عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 05 أيار 2020

"ماس": الانكماش قد يتحول إلى كساد خطير في حالة استمرار الإغلاق

الباحث مسيف جميل: إعادة العمل بشكل كامل يمكن أن يؤدي إلى استمرار ظهور الفيروس وانهيار النظم الصحية وخسائر أكثر جسامة في الأرواح

*تراجع الإيرادات للحكومة العامة بحوالي 1,200 مليون دولار (22%) سيؤدي الى كارثة مالية

*الخسائر في عوائد العمال خلال شهري آذار ونيسان ما بين 190 مليون دولار و 210 ملايين دولار

 

رام الله – الحياة الاقتصادية - ابراهيم ابو كامش - يتوقع معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) ان العودة للعمل بشكل تدريجي وإعادة فتح المؤسسات بشكل كامل، يمكن أن يؤدي إلى استمرار ظهور الفيروس، مما قد يتسبب في انهيار النظم الصحية وخسائر اكثر جسامة في الأرواح، لذا فانه يرى انه لا مفر من اللجوء لسياسة الإغلاقات، لكن يجب أن تكون مصممة بحيث يكون العمل بها متاحا في أسرع وقت ممكن من لحظة ظهور حالات مصابة ضمن مستوى معين أو منطقة محددة، لكنه، يؤكد ان الاستمرار بسياسة الاغلاقات المشددة لفترة طويلة يتسبب بأضرار جسيمة للاقتصاد، حيث يمكن أن يؤدي الانكماش الاقتصادي الهائل والاغلاقات الممتدة لفترات طويلة إلى تفاقم الأوضاع الصحية للناس، إذ انها تعيق سلاسل الإمداد بالأغذية والأدوية، محذرا من تحول الانكماش الاقتصادي الى كساد خطير.

وبناء على ذلك، يؤكد "ماس" على ان هناك حاجة إلى ضمان وحدة تامة بين الصحة العامة والاقتصاد، في النماذج التقديرية الاقتصادية والوبائية، وعلى صعيد الخبراء من صناع السياسات وفي تصميم لسياسات، لكي تعكس استجابة وطنية ناجحة.

 

اعتبارات تتعلق بعودة الحياة للمؤسسات

وقال الباحث في معهد"ماس" مسيف جميل لـ "الحياة الجديدة ":"تعتمد عودة المؤسسات للعمل وعودة النشاط الاقتصادي على قدرة الحكومة على السيطرة على انتشار الفيروس، أي  ما يعرف بمبدأ تسطيح المنحنى، ويرى معظم الاقتصاديون أنه لا بد من تحمل الانكماش الاقتصادي الحاد كثمن لضمان السيطرة على انتشار الفيروس والحفاظ على الصحة العامة، في حين أن ما يعرف ب" مناعة القطيع" لغالبية افراد المجتمع (60%+) قد تكون نتيجة حتمية لعدم النجاح بالقضاء على الوباء، إلا أنها لا يمكن أن تكون أساس مقبول لاستراتيجية تكيف اقتصادية".

معايير وشروط صحية لعودة الحياه الاقتصادية

وقال جميل:"حتى تعتبر سياسة الإغلاقات فعالة، يجب أن ينخفض المنحنى الصاعد بشكل كبير: يجب أن تكون الأنظمة الصحية قادرة على التعامل مع تدفق الحالات المصابة لحين يتم إيجاد علاج أو لقاح، ويجب العمل على تعزيز امكانيات اجراء الفحوصات والتتبع والحجر الصحي، وإيجاد طرق للحفاظ على سلامة الفئات المهمشة، والعمل على إيجاد توازن بين الحاجة للحد من الأضرار الاقتصادية للأزمة الحالية والحاجة لاحتواء انتشار الفيروس والتعامل مع صحة الناس كأولوية، وهذا يعتمد على ضمان قوة نظم الرعاية الصحية أثناء فترات الإغلاق، وإعادة تشغيل بعض المؤسسات بشكل تدريجي".

ويطرح جميل سيناريوهان: الاول -  تنجح الحكومة في احتواء انتشار الفيروس خلال فترة الطوارئ الحالية ويتم رفع قيود الطوارئ تدريجيا عقب انتهائها، بنسبة 50% خلال الأسبوعين اللاحقين ومن ثم يتم رفعها كليا بعد ذلك، يستثنى من ذلك أنشطة خدمات الإقامة والفنادق، حيث تبقى متوقفة تماماً عن العمل حتى نهاية الربع الثالث من العام 2020. بينما تعمل أنشطة المطاعم وخدمات الطعام بإنتاجية تبلغ 50% خلال نفس الفترة، كما تستثنى المواصلات العامة من رفع قيود الحركة لشهر إضافي، بعد انتهاء فترة حالة الطوارئ.، وتنخفض أعداد العمال الفلسطينيين في (إسرائيل) من 133 ألف عامل (قبيل الجائحة) الى 45,000 عامل. ويستمر هذا الانخفاض مدة ثلاثة شهور، وينخفض إنفاق فلسطينيي الداخل على السلع المشتراة من أسواق الضفة الغربية بنسبة 25% في العام 2020.

