طلبة متعافون من كورونا.. رحلة المرض في الغربة إلى الشفاء في حضن الوطن
عبير البرغوثي

الإصابة بكورونا عبارة عن لحظة، تتغير فيها الأيام وطعم الحياة، لحظة تأخذ من وقع فيها لنفق محفوف بالمخاطر والمجهول لما تخبئه محطات الطريق، وخلال هذه الأزمة من الوباء الفيروسي لم يسلم الكبار ولا الصغار من أنياب (كوفيد -19)، ولم يسلم العمال أو الطلاب أو رجال الأعمال، لم تكن محطات الإصابة في مكان الإقامة أو الدراسة أو العمل فقط، بل كان أخطرها في طريق العودة لأرض الوطن للبحث عن ملاذ آمن بين الأهل والاحبة، وإذ بفيروس كورونا يغير الخطط والاتجاهات، فبدل الاستقبال الدافئ من الأهل كانت الوجهة إلى سرير في الحجر الصحي أو المنزلي، هذه كانت بداية رحلة مجموعة من طلبة فلسطين العائدين إلى أرض الوطن بعد تفشي الفيروس في الدول التي يدرسون فيها ومن الذين قدر لهم الإصابة بهذا الفيروس خلال رحلة العودة وكتب لهم الانتصار عليه ليعبروا ذلك النفق بأقل الأضرار.
مجموعة من الطلبة فرضت عليهم الظروف العودة إلى أرض الوطن بسبب إجراءات وظروف في أماكن دراستهم في الخارج، ألزمتهم بالعودة إلى ديارهم، لكن طريق العودة كانت تحمل لهم المفاجآت، قضوا أياماً في مواجهة الإصابة التي تعرضوا لها في محطة ما على طريق العودة، أيام من الصراع مع الفيروس من المسافة صفر بكل ما في الكلمة من معنى، وبصبرهم وتعاونهم ووعيهم والتزامهم وجهود الكادر الطبي في مراكز الحجر الصحية الفلسطينية تمكنوا من هزيمة الفيروس ليلتقوا أحباءهم وحياتهم من جديد.
تجربة مهمة تعلموا منها الكثير، وهي فرصة لنا لنقرأ ونتعلم منها، نتعرف فيها على جوانب عايشها هؤلاء الطلبة لحظة بلحظة، وهي تجربة مهمة لنا ولعائلاتنا ولمؤسساتنا لانها تكشف جوانب مهمة قد نستخلص منها دروساً في مختلف المجالات.
"الحياة الجديدة" سلطت الضوء على هذه الجزئية والمزيد في التقرير التالي أدناه:
سبب الاصابة مجهول
معرفة مكان الاصابة وطريقة حدوث الاصابة تشكل نصف الطريق للمعرفة والمواجهة واتخاذ الاجراءات، وحول هذا الجانب تقول الطالبة (صفاء) "كانت الاصابة مجهولة المصدر ويبدو أنني التقطت العدوى خلال رحلة عودتي من لندن الى فلسطين، وعندما وصلت الى معبر الكرامة تم فحصي بحكم أنني قادمة من بريطانيا، وكانت النتيجة للأسف ايجابية"، فيما أشارت الطالبة (دينا) الى التقاطها للفيروس من خلال أحد أفراد الأسرة رغم المعرفة المسبقة بإصابته واتخاذ الإجراءات، الا انها على ما يبدو لم تكن كافية بحكم المعرفة الاولية في بداية هذا الوباء، فيما تشير الطالبة (تيا) الى التقاطها للفيروس من مصدر مجهول وقد يكون في الغالب من المطار خلال رحلة العودة من باريس الى فلسطين، والملفت للنظر في تجربة (تيا) في مطار شارل ديغول الفرنسي قيام السلطات هناك بمصادرة أدوات الوقاية من الكمامات والقفازات والمعقمات ولم يكن التعامل جديا مع خطورة المرض، وهذا قد يكون سهل الإصابة وانتشار الفيروس هناك. فيما رجح الطالب (بلال) إصابته بالفيروس في الولايات المتحدة الاميركية داخل الحرم الجامعي في ولاية ماسشوستس وهي خامس أعلى ولاية أميركية بعدد الإصابات وربما في طريق العودة بسبب التنقل في أكثر من مطار وفي ثلاث مدن موبوءة وهي بوسطن واسطنبول وتل أبيب، فيما أشار الطالب (لطفي) لعدم معرفته ايضا بكيفية الإصابة وقد تكون من الجامعة التي يدرس فيها في أميركا، والملفت للنظر ان الجامعة كما يشير (لطفي) طلبت من جميع الطلبة العودة الى بيوتهم وبلدانهم حتى لا تتحمل مسؤولية العلاج والمتابعة الأمر الذي ترك الطلاب في مواجهة الأزمة في ذروة مخاطرها الأولى، ومع إجراء الوقاية الذي قامت به الأسرة لابنهم لطفي وشقيقته العائدة معه إلا أن ذلك لم يمنع اصابتهم بالفيروس.
