وخلال الجائحة تحديدا فإن كل مواطن ارتكب مخالفة لنظام الطوارئ وتم استدعاؤه للمحكمة كانت محاكمته تتم من خلال آلية معينة عن بعد ويقوم بدفع الغرامة الكترونيًّا ايضًا, وهنا اشير الى أننا في فلسطين نمتلك مؤسسة تكنولوجيا معلومات (IT) قادرة ومؤهلة وفاعلة للتعامل مع هذه التطورات, وما نريده لتفعيلها هو الاجازة بذلك التي تتم فقط من خلال مخاطبة السيد الرئيس لإصدار التشريعات اللازمة للتعامل مع مثل هذه القضايا, وهنا اؤكد ان السلطة التنفيذية بكل أفرعها سواء الحكومية أو غيرها لا تتفهم ولا تتعامل بإيجابية مع احتياجات القضاء".
أقل من 1% من الموازنة العامة
ويضيف أبو شرار: "حصة السلطة القضائية في الموازنة العامة أقل من 1%, بالرغم من أن إيرادات المحاكم قريبة من النفقات التي تنفقها الحكومة على المحاكم, حيث تتراوح ايرادات المحاكم من 70 الى 80 مليون شيقل سنويا والسلطة الوطنية تنفق 100 مليون شيقل سنويا على السلطة القضائية".
قوانين بحاجة لتعديلات
ومن ناحية تطوير القوانين وخاصة قانون العقوبات الأردني لعام 1960 أكد أبو شرار "أن قانون العقوبات الحالي ليس قانونًا سيئًا لكنه جزئي غير فاعل ولا يردع ويحتاج الى تعديل بعض البنود الخاصة بالجرائم الواقعة على أشخاص أو على أموال, وعقوبات هذه الجرائم بحاجة الى إعادة نظر وتعديل بعض النصوص وتغليظ العقوبات الخاصة بها بشكل خاص, ونحن قادرون على التعديل بحكم انه قانون ساري المفعول في فلسطين بما يتلاءم مع الوضع الفلسطيني, والافضل هنا اصدار قانون عقوبات جديد, وبحكم وجود خلاف في وجهات النظر على هذا القانون منذ أكثر 10 سنوات، حيث إن هناك جزءا منه وضعت له مسودة من أيام الاطر القانونية وديوان الفتوى والتشريع منذ أكثر من 15 عامًا, وتم تشكيل لجان جديدة وتم وضع نصوص جديدة ولكن للأسف وحتى اليوم لا يوجد اتفاق على إقرار هذا القانون, وأكثر الامور خلافية في القانون تدور حول عقوبة الاعدام, لكن لا علاقة لقانون العقوبات بتراكم القضايا امام المحاكم أو وضع السلطة القضائية بشكل عام, وما يؤثر هي قوانين الإجراءات, مثل قوانين أصول المحاكمات المدنية والتجارية وقانون الاجراءات الجزائية وقانون التنفيذ".
القضاء العشائري وقانون الوساطة
وحول القضاء العشائري والدور الذي يلعبه كبديل عن القضاء المدني يقول أبو شرار: "بداية ثقافة المواطن تقوده للجوء للقضاء العشائري قبل القضاء المدني, وعندما لا يحصل على حقوقه من القضاء العشائري يلجأ للقضاء المدني, وهناك فرق بين القضاء العشائري وبين الوسائل البديلة لحل النزاعات مثل الوساطة والتحكيم من خلال تدخل آخرين وهي سائل مشروعة لحل النزاع وهي تخفف العبء عن المحاكم, ونحن بصدد وضع قانون اسمه "قانون الوساطة" لمحاولة حل النزاعات, وفيما يتعلق بالشركات الوافدة التي ترغب بالاستثمار في فلسطين عادة ما يتم تضمين شروط العقود الخاصة بها بند اللجوء الى التحكيم أولا, وهذا يعني عدم اللجوء للقضاء الا بعد استنفاد كل وسائل التحكيم, لأنه وكما هو معروف في معظم دول العالم القضايا تأخذ وقتا امام القضاء بينما في التحكيم يتم إنهاء الخلاف بأسرع ما يمكن, وبالتالي فإن الوسائل البديلة لحل النزاعات هي ليست قضاء عشائريا بل وسائل مشروعة تخفف من حجم القضايا أمام المحاكم, وعند اقرار قانون "الوساطة" يفضل اللجوء اليه في محاولة لفض النزاع قبل اللجوء للمحكمة المختصة, فقانون الوساطة يلعب دورًا مهمًّا ونتمنى من المواطن التعامل مع هذا القانون بعقلية منفتحة وذهنية تؤدي لحل النزاعات, وأن يكون المحامي عونًا في انهاء النزاع وعدم تعطيله, في حال عدم تفهم المواطن لهذا القانون, فاللجوء الى التحكيم افضل من استمرار القضية أمام المحاكم".
"مجلس القضاء الاعلى الانتقالي وظيفته ادارية تدير السلطة القضائية, لكن لدينا وسائل الرقابة على المحاكم وهي دائرة التفتيش القضائي يحدد القانون فيها ما هو مسموح لها ان تفرض رقابتها عليه في عمل القاضي وما هو غير مسموح لها بمراقبته في عمل القاضي, مثل تأجيل القضية أكثر من مرة أو المماطلة في القضية او تأبيدها, ومراقبة أية مخالفات يرتكبها القاضي, وهنا يتم توجيه تنبيه للقاضي أو اذا استوجب الامر تحويله الى التحقيق, لكن ليس هناك اية رقابة على قرار القاضي في القضية, حتى لا يكون هناك اعتداء على استقلالية القضاء"، ويقول أبوشرار.