اما السيناريو الثاني: فيتوقع فيه عدم ضبط انتشار الفيروس وتمديد العمل بإجراءات الطوارئ لشهر ونصف، وتستثنى من إجراءات الطوارئ نفس القطاعات الاقتصادية في السيناريو الأول، وان لا يتعدى عدد العاملين الفلسطينيين في (إسرائيل) 60 ألف عامل ويستمر هذا لمدة ثلاثة أشهر، وتنخفض نفقات الفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة عام 1948 في الضفة الغربية بنسبة 25% في العام 2020، ويتم رفع قيود الطوارئ، عقب انتهاء فترة تمديدها، بنسبة 50% خلال الشهر اللاحق ومن ثم ترفع بشكل كامل في الشهر الذي يليه.

قطاع المالية العامة والايرادات

ويؤكد مسيف تراجع قطاع المالية العامة والايرادات الذي يطال كافة القطاعات في فلسطين سواء كانت عامة أو خاصة، وقال:"تراجع الإيرادات للحكومة العامة بحوالي 1,200 مليون دولار (22%) سيؤدي الى كارثة مالية ما لم يتم تغطيتها من مصادر متنوعة وبخاصة المعونات الخارجية. واذا ما استمرت الجائحة سيصل هذا التراجع الى 40%، وعندها نكون في منطقة حرجة جداً تعكس آثارها على الاستهلاك والاستثمار والطلب العام، وصعوبة تنفيذ سياسات الموازنة الا عن طريق الاستدانة التي تؤدي الى زيادة الدين العام ونفقات سداد الدين وبالتالي تضخم النفقات في مجالات جديدة لم تكن في الحسبان".

قطاع المصارف

ويرلا جميل ان المخاطر تبقى مقبولة أو منخفضة لغاية أربعة شهور بسبب سياسة التحفظ الائتماني، ومع ذلك قال :"انه يمكن تقدير الأثار بارتفاع التسهيلات غير المنتظمة بنسبة 4% من اجمالي التسهيلات مقارنة بـ 2019، بسبب تراجع قطاعات السياحة والمواصلات، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وان انخفاض نسبة الفائدة يؤدي الى تقليل دخل المصارف وتقليل الربحية بسبب التكاليف الثابتة للمصارف،  وتراجع معدلات الادخار وزيادة الطلب على القروض الاستهلاكية، وانخفاض حصة تمويل التجارة، ارتفاع مخاطر قروض قطاع السياحة والمشاريع الصغيرة بسبب عدم القدرة على السداد".

واضاف مجميل مؤكدا:"بشكل عام لا يوجد مشكلة سيولة على المدى القصير، ولكن تراجع ايرادات الحكومة سيمس بالمحفظة الائتمانية كون الحكومة تستحوذ على 17.2% منها".

تأثير الكورونا على قطاع العمالة في اسرائيل

ويقدر جميل ، إجمالي الخسائر في عوائد العمال خلال شهري آذار ونيسان ما بين 190 مليون دولار و 210 مليون دولار، وقال:" خسر ما بين 70-80% من العمال الفلسطينيين في (إسرائيل) كامل عوائدهم أو جزء منها خلال شهري آذار ونيسان، وان تحويلاتهم شكلت حوالي 25% من إجمالي الأجور، وشكلت 14% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وقدرت بأكثر من 2 مليار دولار عام 2018 ".

ويرى انه لحل هذه الضائقة يجب توفير حوالي 200 مليون دولار شهرياً لتقديم مساعدات عاجلة للعمال، لذا فانه اقترح تأسيس صندوق خاص لدعم العمال، وتمكين المحتاجين من برنامج وزارة التنمية الاجتماعية.

تأثير الكورونا على البطالة الضفة الغربية

وان كان جميل يؤكد ان البطالة المرتفعة موجودة قبل الكورونا، ولكنه اضاف اليها فئتين جديدتين وهما: العاملين الموقوفين عن العمل لحين انتهاء الأزمة، والعاملين الذين تم تسريحهم، ومن هنا قال:"تبرز اشكاليات جديدة في سوق العمل الفلسطيني".

تأثير الكورونا على قطاع الصناعة

ويؤكد جميل، ان القيمة المضافة لكافة أنشطة الصناعة ستنخفض بمقدار 408 مليون دولار، بالتالي ستنخفض نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي الى نحو 13%.

وقال:"ان نشاط الصناعة التحويلية هو الاكثر تضرراً، والحد من الحركة سيخفف من عدد العمال، ومن ساعات العمل، بالتالي سينخفض الانتاج والقيمة المضافة، وستنخفض القيمة المضافة فيه بنسبة 19.9%، أي ما يعادل 360.9 مليون دولار".