فقدان حاستي الشم والتذوق قاسم مشترك
"المفاجأة والخوف من المجهول والمخاطر التي صاحبت الصورة العامة عن الإصابة، صحيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا تشكل التهديد الأبرز عندما يبلغك الطبيب (عفواً النتيجة إيجابية)، قد لا تكون الأعراض المرضية مباشرة وواضحة خلال الأيام الأولى، ولكن الاثر النفسي هو الاكثر سيطرة، والخوف من المجهول أيضا" يقول الطلبة الناجون، وحسب تجربتهم القريبة، الاعراض الجدية بدأت بالظهور بعد 5 أيام من تأكد الاصابة والاقامة في مركز الحجر الصحي، أعراض الهزال العام، تبدأ بالسعال الشديد وثقل في الصدر وصعوبة في التنفس، وعدم استقرار درجات الحرارة، وصعوبة تناول ومرور الطعام في الحلق، والاعراض الاشد صعوبة وغرابة تمثلت في فقدان حاستي الشم والتذوق وهو العارض الذي كان القاسم المشترك بين هذه المجموعة، وللأسف ما زال البعض منهم يعاني منها حتى بعد التعافي ويتلقى العلاج لاسترجاع حاستي الشم والتذوق.
ويشير الطلبة في تجربتهم وشعورهم بالأعراض الاولى، الى تواصلهم مع الجهات الصحية المسؤولة كل حسب منطقته، التي لم تتوان بالقدوم مباشرة وإجراء الفحص الخاص بكورونا وفق الاجراءات المعلنة في فلسطين وبمجرد ظهور النتائج تم نقل المصابين منهم الى المراكز الصحية الخاصة بالحجر الصحي ومتابعة العلاج، الامر الذي كان له الاثر الايجابي لنجاح فترة العلاج وعدم تفاقم الحالة الصحية، وهذه من الدروس المهمة لسرعة التجاوب في الازمات، لأن الوقت مهم لمباشرة اجراءات العلاج قبل استقواء الفيروس وتمكنه من جسم المصاب.
فقدان حاستي الشم والتذوق ملاحظة جديرة بالاهتمام دفعتنا لتوجيه سؤال بهذا الخصوص للدكتور ربيع عدوان اختصاصي الامراض المعدية والسارية. الذي أوضح أنه لا يزال يتعين إجراء دراسات قوية عن العلاقة بين الفيروس وفقدان حاستي الشم والتذوق، وقد يكون ذلك من ضمن اعراض الاصابة بالفيروس لكن ليس من ضمن المعايير لتشخيص الاصابة، مضيفا "أن واحدا من الاسباب الرئيسية لفقدان حاستي الشم والتذوق هو التهابات الجهاز التنفسي العلوي بسبب الفيروسات مثل نزلات البرد والانفلونزا، ولكن فقدانها خلال جائحة فيروس "كورونا"، تدفعنا للتساؤل: الى متى ستستمر هذه الاعراض؟ وهل هي دائمة؟، لغاية الآن الجواب غير معروف، وقد يستغرق استعادة حاستي الشم والتذوق أياما وربما أسابيع و أحيانا شهورا أو العديد من الاعوام في حالات نادرة"، موضحا أن هذه الظاهرة قد ترافق الرشوحات والالتهابات الفيروسية وقد يكون السبب مهاجمة الفيروس لخلايا الشم في الانف ما يؤثر على حاستي الشم والتذوق في الوقت نفسه.
