عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 05 نيسان 2020

ارطاس.. من يوميات قرية محجورة

بيت لحم- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- انتظرني رمزي أبو صوي، على المدخل الشرقي لقرية ارطاس، جنوب بيت لحم، ثاني قرية فلسطينية عزلت بعد قرية شقبا.

أُغلق الشارع الذي يفصل مخيم الدهيشة، عن ارطاس، بالصخور، مثلما حدث مع جميع مداخل القرية، مررت من بين الصخور، لأصل أبو صوي.

يتحرك أبو صوي، وزملاؤه في لجنة الطوارئ داخل محل قدمه أبو صوي لتستخدمه اللجنة، وهو واحد من عدة مراكز في القرية تستخدمها اللجنة، التي تضم 12 عضوا، إضافة إلى أكثر من عشرين متطوعا.

قُدمت هذه المراكز مجانا للجنة، وهي أحد مظاهر التكافل الاجتماعي المتصاعد في القرية، بعد ظهور إصابات بفيروس كورونا فيها، وتشكل المبادرات الفردية، التي تلقى تقديرا بالغا من الأهالي، عدوى ايجابية للآخرين، وكأنها رد، غير مباشر على عدوى الفيروس الذي عزلت وأغلقت القرية بسببه.

يقول الدكتور زيدان أسعد، أحد المتطوعين: "جعلتنا الجائحة، نعيد اكتشاف أنفسنا، نحن نكاد لا نصدق أن كل هذه المبادرات التطوعية، والمجانية، يقدمها ناسنا"، بينما يؤكد أبو صوي: "مظاهر التكافل الاجتماعي في قريتنا عديدة، تحاول العائلات الاطمئنان على بعضها وتقديم المساعدة، هناك جيران، عبأوا جرار غاز لجيرانهم، وشحنوا كروت الكهرباء لهم، وهناك من يطبخ للعائلات المحجورة، نستلم هذا الطعام، ونتولى نحن في لجنة الطوارئ إيصاله، خاصة إلى العائلات المحجورة التي لا يوجد بينها نساء".

شعر أبو صوي، ورفاقه في لجنة الطورائ، بعد الإعلان عن ظهور الإصابات في القرية، بأن المهمة العاجلة، هي حماية مدينة بيت لحم، ومخيم الدهيشة، خصوصا المخيم، الذي يصفه خطا أحمر يجب حمايته صحيا.

يقول أبو صوي: "يمكن السيطرة على انتشار الفيروس، في المدن والقرى، ولكن في المخيم، إذا تفشى، سيكون من الصعب جدا السيطرة عليه، وكان لدينا وعي بحماية المخيم، حتى قبل قريتنا".

تشكلت لجنة الطوارئ في ارطاس، كما يقول رمزي، منذ بداية أزمة فيروس الكورونا في بيت لحم، أي قبل نحو شهر، وأسست عيادة محلية، مُولت ذاتيا وبتبرعات من صيدليات ومواطنين وأطباء، ثم أخذ عمل اللجنة زخما، مع الإعلان عن اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس في القرية، ويبلغ عدد الحالات الآن ست حالات مؤكدة محجورة في المركز العلاجي في بيت لحم، وحالتين محجورتين في القرية، في انتظار نتائج فحص جديدة.

يشرح أبو صوي عمل لجنة الطوارئ: "أعضاء اللجنة والمتطوعون، وزعوا على عدة لجان، هناك من يرابط على المدخل الغربي المغلق قرب برك سليمان، حيث يستقبلون العمال العائدين، حتى وصول لجنة التعقيم، إضافة إلى لجنة حركة السيارات والمونة، التي تتعامل مع الأجهزة الأمنية على الحاجز الشرقي، لدينا ست سيارات، بسائقيها المتطوعين، الذين يمونوها بالوقود من مالهم الخاص، يلفون على الناس، يسجلون الطلبات، ويخرجون إلى بيت لحم، ليلبوا الاحتياجات، يوميا نحضر خضارا وأدوية وغير ذلك من احتياجات المواطنين، وتطلع لجنة الأمن بدور مهم، خصوصا في الليل".

وحول مرجعية لجنة الطوارئ، وإذا ما كانت عضويتها تقتصر على حركة فتح، يجيب أبو صوي: "لا مرجعية لنا، نحن نعمل ذاتيا، والأعضاء من حركة فتح، والمجلس القروي، ومركز التراث، شعارنا أن كل كادر لديه ما يقدمه، مرحب به، بغض النظر عن ميوله السياسية والفكرية".

استعد أبو صوي، وزميله فراس أسعد، للبدء في جولة في القرية، ولمرافقتهما، زوداني بكفوف، وكمامة، بينما هما ارتديا زيا معقما كاملا، إضافة إلى غطاء رأس بلاستيكي مقوى.

يقول أبو صوي، وهو فنان تشكيلي، يمارس عمله في مرسمه الخاص في القرية، بان الغطاء البلاستيكي، صمم وأنجز محليا، بمساعدة الممرض خليل سند، الذي قدم خبرته، بينما ساهم أبو صوي بمهاراته التقنية.

وأنتج هذا الغطاء في اليوم الثاني لخضوع القرية للحجر، بعد أن وحد أعضاء اللجنة أنفسهم مطالبين بالتعامل المباشر مع المصابين.

ويضيف: "صنعنا 16 نسخة من غطاء الرأس للفريق الذي يزور يوميا العائلات المحجورة، ويخضع الغطاء للتعقيم الدائم".