في السياق نفسه يوضح أبو شرار: "فيما يتعلق بالقضايا الجزائية فإن التنفيذ من اختصاص النيابة العامة وليس من اختصاص القضاء, وفيما يتعلق بالقضايا الحقوقية المواطن المحكوم له وهو الدائن هو يملك صلاحية تنفيذ قضيته أو عدم تنفيذها, فالمحاكم لا تستطيع حل مشكلة اعسار الناس فالقاضي لن يكون بديلا للدائن ويحصّل من المدين, الا اذا تقدم الدائن بطلب الى دائرة التنفيذ وحدد فيه اموالا يمكن الحجز عليها سواء كان على شكل اموال سائلة او عقارات. الخ".
وفيما يخص جزئية استقلال القضاء، يقول أبو شرار: "في دول العالم الثالث قد يكون استقلال القضاء استقلالاً ناقصًا بمفهوم استقلال القضاء, وفي فلسطين تختلف الاجتهادات فهناك من يفسرها أن القاضي مستقل في قراره, ونحن نرى أن استقلال القضاء لا يتجزأ, فالجهاز الاداري للمحاكم وميزانية القضاء وتمكين القضاء وتقديم كل التسهيلات الممكنة لهذا القطاع وتحسين اوضاع القضاة هذه كلها مواضيع تؤدي الى استقلال القاضي واذا توفرت له سيكون مستقلا وفي حال عدم توفرها فلن يكون مستقلا, فمثلا لجوئه للسلطة التنفيذية لتمكينه بحد ذاته ينال من استقلاليته".
وعن دور القضاء في مجال القضايا الحقوقية، يوضح أبو شرار: "بالنسبة للقضايا الحقوقية مثل قضايا الأسرة يختص بها القضاء الشرعي, أما فيما يختص بقضايا القضاء المدني لا نقيم لها محاكم, لكن نقيم هيئات متخصصة في القضايا العمالية والقضايا الاقتصادية وقضايا النوع الاجتماعي وقضايا الاحداث, فهي قضايا لها قضاة متخصصين ومؤهلين وفقا للقوانين الخاصة بها ويمتلك القضاة المسؤولين عنها ثقافة سرعة البت في هذه القضايا ويقومون بالدور المطلوب, وليس بالضرورة تسميتها بمسمياتها مثل المحكمة العمالية أو غيرها, وفيما يخص قضايا النوع الاجتماعي طلب المانحون أن يتم تأهيل محاكم خاصة وتوفير مكان خاص بها نظرا لأنه محاكمنا غير صالحة لهذا النوع من القضايا في رام الله تحديدا, حيث وقع الاختيار على محكمة البداية في مدينة نابلس بحكم أنها مؤهلة أكثر, وسيتم تخصيص غرف لقضايا النوع الاجتماعي وسيتم عمل تدريب على ثقافة التعامل مع قضايا النوع الاجتماعي وبالفعل قطعنا شوطًا كبيرًا في هذا المجال وتم تأهيل عدد من القضاة في هذا المجال ويتعاملون مع هذه القضايا كما هو مطلوب".
"جائحة كورونا" ضاعفت عدد القضايا المدورة
"في الجائحة زاد عدد القضايا المدورة امام المحاكم, وهنا نقول من بداية شهر آذار 2020 وحتى اليوم محاكم البداية والصلح ومحاكم تسوية الاراضي ودائرة التنفيذ في محافظتي بيت والخليل لم تعمل بشكل كامل لكن بشكل جزئي, وكنا حريصين طوال هذه الفترة ان نتعامل مع القضايا المستعجلة التي لا تحتمل التأخير مثل قضايا التوقيف واخلاء السبيل وقضايا استرداد أوامر الحبس في دوائر التنفيذ, وقضايا النفقة للمطلقات والارامل, ولكن بشكل عام زادت نسبة القضايا المتراكمة أمام المحاكم, وفي رام الله انتشرت عدة اصابات بكورنا في المحكمة العليا ومحكمتي البداية والصلح وفي قلقيلية وجنين ومحكمة اريحا معطلة بالكامل , ما ادى الى مضاعفة عدد القضايا المدورة أضيفت الى التراكم الموجود قبل الجائحة, وليس هناك افقا لانتهاء الجائحة خاصة اننا أمم انتظار الموجة الثالثة ما سيؤدي الى تراكم القضايا وشل عمل المحاكم " يقول أبو شرار.
وحول تأهيل مباني المحاكم الحالية يقول أبو شرار: "نحن دائما نبحث عن ممول أجنبي لبناء المحاكم وبحكم أن رام الله هي العاصمة الادارية والاقتصادية فالمحاكم الموجودة فيها لا تليق بمحكمة البداية الموجودة في رام الله ولا تتلاءم مع حجم القضايا الواردة اليها بحكم أن اهم القضايا موجودة في المحافظة, ونحن في حالة بحث دائم مع الممولين ومع الحكومة ممثلة بدولة رئيس الوزراء ووزير المالية ومع السيد الرئيس وأنه آن الأوان لإيجاد حل مشكلة مبنى مجمع محاكم رام الله".
