عاجل

الرئيسية » ثقافة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 28 تشرين الأول 2015

دردشات سفر عربية على مائدة إسبانية

الحياة الجديدة- رحمة حجة- ساعتان من الانتظار وحدي على مقعد في "لوبي" فندق "يورو مدريد تَوَر". الجميع يمرّ عني صامتًا، والأفكار تتكاثف داخل رأسي، فتتوزع على باقي الجسد مشاعر وتعَب، ثم تنزلق من العينين دموعًا غزيرة لا شيء يوقفها، حتى استطاع موظف الاستقبال حل إشكالية التنسيق بين الجهة الراعية لمؤتمر "مسار للمساواة الجندرية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط" والفندق، الذي منعني الدخول إلى الغرفة المخصصة لي كوني لا أملك "فيزا كارد"، وعلى ما يبدو كنتُ "كبش الفداء" لأن كل من أتى بعدي من المشاركين والمشاركات لم تُطلب منه "الفيزا"، حسبما علمتُ لاحقًا.

وهكذا استقبلتني عاصمة الإسبان، في أولى زياراتي لها، الشيء الذي أحبَطني قليلًا لكن ذلك لم يدُم وقتًا أطول من نوم ثلاث ساعات، لأستعيد مجددًا شغفي باستكشاف ما يحيط بي من هذه البلاد التي كانت حلم مراهقتي وظلت إلى جانب إيطاليا وفرنسا، أمنيةً في البال.

ولأن في سفَر أيّ منا تجربة وربما حدث غريب أو قَدَرٌ جميل وحتى العكس،  كانت لي دردشاتٌ مع مشاركين ومشاركات في مؤتمر "مسار"، حدثوني عن اللافت في طيرانهم إلى إسبانيا.

حقائب تائهة

تفرد الصديقة الموريتانية التي تعمل في "اليونسكو" أثوابها التقليدية المعاصرة على سرير غرفتها في الفندق، بناء على طلبي، ومعظمها جديد، وكل ثوب مغلف بحقيبة شفافة تُظهر العديد من الألوان المتداخلة، كانت تستعدّ لارتدائها خلال فترة مكوثها في مدريد، لكن حقيبتها وصلت ليلة المغادرة! وكانت اشترت بعض الملابس بديلًا للأيام الفائتة.

وصديقتي واحدة من خمسة مشاركات موريتانيات فقدن حقائبهن في المطار، وكنّ سافرن بواسطة الطيران المغربي، وقالت إحداهن لي "هذه ليست المرة الأولى التي نواجه مشكلة مشابهة مع الطيران المغربي".

وتخبرني صديقتي أنها لا تملك حسابًا في موقع "فيسبوك"، كما أنها دائمة الانشغال، ولا تجد وقتًا لشراء الملابس، بالتالي تساعدها أختها في جلب أنواع الأقمشة والتصاميم لأثوابها، فتختار، ثم ترسلها للخياط.

أما الثوب التقليدي الموريتاني "غير المعاصر" فهو مكون من "الكسوة (اللباس الخارجي) والملحفة (الداخلي)" حسبما تخبرني الصديقة الموريتانية فاطمة القوري عمران، وهي موظفة في مكتبة جامعة نواكشوط.

وعانت الصديقات الموريتانيات جرّاء ضياع حقائبهن، حتى أنهن لم يزرن مدريد في أول يومين من المكوث فيها، لأنهن لا يستطعن تبديل ملابسهن، كما ظلت مشاعرهن وأعصابهن متوترة وفي حالة ترقب دائم لأي خبر عن الحقائب.

وفيما كانت فاطمة تغسل ثوبها الوحيد معها يوميًا وتنتظره حتى يجف لترتديه فجرًا للصلاة، كانت أيضًا قلقة لأن وجهة أخرى تنتظرها بعد إسبانيا، وهي فرنسا، كما الناشطة النسوية أمينة علي، التي ستسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية مباشرة بعد انتهاء المؤتمر.

 "الشك مُتعب"

ومن المشاركات والمتحدثات رسميًا في المؤتمر، كانت منى الشوا، وهي مديرة وحدة حقوق المرأة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان- غزة، وطريقها إلى إسبانيا: غزة- حاجز إيرز- الضفة- الجسر- عمّان- مدريد.