وفي منتصف القرية، نزل أبو صوي، وزميله أسعد من السيارة، ونزلت معهما ليزودا أحد المنازل المحجورة بالطعام، رش أسعد محيط المنزل، بآلة التعقيم، واخرجوا ربطات خبز ومواد غذائية، ووضعوها أمام الباب.

سألت إذا كان الطعام الذي يقدم للمحجورين كافيا، ومن أين يأتي؟ أجاب أبو صوي: "يفترض انه كاف، أحيانا يساهم الأهالي، وفي أحيان أخرى، يساهم أفراد من ارطاس يعيشون خارجها، إضافة إلى تبرعات من المخابز".

يروي أبو صوي: "شكا المحجورون من عدم وجود مياه لديهم للاستحمام، أو الغسل، أو للشرب، اكتشفنا أن الأنبوب الذي يدخل الماء إلى الخزانات مثقوب، تواصلنا مع الدفاع المدني، فأبلغونا، بأن الصهاريج لديهم فيها بقايا كلور، وانه من الصعب أن يجلبوا فيها مياها صالحة للشرب. تواصلنا مع أكثر من جهة لتصلح الأنبوب، ولكن لم يستجب أحد، فتطوعت وفراس، وشخص ثالث، لنغامر ونقصد المكان، لإصلاح الماسورة، والقيام بالتعقيم".

يبلغ عدد المحجورين في ارطاس، نحو 100 شخص، موزعين على نحو 20 منزلا، تقدم لجنة الطوارئ لهم الخدمة ثلاث مرات يوميا. في الصباح يأتي المتطوعون إلى المنازل لتسجيل الاحتياجات، وفي المرة الثانية يجلبون الطلبات، وينفذون التعقيم، وفي المرة الثالثة يجلسون مع الأهالي لتقديم الدعم النفسي.

يقول أبو صوي: "نواسي المحجورين، نأخذ مسافة آمنة، لم تخبرنا أية جهة طبية ماذا علينا إن نفعل، نحن طورنا خبرتنا".

ونحن في الشارع، رأيت رجلا صاعدا من الأسفل، يغطي رأسه، ويعقم أطراف الشارع والزوايا، بماكينة رش تصدر صوتا مرتفعا، قال أبو صوي ان الرجل وهو فلاح يعمل في أرضه في القرية، يستخدم أداة الرش الخاصة به، في عملية التعقيم، كجهد تطوعي، دون أن يطلب منه أحد ذلك، ويفعل ذلك يوميا.

وفجأة برزت حافلة صغيرة من أسفل الشارع، فاستغربت أن تكون حركة المواصلات تعمل في القرية، رغم إجراءات العزل، ولكن أبا صوي شرح الموقف: "إنه أحد الفلاحين، الذي يعمل في أرضه ويجلب من منتجاته، ويوزع على الأسر المحجورة".

بينما كان أبو صوي وزميله فراس أسعد، ينجزان مهمتهما مع العائلة المحجورة، تقدم مني أحد المواطنين، ليشيد بعمل لجنة الطوارئ، وتحدث محمود محمد أبو صوي، عن جانب يتعلق به: "اشتد الطلق على زوجتي الحامل، فاتصلت بلجنة الطوارئ، ذهبنا إلى مشفى الحسين في بيت جالا، حيث أجريت عملية قيصرية لزوجتي وجاءت إلى الدنيا ابنة لي سميناها شام، وبعد أيام، ساعدتني اللجنة بإيصال زوجتي إلى المشفى لإزالة قطب العملية، الجميع تعاون معي، هنا أو في المشفى".

يوجد في القرية، دير سيدة الجنة المقفلة، يتعاون مع لجنة الطوارئ منذ بداية الأزمة، يقول أبو صوي: "نتواصل مع رئيسة الدير الراهبة روز بشكل دائم، عقمنا الدير أكثر من مرة، كان لدى الدير أيضا عيادة تستقبل الناس، في الدير سبع راهبات، نتابع أوضاعهن".

ويعلي أبو صوي من دور المرأة في ارطاس: "ليس للمرأة في قريتنا دور ميداني ولكنه معلوماتي وتوعوي، من خلال النساء نعلم عن أكثر الحالات احتياجا في قريتنا، وتنشر المتطوعات الوعي بالفيروس ومخاطره".

لا يوجد في القرية الآن أي طبيب سوى طبيب الأسنان زيدان أسعد، وهو متطوع لخدمة القرية، والعيادة التي افتتحتها لجنة الطوارئ، التي عملت بجهود متطوعين ووفرت الأدوية مجانا للمراجعين أغلقت، بعد اكتشاف أن مخالطا زارها.

يقول أبو صوي: "لم يصل أي طبيب إلى القرية لعيادة العائلات المحجورة، نتابع الحالات عبر الهاتف، مع طبيب من قريتنا موجود في المركز العلاجي، المفروض أن مديرية الصحة ترسل لنا طبيبا من قسم الطب الوقائي، ليزور العائلات المحجورة، لمتابعتها، ومعرفة إذا كانت ظهرت عليها أعراض".

ويضيف: "شبابنا يعملون أمنا، وطبا، ووقاية، وتنظيفا، وشؤونا اجتماعية، لقد طورنا أنفسنا، لم أكن أتوقع أننا كان يمكن أن نفعل ما نفعله".

تعقم لجنة الطوارئ يوميا القرية، يقول أبو صوي: "نعقم الأسطح الخارجية بالكلور أو الديتول، أما داخل البيوت فنستخدم المادة المعقمة المقررة من قبل وزارة الصحة، لم تزودنا أية جهة بها، وإنما نحن نشتريها".