"هناك ضرورة وطنية ملحة لإقرار التشريعات الاجرائية التي اعدها مجلس القضاء الاعلى، حيث اننا امام مستجدات في مقدمتها الجائحة والعلاقة مع المحتل, ما يترتب عليه صعوبة نقل المتهمين من محكمة الى أخرى, وحتى في ظل التنسيق الامني كانت هناك صعوبات".
وفي سؤال وجهناه لرئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي حول ما يتردد عن استشراء الفساد في القطاع القضائي أكد: "في ظل وجود مجلس القضاء الاعلى الانتقالي لا يوجد اي حديث عن رشوة أو حتى عن تسيب بين القضاة, بل على العكس هناك شعور بالمسؤولية من قبل القضاة، لكن في فترات سابقة وعندما كنت قاضيا متقاعدا كنت اسمع عما يتردد من وجود هذا النوع من الفساد, اليوم المؤشرات تشير الى ان القضاء الفلسطيني ما زال بخير، هذه المؤشرات لا تكفي ان لم نقدم للقضاء الفلسطيني ما يحتاج اليه في سبيل تحقيق استقلاليته وتطوير أدائه وتأهيل القضاة وتصنيعهم, وأن نقدم لهم الحوافز, وأن تتم اعادة النظر في رواتب القضاة وتمكينهم من العيش حياة كريمة ليتمكن القضاة من احقاق حقوق المواطنين, حيث إن رواتب القضاة وضعت من عام 2002 ولم يتم تعديلها حتى اليوم".
توقيف 140 متهما دون محاكمة.. والنيابة العامة ترد
تراكم القضايا ومن مختلف الفئات الذي وصل لنحو 10639 قضية حتى تاريخه من عام 2020 مقارنة بنحو 9489 لعام 2019 وبنسبة ارتفاع تصل الى 12% رغم عدم انتهاء عام 2020، يشكل ظاهرة مهمة تستدعي المراجعة والتحليل من قبل الجهات المعنية، لان هذا التدوير وارتفاعه عبر السنوات يشكل اعباءً ليس فقط على الجهاز القضائي وانما تكلفة انسانية واقتصادية واجتماعية على كافة الاطراف المعنية بتلك القضايا.
وهنا توجهنا للنيابة العامة ممثلة بالنائب العام أكرم الخطيب ويقول: "العدالة الناجزة تقتضي سرعة البت في القضايا, لكن للأسف الشديد لأسباب متعددة يتم التأخير في البت في القضايا وتحديدًا القضايا المحالة الى المحاكم وليست القضايا المنظورة أمام النيابة العامة, على الرغم من أن القضايا الموجودة لدى النيابة يتم التأخر في البت فيها لكن ليس لسنوات, بالنسبة لموضوع القضايا المنظورة امام المحاكم وليس من باب خلق شماعة نعلق عليها هذه التأخير, لكن يمكن القول ان الاحتلال هو السبب الرئيسي في تأخر البت في القضايا وتحديدا بسبب تقسيم المناطق الفلسطينية الى "أ" و"ب" و"ج", ما يتعذر على الاجهزة التنفيذية من جهات انفاذ القانون والشرطة التبليغ حول هذه القضايا, حتى اصبحت بعض المناطق شبه ملاذ آمن لبعض المتهمين للجوء اليها والاختباء فيها, وايضا من الاسباب وجود بعض النصوص القانونية المتعلقة بالتبليغ, حيث وصلنا الى قناعة بضرورة تعديلها, اضافة الى جائحة كورونا التي ساهمت في رفع نسبة القضايا المدورة في المحاكم, اضافة الى النقص في الكادر الاداري والقضائي المسؤول عن النظر في القضايا".
ويضيف: "نحن كنيابة عامة نسعى مع جهات انفاذ القانون والضابطة القضائية من اجل سرعة انجاز تلك القضايا من حيث حل مشاكل التبليغ وغيرها, اضافة الى زيادة الكادر الموجود في النيابة العامة, في الوقت الذي يسعى فيه القطاع القضائي الى زيادة الكادر القضائي, وبالنسبة للاحتلال نحن نتمنى ان يكون هناك حل سياسي يمكننا من بسط نفوذنا على كامل ترابنا الوطني, وهنا نشير الى انعكاس وقف التنسيق الامني على عدم انتظام النظر في بعض القضايا المطلوب فيها نقل موقوفين من محافظة الى أخرى, ما يضطرنا الى اللجوء الى الحلول الموجودة لدينا في القانون, سواء نقل مرجع قضائي أو نقل الهيئة القضائية للنظر في القضية في المكان الذي يتواجد فيه المتهم, وبالنسبة للقضايا الموجودة لدى النيابة العامة هناك تعليمات واضحة نصدرها لجميع الزملاء في النيابة العامة في جميع المحفظات بضرورة تسريع النظر في القضايا المدورة ومتابعتها بهدف احالتها الى المحاكم المختصة, لكن أيضا هناك معاناة في عملية احضار المتهمين او الشهود, وإلى جانب دور النيابة العامة في التحقيقات التي تقوم بها فهي تقوم ايضا بالترافع أمام المحاكم, حيث تعدى دورها تنفيذ قرارات المحاكم الصادرة بشان القضايا, وفيما يتعلق بالإجراءات التي تخص المحاكم فالنيابة العامة تسعى باستمرار الى تقديم البينة ومساعدة المحكمة في احضار بعض شهود النيابة من أجل تقديمهم امام المحكمة وتقديم البينات التي اعطانا القانون الحق بتقديمها بالسرعة المطلوبة, لكن نؤكد أن المحكمة سيدة نفسها فيما يتعلق بالمداولات بعد انتهاء تقديم البينة من قبل النيابة أو تقديم الدفوع والبينة من قبل المتهمين ومحاميهم, وهنا لا بد من الاشارة الى مسألة مهمة وهي أن هناك قوانين نصت على وجود مدة زمنية للإجراءات امام المحاكم مثل قانون مكافحة الفساد الذي أوجب على المحكمة عقد جلساتها بشكل سريع وفي مدة زمنية قصيرة, اضافة الى قانون الاحداث, وهنا اعتقد ان وجود مثل هذه النصوص في القانون تساعد على انجاز المداولات امام المحاكم بالسرعة المطلوبة".