تقبل العلاج بجدية،، بوابة النجاة
الالتزام بالبرنامج الطبي واليومي الذي قدمته مراكز الحجر الصحية الفلسطينية، وروح المقاومة والتشجيع من الاهل، كانت من العوامل المهمة لتجاوز اللحظات الصعبة في معركة الانتصار على الفيروس، يقول الطلبة ولا مجال للاستهانة أو الاستهتار، فأي خطأ سيكون ثمنه عالياً وقاسياً، الروح الايجابية والثقة بالخدمات الطبية والصبر هي سلاح المقاومة في هذه اللحظات مهما كانت الامور صعبة في بداياتها، الى جانب العناية العلاجية الحثيثة التي يتلقاها المصابون في الحجر الصحي من تلقي الجرعات المطلوبة من الفيتامينات، مواد تقوية الحلق والبلعوم بالغرغرة، والتبخيرة للمساعدة على التنفس، الى جانب فحوص الدم وتصوير الاشعة المنتظم للتأكد من السلامة الشاملة لكافة اعضائنا الداخلية.
ويجمع الطلبة المتعافون على أنه كان للطواقم الطبية في مراكز الحجر الصحية الفلسطينية دور مهم لزيادة مناعتنا النفسية حتى لا نصاب بالاكتئاب، وتوفير أجواء الدراسة والاطلاع والتواصل مع التزاماتنا الاكاديمية والاجتماعية ومواصلة دراستنا بما هو ممكن، الى جانب برنامج تقوية القدرة الجسدية التي ينظمها المركز والتعرض للشمس بصورة مدروسة، كلها ساهمت في عبورنا بأمان الى مرحلة جديدة وتجاوز اللحظات الحرجة، والوصول الى هذه النقطة التي نتحدث فيها عن تجربة حية للتغلب على (كوفيد -19) بأيد فلسطينية وبروح فلسطينية تعشق الحياة".
من الحجر الصحي إلى الحجر المنزلي لضمان الشفاء
كان يوماً ليس كمثله يوم، إنه أشبه بالعودة للحياة مرة أخرى، الخروج من نفق المجهول والخوف لفتح صفحة جديدة من حياة جديدة بعد تجربة قاسية بكل المقاييس، لا يوجد ما يدعو للقلق بعد الاصابة والشفاء، فالاصابة حدثت وليست وصمة جسدية أو نفسية أو اجتماعية، هي تجربة صعبة بلا شكك ولكنها قد تحدث في اي لحظة ولأي كان، لكن المهم التعلم والاستفادة وتجنب خسارة الحياة لأسباب قد نكون قادرين على تجنبها بالوعي والجدية وعدم التهاون، يقول أحدهم: "خرجنا من المستشفى بعد التأكد 100% من خلونا من المرض وتم اخضاعنا للفحص ثلاث مرات دقيقة بين كل فحص والآخر 48 ساعة، والتأكد من أن النتيجة سلبية وفق الاجراءات الطبية المعتمدة، كانت شهادة لاعادة ممارسة الحياة ولكن بروح وحرص وجدية أكثر مما سبق".
غادر المتعافون المستشفى بعد نحو 3 أسابيع الى مرحلة الحجر المنزلي للتحقق من السلامة النهائية، وعدم نقل بقايا الفيروس لمحيطهم الاجتماعي هي مسؤولية لا تقل أهمية عن مرحلة العلاج السابقة، فهذه 14 يومًاً من الحجر المنزلي وعدم الاختلاط وفحص الحرارة بشكل منتظم وتناول الطعام الصحي لتعزيز المناعة ولتحقيق الانتصار النهائي على الفيروس وحماية اهليهم ومجتمعهم، "وهذه مسؤولية فردية علينا كناجين لتجنب الوقوع في الاهمال او الاستهانة ونتسبب بالضرر لمن يحيط بنا دون قصد" يتفقون على ذلك.