وعن تجربتها في السفر مع الوفد النسوي الغزّي إلى إسبانيا، تقول الشوا لــ"الحياة الجديدة": "لآخر لحظة كنا نشك أننا سنسافر لأننا أبلغنا أننا سنغادر فقط يوم الاثنين (5/9/2015) الساعة 12:00 ظهرًا، ثم تم تبليغنا بجهوزية التنسيق مع الجانب الإسرائيلي من أجل خروجنا وكان هذا بفضل الجهود الجبّارة التي بذلتها مؤسسة التعاون الإسباني والقنصلية الإسبانية".

وتتابع: "الرحلة كانت شاقة حتى وجدنا التنسيق جاهزًا، وانتظرنا وقتًا طويلًا لدى الجانب الإسرائيلي،  وبعدها وصلنا الضفة ثم مباشرة عمّان لنصلها 9:00 مساءً بينما موعد طائرتنا الساعة 7:00 صباح اليوم التالي، لنذهب إلى مطار الملكة علياء الساعة 4:00 فجرًا، وأصبنا بالإرهاق الشديد".

وعن الأصعب في مغادرة غزة، تقول الشوا إنه "الشك الدائم وعدم اليقين من السفر أساسًا" حيث المنع أكثر شيوعًا من المرور. وتضيف: "كل المسافرين في العالم يكونون على يقين أنهم سيسافرون بينما يحتل الشك المساحة الأكبر لدينا وهذا متعب نفسيًا".

 

"كوكتيل"

نمشي أربعتنا، أنا ومغربيتان وتونسية باتجاه "أمسية كوكتيل" في مطعم قريب من الفندق الذي نقيم فيه، فتقول مراسلة وكالة الأنباء الفرنسية في تونس، ألفة بالحسين، إن الغريب في رحلتها إلى إسبانيا، أن حجز طائرتهم كان "تونس-المغرب- لشبونة- مدريد" مستهجنة الأمر، سيّما أن لشبونة أبعد بكثير من مدريد، وكانت وصلت الأخيرة منتصف الليل، مضيفةً "السّفرة كانت طويلة جدًا ومُتعبة".

وفي الأمسية التقيتنا بزميل صحافي من الجزائر، هو جلال بن عبدالله، الذي أخبرنا أنه التقى مع حارس مرمى المنتخب الوطني الجزائري في المطار، ليذهب إليه ويلتقط صورة بجانبه.

واغتنم الفرصة ليوجّه تحية إلى الفلسطينيين عبر "الحياة الجديدة" مقتبسًا من الرئيس الجزائري الراحل هواري بو مدين قوله "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

كما التقينا بالمحرر الصحافي في صحيفة "اليوم السابع" عبداللطيف صبح، الذي أخبرنا بالمتاعب التي واجهها حين استصداره الأوراق الخاصة بالفيزا، وذهابه من مدينة لأخرى، خاصة أن زوجته تعبت في نفس الوقت، ليظل يومًا كاملًا مستيقظًا، ويأخذ بعدها قسطًا طويلًا من النوم، موجهًا كما جلال، تحيته للفلسطينيين وفلسطين، وأعرب لنا عن حبه وإيمانه بالقضية الفلسطينية بعيدًا عن كل من يحاول خلق شرخ بين الشعبين المصري والفلسطيني، خاصّة عبر بعض الشاشات المصرية.

وعلى طاولة الغداء في اليوم التالي نلتقي مع الشابة شريفة بيجة من المغرب، وهي مديرة جمعية "نساء رائدات"، لتحدثنا عن موقف حدث معها قبل السفر إلى إسبانيا: "نسيت حقيبتي الصغيرة الخاصة بالنقود في سيارة أبي حين أوصلني المطار".

أما في المطار، فكان أن بحثت شريفة عن الشخص الموكل باستقبالها من قبل المؤسسة الراعية لمؤتمر "مسار"، إذ توقعت أنه بانتظارها يحمل لافتة عليها اسمها، لكنها لم تجده، وحينها قامت هي بهذا الدور، فكتبت اسمها على ورقة، وأخذت تسأل المنتظرين حتى وجدته.