"النيابة العامة هي من يقوم بتنفيذ الاحكام الصادرة عن المحاكم وفق قانون الاجراءات الجزائية وتحديدا نص المادة 395, وهذا يتم بعد أن يصبح الحكم حكمًا نهائيًّا وباتًّا أي بعد المصادقة عليه من قبل محكمة الاستئناف, بعد ذلك تأخذ النيابة العامة على عاتقها تنفيذ الحكم بالسرعة المطلوبة, كما خصصت النيابة العامة نيابة متخصصة لتنفيذ الاحكام الجزائية ومقرها الرئيسي في مكتب النائب العام, ويوجد في كل نيابة متخصصة عضو نيابة وطاقم اداري يعنى بتنفيذ الاحكام الجزائية من خلال برنامج محاسبة وهو برنامج "ميزان" وهو برنامج محوسب بطريقة تساعد على سرعة تنفيذ الاحكام وان يكون هناك اجراءات موحدة في كل النيابات العامة" يقول الخطيب.
ويضيف: "عندما نتحدث عن اجراءات التقاضي لا نتحدث عن قانون العقوبات, هذا القانون يتعلق بالأحكام فقط وما يحكم اجراءات التقاضي هو قانون الاجراءات الجزائية الفلسطيني لسنة 2001 وهو قانون متطور يلبي الحاجة، لكنه بحاجة الى بعض التعديلات من أجل الوصول الى النتيجة المنشودة وهي عدم تراكم القضايا وسرعة البت فيها, وحاليا هناك مداولات من قبل اركان العدالة جميعا من أجل تعديل قانون الاجراءات الجزائية بالشكل الذي يلبي سرعة البت في القضايا ومنها إجراء المحاكمات عن بعد وسماع الشهود والمتهمين من خلال التقنيات الحديثة, والحاجة لهذا الاجراء اصبحت ملحة حتى يكون لدينا قانون اجراءات عصري يواكب كل ما يحدث ونحن اكثر الدول حاجة لوجود هذا النوع من هذه النصوص حتى نتمكن من إجراء محاكمات عن بعد".
وعن القضاء العشائري كبديل عن القضاء النظامي يؤكد الخطيب: "الاختصاص الاصيل ينعقد الى القضاء المدني وموضوع القضاء العشائري وتمدده والدور الذي يقوم به حاليا هو نتيجة لجوء بعض المواطنين الى هذا القضاء، وكان هذا السبب الرئيسي في تعزيز القضاء العشائري والتأخر في البت في القضايا لدينا, فرجال العشائر لهم دور مناط بهم نحترمه, لكن لن يكون على حساب القضاء النظامي".
وحول وجود 140 متهمًا وفق احصاءات الشرطة الفلسطينية ما زالوا موقوفين من عدة سنوات ولم يتم البت في قضاياهم ولفترات أقصاها 10 سنوات وأدناها سنتان يقول الخطيب: "وفق الاحصاءات الموجودة لدينا فإن الموقوفين لمدد طويلة أغلبيتهم تمت إدانتهم بالحد الادنى من محكمة الدرجة الاولى وهي محكمة الاختصاص, لكن هناك بعض الموقوفين لمدد طويلة وهؤلاء تتمحور طبيعة جرائمهم حول القتل وترويج المخدرات, وهنا نتحدث عن ان القانون هو الفيصل, وكنيابة عامة ألزمنا القانون بإحالة القضية الى المحكمة خلال مدة ستة شهور اذا كان المتهم موقوفا وهذا المدة مقدسة لدينا ويجب الالتزام بها, وفي حال تجاوزناها يتم إطلاق سراح المتهم, وهنا اعتقد بالإمكان أن تكون هناك نصوص في القانون في حال تعديله لتحديد مدد التوقيف للمتهمين غير المحكوم عليهم, وإذا كانت هناك مدد محددة ستكون المحاكم مضطرة لإنجاز هذه القضايا واصدار الاحكام الخاصة بها, وبالنسبة لوجود 140 موقوفًا لم يتم اصدار احكام بحقهم حتى الآن, نعتقد أن هناك مبررات لدى المحاكم رغم أن سلطة المحكمة سلطة تقديرية في اخلاء السبيل, لكن ربما كان لدى المحاكم تقديرات بأنه في حال تم إخلاء سبيل هؤلاء المتهمين، فإن ذلك قد يؤثر على النظام والامن العام, لكن هذا لا يمنع وجود نصوص تلزم المحاكم بتحديد مدد التوقيف للمتهمين".