الشفاء من الفيروس دروس وعبر للمستقبل
"تجربتنا لم تكن نزهة، ففي لحظات تشعر بقرب الموت وانت لا تقوى على التنفس ويعتصر جسدك الألم، ليست مجرد نزلة برد، انها محاولة للفتك بجهازك التنفسي كاملاً، لقد كانت بوابة الإصابة الاستهانة او عدم اتخاذ اجراءات الوقاية والحذر بالصورة العالية، ربما لجهل بهذا التهديد، وربما دون قصد، لكن للمستقبل ننصح كل من يقرأ عن تجربتنا بعدم الاستهتار، والاصعب اذا تسبب المصاب في اصابة غيره ولم تسعفه كل المحاولات وفقد الحياة، لذلك فإن حماية النفس مسؤولية رئيسية لحماية المجتمع وهذه مسؤوليتنا جميعاً، قبل وخلال وبعد الاصابة والشفاء" نصيحة قدمها الطلبة المتعافون من المرض". هكذا وصف المتعاون تجربتهم.
الانتصار النفسي على الفيروس هو الرافعة الاساسية للنجاة، فكما تقول احدى الطالبات: "تعلمت درسًاً مهمًّاً من تجربة الاصابة والعلاج والشفاء، فربما أكون المصاب رقم صفر في بداية تفشي هذا الوباء الفيروسي في فلسطين ولم يكن هناك تقبل من المجتمع للشخص المصاب، لكن علينا رفع رسالة التوعية لانها سلاحنا لحماية أرواحنا وأهلنا ووطننا، علينا تحويل السوشيال ميديا لخدمة غاياتنا وأهدافنا المجتمعية النبيلة خاصة في هذه المحنة، وهذا ما قمت به خلال فترة اصابتي وعلاجي".
في لقاءاتنا مع الطلبة الناجين أكدوا من خلال تجربتهم أن العلاج المنزلي ممكن، خاصة اذا توفرت المعرفة بالاجراءات اللازمة وكانت الحالات غير صعبة ومن السهل السيطرة على الاعراض، وهذه من الجوانب المهمة للتوعية في المستقبل كما يشير الناجون، سواء لتعزيز المعرفة المجتمعية الصحية او تخفيف الأعباء والتكاليف عن المراكز الصحية واعطائها الوقت للتركيز على الحالات الصعبة.
أجمع الطلبون الناجون من الفيروس على أن لحظة الخروج من الحجر الصحي فرحة لامحدودة وكأنهم ولدوا من جديد، مستذكرين جهود الطواقم الطبية ودعمها لهم، منذ يوم دخولهم الحجر الصحي حتى مغادرتها، دخلنا مصابين بالفيروس وخرجنا قامات منتصبة تنظر الى المستقبل بكل أمل وترفع أيديها شكرًا لله وتقديرًا لمؤسستنا الطبية وفي الوقت نفسه تستمر دعواتنا لباقي الاصدقاء المرضى الذين ما زالو قيد العلاج فلهم السلامة والشفاء ولشعبنا ان يتجاوز هذه المحنة منتصرًاً كما هي عادة هذا الشعب العظيم.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء بعد 78 على النكبة: عدد الفلسطينيين 15.5 مليون في العالم
فتوح يرحب بقرار أوروبي فرض عقوبات على منظمات استعمارية داعمة للاستيطان
شهداء وجرحى في تواصل عدوان الاحتلال على جنوب لبنان
مستعمرون يرفعون أعلام الاحتلال على مداخل شمال رام الله
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
الاحتلال يهدم عشرات المنشآت التجارية والصناعية في العيزرية