واضاف أما النشاط الثاني الأكثر تضررا فهو التعدين واستغلال المحاجر، مؤكدا انه سوف يشهد انخفاضا بالقيمة المضافة بنسبة 23.8% (ما يعادل 18.2 مليون دولار) ستنخفض القيمة المضافة لأنشطة امدادات الكهرباء والمياه.

وتابع:"على الرغم من عدم حصول تراجع في انتاجيتها، ويعود السبب في ذلك الى تراجع الطلب الإجمالي وانخفاض مستوى الدخل لدى الأسر نتيجة توقف النشاطات الاقتصادية، بالإضافة الى علاقة هذه الانشطة بالأنشطة الاقتصادية الاخرى والتي ستشهد تراجعا".

قطاع التجارة (الداخلية) والخدمات

واشار جميل الى ان قطاع التجارة (الداخلية) والخدمات شكل ثلث الاقتصاد الفلسطيني في العام 2019، بنسبة 34.3% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. ويستحوذ على 71% من إجمالي المنشآت في فلسطين. وتشغل 247 ألف عامل في فلسطين. ويتكون من :تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات والدراجات النارية ويساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 21.4% والنقل والتخزين ويساهم 1.6%، والمعلومات والاتصالات 3.1%، وأنشطة خدمات الإقامة والطعام 1.5%، والأنشطة العقارية والإيجارية 4.4%، وأنشطة الفنون والترفيه والتسلية 0.5%، وأنشطة الخدمات الأخرى كأنشطة الأحزاب، والنقابات، والاتحادات، وأنشطة الخدمات الشخصية، وإصلاح الإلكترونيات 1.7%.

وقال:"تتأثر هذه القطاعات الفرعية بنسبة تتراوح ما بين 12% - 15% كحد أدنى ، وتضاعف هذا التأثير في حال استمرار الأزمة ثلاثة اشهر إضافية، مع الأخذ بالاعتبار التراجع الكبير لقطاع السياحة". مؤكدا ان هذا يستدعي إعطاء قطاع السياحة أولوية في وضع سياسات منقذه له.

القطاع الاجتماعي

ويرى جميل ان هذا القطاع يعاني من مشكلة مزمنة ما قبل الأزمة، تمثلت في 107 أسرة فقيرة تلقى مساعدات رسمية، وضياع جزء من حقوق العاملين، ارتفاع شريحة الحد الأنى للأجور، ارتفاع نسبة البطالة لذوي الدخل المحدود والفئات المهمشة، 72% يعملون بدون عقود مكتوبة.

وقال:"خلال الأزمة، 11% من العاملين (224 الف) يعملون في قطاعات تم اغلاقها تماما. زاد عدد الأسر التي تتلقى اعانات رسمية 10000 اسرة، مع العلم أن عدد الأسر الفقيرة جدا 350 الف اسرة، والعدد مرشح للزيادة المستمرة".

قطاع الصحة والتعليم

ويؤكد جميل ان أعدادا الاطباء في التخصصات المختلفة ذات العلاقة بهذا الوباء ينخفض لكل 100,000 نسمة في فلسطين مقارنة بدول أخرى. وقال:"تبرز تداعيات هذا النقص في الاحتمالية الكبيرة لضعف التعامل مع الحالات المرضية المصابة بهذا الفيروس في حال تفشيه في فلسطين. العديد من الدول المتقدمة تتفوق على فلسطين في نسبة عدد الكادر الطبي للسكان، والبنية التحتية والمعدات الطبية ومستلزماتها إلا انها واجهت ضائقة كبيرة في احتواء الفيروس ومعالجة الحالات الحرجة بعد تفشيه فيها".

واشار الى ان أكثر من 70% من الانفاق على قطاع الصحة يأتي من الحكومة المركزية، وتراجع إيرادات الحكومة يزيد من ضعف قطاع الصحة، مؤكدا ان هذا الوضع بحاجة الى إعادة صياغة المنظومة الصحية بكافة مكوناتها. والأهم انه بحاجة الى العديد من التدخلات والأفكار الجديدة. والتخطيط والتنسيق، وعمل سياسة متوازنة لعلاج الأمراض الأخرى بالتزامن مع علاج فايروس الكورونا.

وبالنسبة للتعليم، قال جميل:"انه واجه عبء تحمل التكاليف الثابتة بسبب شل جزء كبير من المسيرة الأكاديمية، وكذلك اغلاق باب التوظيف، وعدم القدرة على دفع الرواتب. ايتطلمر الذي يتطلب دراسة معمقة لهذا القطاع لمعرفة سبل الخروج من هذه الأزمات واقتراح سياسات عاجلة للحد من هذه المشكلة.