"رغم الظروف الصعبة، نؤكد أن احترام سيادة القانون واجب, وضرورة حماية الحقوق والحريات والدفاع عنها واجبنا كنيابة عام, وبإمكان أركان العدالة من قضاء ونيابة وجهات انفاذ قانون في حال تكاتف الجهود أن نصل الى المنظومة التي ننشدها بخلق واحة ديمقراطية ودولة ديمقراطية ناضلنا من اجل الوصول اليها, وبالتالي نحن بحاجة الى تعديلات تشريعية وتحديدًا قانون الاجراءات الجزائية بهدف ايجاد نصوص تمكن المحكمة من سرعة البت في القضايا المتراكمة منذ سنوات لديها, اضافة الى اعداد الكادرين القضائي والاداري, وهنا نتحدث عن جانبين القضاء والنيابة العامة حتى نتمكن في النيابة العامة من إنجاز الملفات الموجودة لدينا وحتى تنجز المحاكم القضايا المدورة لديها"، يؤكد الخطيب.
نقابة المحامين: المجلس الانتقالي المسؤول الاول
تحتل القضايا العمالية الحجم الاكبر بالمقارنة بباقي الفئات حيث تمثل ما نسبته 54% تليها قضايا التأمين بنسبة 37% فيما توزعت النسبة المتبقية على باقي الفئات، وهذه الظاهرة تكاد تكون متطابقة لكافة البيانات على المستوى التفصيلي حسب كل سنة ايضاً للفترة 2015 ولغاية 2020، الامر الذي يعكس أهمية قطاع العمل ضمن ساحة القضايا المرفوعة للقضاء خلال السنوات الماضية، وأهمية هذه الظاهرة تتعلق بجانبي القضية، فهي مهمة لاصحاب العمل لاعتبارات تخص أعمالهم، وهي على درجة من الاهمية للعاملين وخاصة حينما تتعلق بحقوق وأجور تشكل خيط الحياة والصمود والبقاء الاقتصادي لهؤلاء العمال.
واستكمالا للحديث في قضية ارتفاع نسبة القضايا المدورة بشكل عام يؤكد نقيب المحامين جواد عبيدات: "هذا الموضوع قديم جديد وعلى مدار عشرات السنوات هذه القضية مثارة, ورغم تناول أركان العدالة لهذه القضية وعلى مدار عشرات السنوات بهدف السيطرة عليها ومحاولة إيجاد حلول بهدف تنظيم وتسريع عملية البت في القضايا وعدم تراكمها, الا ان هذا الموضوع ما زال عالقًا مع تفاقم المشكلة وتزايد عملية التراكم, نحن كنقابة محامين تحدثنا مرارًا وتكرارًا في هذه القضية لكنه يحتاج الى حل جذري وليس حلاً مؤقتًا كما كان يقوم به رؤساء المجالس المتعاقبة لمجلس القضاء الأعلى, ومن اهم اسباب تراكم القضايا وارتفاع معدل القضايا المدورة هو عدم رفد مرافق القضاء بعدد كاف من القضاة, وكنا طالبنا بعدة كتب تم ارسالها لرؤساء الوزراء وتحديدًا في عهد حكومتي الدكتور سلام فياض والدكتور رامي الحمدلله, طلبنا فيها بفصل ميزانية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية, بحيث يكون للقضاء ميزانية مستقلة يتمكن من خلالها تعيين العدد الكافي من القضاة, والسبب الثاني هو عملية تنقل القضاة وانتدابهم في محاكم أخرى وفيها يتم نقل القاضي دون أن يكون أنجز وأغلق الملفات الموجودة لديه بالأصل وبالتالي تبقى القضايا عالقة دون البت فيها, وثالثا اجراءات التبليغ وما يتعلق بها من مشاكل بحكم تقسيم المناطق الفلسطينية الى مناطق "أ" و"ب" وج , وما يترتب على هذا من تعذر تبليغ الاطراف ذات العلاقة بالقضية وتبقى مدورة داخل أروقة المحاكم، ومنها ما لا يصل الى عمل جلسة واحدة ع الاقل تساعد على التقدم في مجريات القضية, وهذه المعيقات مجتمعة يدفع ثمنها المواطن, هناك قضايا عالقة منذ التسعينيات, وهناك قضية كانت عالقة منذ عام 1986 وتم البت فيها حديثا, هناك قضايا تدور في أروقة المحاكم منذ أكثر من 25 عاما, ونحن نرى أنه في العام والنصف عام الاخير تراكمت القضايا بشكل كبير وذلك يرتبط تحديدا بإدارة مرافق القضاء وتشكيل مجلس انتقالي للقضاء وعزل الكثير من القضاة وانهاء عملهم وإحالتهم للتقاعد دون دراسة مسبقة ودون وضع خطة لغايات السيطرة على تراكم القضايا ما أدى الى ارتفاع نسبة القضايا المدورة, وهذا يتعلق بفقدان قطاع القضاء مؤخرا 50 قاضيا كانوا قضاة عاملين وفاعلين وينظرون في الملفات, وبعد ذلك تم تعيين قضاة جدد لم يخضعوا للتدريب في معهد تأهيل القضاة ولا يمتلكون الخبرة الكافية لإدارة والبت في القضايا المطروحة أمامهم, وهذا يدفع بالقاضي الجديد الى تأجيل القضية أكثر من مرة ولنفس السبب وهذا ما يمنعه القانون, حتى أن هناك قضايا بسيطة لا تحتاج لوقت طويل للبت فيها, يقوم فيها القاضي الجديد برفع الدعوة لغايات التدقيق وإعطاء القرار, وفي حال أنه لو كان قاضيًا متمرسًا يستطيع البت فيها في نفس الجلسة, الى جانب أن البنية التحتية ومباني المحاكم ومرافق التقاضي والقاعات غير مؤهلة لاستيعاب العدد الهائل من القضايا الواردة اليها, وعدد الموظفين "الكتبة" داخل المحاكم غير كاف, هناك الكثير من القضاة من ينتظر في مكتبه أكثر من ساعة حتى يتفرغ احد الكتبة, هناك ايضا عدم ضبط القضاة في عملية الدوام, وفي فترة من الفترات كان هناك عدم التزام بساعات العمل المحددة وينظر في قضايا محددة ويقوم بتأجيل متكرر للقضايا, وهذا ما عمق من المشكلة في حينه".
ويتابع عبيدات: "تشكيل مجلس القضاء الاعلى الانتقالي جاء بهدف إنقاذ القضاء من الوضع الحالي, لكن هذا المجلس جاء دون أية خطة لإنهاء هذا التراكم, صحيح أنه قام بضبط عملية التزام القضاة بالدوام, لكن نحن أمام قضاة جدد يجب أن يخضعوا للتدريب والتأهيل قبل التعيين, في معهد تدريب القضاة وهو يحتاج الى عام أو عامين على الاقل حتى يتم إعداد القاضي بالشكل الذي يؤهله للجلوس على مقاعد الحكم والبت في ملفات القضايا دون تأخير أو مماطلة, كما أن حل مشكلة القضايا المدورة يحتاج الى خطة صادرة ليس عن مجلس القضاء الأعلى فقط, وانما صادرة عن ارادة وطنية لغايات النظر بكل جدية الى السلك القضائي ورفد السلطة القضائية بكل الامكانات المتاحة" .
"نحن بحاجة ماسة الى تعديل بعض القوانين, فمثلا التبليغ اليوم يجب أن يتم عن طريق محضر وعدد المحضرين لا يتناسب مع عدد القضايا الواردة الى المحاكم, واتضح ذلك خلال جائحة كورونا, حيث كان هناك أكثر من 600 ألف قضية تتطلب تبليغات لشهود ومدعين ومدعى عليهم ومحامين, حسب الاحصاءات الصادرة عن رئيس مجلس القضاء الاعلى الانتقالي, ونحن كمحامين هنا استطعنا مساعدة مجلس القضاء الاعلى من خلال قبول التبليغ الالكتروني رغم أنه غير قانوني بالأساس، لكن بهدف تخفيف العبء الموجود, فعدد المحضرين اليوم لا يكفي لـ 10000 قضية فكيف الحال مع 600 الف قضة ؟" يقول عبيدات.
ويتابع: "كورونا أعادتنا عشرات السنوات الى الخلف بسبب عدم انتظام الدوام في مراكز القضاء, علما أننا كنقابة محامين طالبنا بطريقة أخرى لإدارة هذه الملفات, بالتقدم باقتراح وخاصة في قضايا الجنايات أن يحضر المتهمون فقط مع الالتزام بإجراءات الوقاية من كورونا, لكن للأسف مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لم يتعاون مع أركان العدالة ورفض التعاون مع نقابة المحامين, واتخذ قرارات أدت الى تفاقم وازدياد عدد التباليغ بشكل ملحوظ لأنه لا يوجد تنسيق بين المجلس والنقابة, فخلال الجائحة كان من المسموح للمحامين التنقل وكان بالإمكان ممارسة عملنا في المحاكم والالتزام بإجراءات الوقاية وعملنا على الاقل على القضايا الموجودة بالأساس حتى لو لم يصدر فيها احكام بهدف الحفاظ على سير العدالة على الاقل, وكان بإمكان السادة القضاة البت في كل القضايا المرفوعة لإعطاء القرار ورغم محاولاتنا في هذا الجانب الا انها قوبلت بالرفض من مجلس القضاء الاعلى ومن القضاة أنفسهم وكانت حجتهم الخوف من الاصابة بفيروس كورونا، ونحن كنقابة محامين كانت إحدى صيحاتنا مواكبة التطور والتكنولوجيا الحديثة, وان يكون هناك تبليغات الكترونية ومحاكمات عن بعد وتسجيل عن بعد, وتحديدا في ظل الوضع الفلسطيني تحت الاحتلال الذي يعاني من صعوبة التنقل بين المدن وصعوبة نقل الموقوفين من اماكن الحجز الى المحاكم".
في السياق نفسه، يقول عبيدات: "النقابة تحمل مجلس القضاء الاعلى الانتقالي كامل المسؤولية عن ما يحدث في قطاع القضاء, لأنه لم يضع خطة يتم رفعها للسيد الرئيس ويوضح فيها ما هي متطلبات النهوض بواقع القضاء والعدالة في فلسطين" .
وفيما يخص إجراءات النقابة في حال وجود أي تقاعس أو عدم التزام من قبل المحامين بالعمل المطلوب يقول عبيدات: "قد يكون هناك مماطلة من بعض الزملاء المحامين وهم اقلية، لكن القاضي سيد الموقف, فهو القادر على ضبط الجلسة وتكليف المحامي وحتى محاكمته خاصة عند عدم حضوره القضايا الحقوقية, وفي حال وردنا أي كتاب رسمي سواء من مجلس القضاء الاعلى أو من قاض بحق اي محام بسبب اخلاله بسير المحاكمة أو عدم الالتزام بحضور الجلسات, نقوم فورا بإحالته الى الشؤون المختصة داخل النقابة لاتخاذ قرارات صارمة بحقه, واذا كرر الفعل اكثر من مرة يتم تحويله لمجلس تأديبي وايقاع عقوبة الوقف عن العمل بحقه اذا تبين بأنه يقصد اعاقة سير العدالة ".
ويؤكد عبيدات: "نحن نطالب بعقد مؤتمر وطني من كافة أركان العدالة وشخصيات وطنية لغايات وضع رؤيا كاملة نستطيع من خلالها التوجه للسيد الرئيس بهذه الرؤية لنخرج بمخرجات وتوصيات تضع النقاط على الحروف, ومن خلال دراسة شاملة تضمن استقلالية كاملة وفعلية للسلطة القضائية بميزانية مستقلة, للنهوض بقضاء فاعل في فلسطين, وفي هذا الصدد قمنا في النقابة بتشكيل لجنة من 11 محاميا من اكبر المحامين لغايات اعداد خطة شاملة كاملة , ونتوقع الدعوة للمؤتمر قبل نهاية هذا العام ".
نسبة البت في قضايا الفساد الأعلى مقارنة بباقي الفئات
يعتبر موضوع الفصل في القضايا هو جوهر اللجوء للقضاء والمحاكم للبت فيما يختصم عليه المتخاصمون مهما كانت طبيعة القضية موضع البحث، لكن بشكل عام لم تتجاوز نسب الفصل حاجز الـ 50% باستثناء الفصل في حالات القتل التي بلغت 54% في عام 2018 مقارنة بباقي السنوات والفئات التي تضمنتها البيانات الرسمية، مع وجود بعض التفاوت في نسبة الفصل في القضايا بين فئة وأخرى ومن عام الى آخر وان كانت بمستويات غير كبيرة، الامر الذي يطرح تساؤلات مهمة عن الاسباب الكامنة خلف سرعة او بطء عملية الفصل، فهل لها علاقة بسهولة القضية؟ ام لها علاقة بحزم وجدية الفريق لانهاء القضية؟ ام لها أسباب أخرى.
الملفت للنظر أن نسبة البت والفصل على مستوى اجمالي القضايا ولمجموع السنوات من عام 2015 ولغاية عام 2020 أظهرت ان نسبة البت في قضايا الفساد كانت هي الاعلى مقارنة بباقي الفئات، مع اختلاف الحجم بطبيعة الحال، لكن هذا مؤشر مهم ينبغي التوقف امامه من قبل المعنيين على درجة اعلى من التعمق والتحليل والمقارنات لمؤشرات الاداء لكافة الفئات ومن مختلف الجوانب.
وبالنظر الى الاتجاه العام لنسب الفصل يتضح انها تتراجع في عام 2020 مقارنة بالاعوام السابقة في جميع الفئات التي تم توثيقها لاغراض هذا التحقيق، وكان التراجع الاكبر في الفصل في قضايا القتل، التي تراجعت نسبتها من 41% عام 2019 لتصل الى 7% في عام 2020، وشهدت باقي الفئات تراجعاً مشابهاً خلال نفس الفترة، مع الاشارة الى ان أفضل نسب سجلتها عملية الفصل والبت في مختلف القضايا كانت في عام 2018 و2019 الى حد ما.
وهنا كان لنا لقاء مع عمار دويك/ مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الانسان (ديوان المظالم) الذي أكد أن "هناك مشكلة حقيقة في بطء سير الدعوى سواء الحقوقية أو المدنية أو الدعوى الجزائية, تكمن الخطورة عند تأخر الدعوى الجزائية تحديدًا لأنها تتعلق بتهم خطيرة وتحتجز حرية المتهم وبالتالي يجب اعطاؤها اولوية وسرعة البت فيها, لدى الهيئة كشف طلبناه من الشرطة يحتوي على أسماء 140 متهما موجودين في السجون ومراكز التوقيف وتراوحت فترات توقيفهم بين مدة اقصاها 10 سنوات ومدة أدناها سنتان, وحتى الآن ما زالوا في طور المحاكمة وهم في السجن, وهم من المتهمين الذين يواجهون تهمًا خطيرة مثل القتل وتجارة المخدرات, لكن رغم ذلك فإن بطء تنفيذ اجراءات العدالة تجاههم يعني تأخير العدالة, ومن هنا نطالب دائما باتخاذ الاجراءات اللازمة لتسريع سير الدعوى, وعليه قمنا بمخاطبة مجلس القضاء الاعلى الانتقالي لطلب وضع ترتيبات تضمن سرعة البت في القضايا المتأخرة خاصة للموقوفين في السجون, لانهم عمليا يقضون فترة عقاب دون البت في قضاياهم, فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته لكن في هذه الحالة فإن المتهم يقضي العقوبة وقد يتجاوز الحد الاقصى للحكومة قبل صدور الحكم النهائي".
ويتابع دويك: "سبب بطء البت في القضايا سواء المدنية أو الحقوقية لها عدة أسباب, وأهمها قوانين الاجراءات بحكم قدمها واحتوائها على ثغرات تتيح للخصوم والمحامين استخدامها للمماطلة في سير الدعوى بشكل كبير, وهناك من المحامين من يستطيع أن يؤخر القضية 10 سنوات من خلال استخدام الدفاعات والطعونات التي تتيحها له القوانين الموجودة, وثانيا القوانين الحالية لا تتيح تطوير موضوع التبليغات بحيث تكون الكترونية او استخدام شركات خاصة في التبليغ, حيث تلعب طرق التبليغ التقليدية واجراءاتها البيروقراطية الحالية دورًا في تأخر البت في القضايا, ففي عام 2017 شكل الرئيس اللجنة الوطنية الرئاسية لإصلاح القضاء, وبصفتنا عضوا في هذه اللجنة عن الهيئة المستقلة, قدمنا لسيادة الرئيس تقريرًا يتضمن عددا من التوصيات بهدف تسريع البت في الدعاوى الجزائية والحقوقية، لكن للأسف المجلس الانتقالي الاعلى للقضاء لم يأخذ بها حتى الآن, هناك تقصير كبير من جانب المجلس الانتقالي فيما يخص تطوير عملية التبليغ التقليدية وتحويلها الى طرق عصرية تتوائم مع الوقت الحالي".
"وبهدف التخفيف من الضغط على المحاكم يمكن تشكيل ما يسمى محاكم "الوساطة" حيث تحال القضايا وبشكل الزامي لهذه المحكمة قبل رفعها للمحكمة المختصة, بهدف ايجاد حلول والجمع بين طرفي الدعوى ومحاولة ايجاد حل للقضية قبل دخولها الى مرحلة اجراءات التقاضي الطويلة, من خلال تخصيص غرفة لمحكمة الوساطة ويترأسها قاضي, فالتوقيف لدينا مفتوح عكس الدول الاخرى التي تتجاوز مدة التوقيف فيها أكثر من سنتين, وتتم محاكمة المتهم قبل انتهاء هذه الفترة, وبالتالي يمكن القول إن مشاكل القضاء الفلسطيني متأصلة وتاريخية قبل تشكيل المجلس الانتقالي الاعلى للقضاء, لكن للأسف المجلس لم يعطها الأولوية اللازمة"، يقول دويك.
وعن دور القضاء العشائري يؤكد دويك: "عندما يتحول القضاء العشائري لقضاء مواز للقضاء المدني ويقوم بإصدار أحكام تقيد حرية الاشخاص او تهدر دوم اشخاص أو تأمر بإجلاء عائلات هذا غير مقبول وضد فكرة وجود الدولة, ومن رأيي وجود القضاء العشائري هو أحد مظاهر فشل بناء الدولة, ولو كان لدينا قضاء فاعل وسيادة قانون فاعلة فان القضاء العشائري يجب أن يختفي".
مراجعة الاداء بوابة التطوير
المعطيات السابقة تطرق بوابة مهمة لقضايا تهم القضاء ومؤسساته وتنطوي على اهتمام كبير لقطاع من ذوي العلاقة ممثلين بأطراف القضايا، فهي تتعلق أولاً بقدرة القضاء والموارد اللازمة للبت بهذا الحجم من القضايا قيد النقاش والمداولات، ولعل وضع اطار زمني للبت في القضايا والفصل بين المتخاصمين يكون ممكناً لتعزيز كفاءة الاجراءات.
هذا الواقع دفعنا لنطرق أبواب كافة الجهات ذات العلاقة بموضوع القضاء والمحاكم والقضايا والمتأثرين، بهدف تقديم صورة تساهم في تعزيز تعاون كافة الجهات لخدمة النهضة القضائية والأداء الفعال للمحاكم، وزيادة ثقة الجمهور بدور ومؤسسات القضاء باعتبارها سلطة القانون وحامية البناء والامن والسلامة المجتمعية في كافة الظروف.
أخيرا ينبغي الاشارة الى ان نسبة التراكم للقضايا المدورة تفوق نسبة النمو في اجمالي عدد القضايا وفقًا للبيانات الرسمية كما يتضح من الجدول التالي،
البند القتل العمالية التأمين الفساد
نسبة تغير مجموع القضايا 2020 عن 2015 2% 19% 58% -29%
نسبة تغير القضايا المدورة 2020 عن 2015 39% 59% 93% 8%
تشير نسب التغير والمقارنة الواردة اعلاه الى نقطة مهمة ينبغي على المعنيين تداركها لما تحمله من مخاطر ودلالات على سير العمل في انهاء حالات النقاش والمدولات للقضايا المعمرة، ينبغي ان يكون الاتجاه الصاعد دومًا هو نسبة القضايا التي يتم الفصل فيها وفق أطر ومواعيد واجراءات وضوابط تحمي دور ومكانة سلطة القضاء.
مهمة تتطلب تكاتف كافة الجهات لتعزيز الاداء والدور والاحتكام للقانون والالتزام بنتائج القضاء النزيه، كوننا مجتمع يتوق للعدل والنزاهة والشفافية والحكم الرشيد، لانها بوابتنا لبناء دولة ومؤسسات قادرة على الحياة وقادرة على مواكبة التقدم والتطور وحماية حقوق الانسان.
مواضيع ذات صلة
الرضيع الذي دُفنت قدمه مع أمه
جنوب جنين... هوس احتلالي بالعنف والنيران
الاحتلال يمنع القيادي في مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا من السفر عبر معبر الكرامة
سفراء وقناصل يؤكدون من الخان الأحمر دعمهم للمقدسيين في مواجهة سياسات الاحتلال
مستوطنون يقطعون أشجار زيتون والاحتلال يقتحم دير أبو مشعل
الاحتلال يواصل اقتحام بير الباشا ويداهم عشرات المنازل
الاحتلال يخطر بوقف العمل والبناء في 6 منازل جنوب الخليل