عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 09 كانون الأول 2018

حلى عشتار تجوب فلسطين

حياة وسوق-  أسامة العيسة- الفسيفساء هي القطع المكعبة الصغيرة التي استخدمت في أرضيات الكنائس والمباني وفي الفنون المختلفة خصوصًا في العصر البيزنطي، وتطورت لاحقا، ولكن هذه القطع الصغيرة يمكن أن يوجد أصغر منها بكثير، لاستخدامها في صناعة الحلى المستوحاة من الفنون الفسيفسائية التي انتشرت في فلسطين خلال عدة عهود، وهو ما تتطلع به ذكريات قرابصة ومحمود رباح.
درست ذكريات، الفنون الجميلة في جامعة القدس ومارست الفن التشكيلي، خاصة فن الفسيفساء الدقيقة المعاصرة على المجوهرات، وتشارك زميلها محمود رباح في إنتاج الحلي والمجوهرات المصنوعة يدويًا من الفسيفساء الدقيقة والفضة.
درس محمود درس علم الآثار في جامعة القدس، وهو مهتم بدراسة تاريخ الفن القديم، وهو يشارك زميلته ذكريات في معرض للمنتجات التي صنعاها الذي تنقل بين مدن فلسطينية بعنوان (عشتار).
قالت ذكريات ومحمود: "يحتوي المعرض على مجموعة من المجوهرات المصنوعة يدويًا من الفسيفساء الدقيقة والفضة، تحمل هذه المجوهرات في مضمونها موروثاً ثقافياً يعود إلى المجتمعات البشرية التي سكنت أرض فلسطين، وما حولها من خلال استلهام التصاميم من الفن القديم، ويهدف المعرض إلى التعريف بفن الفسيفساء الدقيقة وكيف تم صياغته ليصبح مجوهرات، ومن جهة أخرى يهدف المعرض إلى ربط ذاكرة الأفراد بهذه التصاميم الفنية التي توضح الموروث الحضاري المتنوع التي تمتلكه أرض فلسطين وارتباطها الوثيق بالمجتمعات الأخرى".
كنيسة المهد
فسيفساء كنيسة المهد في بيت لحم، لها مكانة خاصة لدى ذكريات ومحمود، واستوحيا منها عدة حلي اشتغلاها بحجارة الفسيفساء الصغيرة والدقيقة، ومن بينها ما تسمى عقدة سليمان، ويقولان عنها:"جرى تحليل وتفحص عقدة سليمان وتفسيراتها الرمزية، من خلال عدد لا يحصى من التخصصات مثل علم الآثار والتاريخ والاثنوغرافيا والفن، تقودنا محاولات التحليل والاستكشاف هذه إلىأن العقدة التي لفتت الانتباه على نطاق واسع، نشأت من ممارسات تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات إنتاج الصوف مثل الغزل والنسيج. تؤكد الأدلة أن البنية الغريبة لعقدة سليمان كانت مبنية على الملاحظة المباشرة أثناء عمليات النسج ولا تنطلق من مفاهيم وأفكار محددة".
ومن كنيسة المهد أيضًاأعادت ذكريات ومحمود تشكيل ما يعرف بالرمانة التي تظهر في فسيفساء الكنيسة، فعلى مدى آلاف للسنين من الشرق الأوسطإلىأقصى غرب البحر الأبيض المتوسط كان الرمان ضروريا للحياة اليومية، والاقتصادية للناس القدامى، كما كان للرمان مكانة رمزية مقدسة مرتبطة بالحياة والموت وعرف كرمز رئيسي للبعث والخصوبة،وكانت الفاكهة تعتبر مقدسة في انتقالها من أيديالآلهةإلىأيدي الشعوب في سوريا وفلسطين،وكان من المتعارف عليه وضعها في رؤوس الصولجانات واستخدامها من قبل الكهنة والصالحين، وهي الآن بفضل ذكريات ومحمود يمكن تعلق كحلي في نحور الرجال والنساء.
ومن أبرز تشكيلات الفسيفساء في كنيسة المهد، ما يعرف باسم الجدلات، التي تعود للقرن الرابع الميلادي، عندما تم بناء الكنيسة على يد الملكة هيلانة.
وعن الجدلات تقول ذكريات ومحمود: "هي نمط زخرفي تم إنشاؤها من قبل اثنين أوأكثر من الأشرطةأو الخطوط الملتوية، غالباً يظهر كجديل يستخدم إطارًا لعناصر الفسيفساء. هذا التصميم قديم يظهر في جميع أنخاء فلسطين، ويظهر كثنائيين متشابكين، رمزًاللزواج المقدس أو الجماع، ويمكن أيضاًأن يرمز إلى الخصوبة واللانهاية".
عشق ما قبل التاريخ
ومن كنيسة المهد، إلى وادي خريطون، شرق بيت لحم، تنتقل ذكريات ومحمود، حيث عثر على منحوتة هناك تمثل عناق بين جسدين، تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وعرفت عالميا باسم عناق عين صخري، أو عاشقان عين صخري، والمنحوتة الآن في متحف لندن.
شكّل الاثنان المنحوتة بحجارة الفسيفساء الدقيقة، وحولاها إلى تعليقة جميلة، ويعود تاريخها إلى نحو 11 ألف عام وتعتبر أقدم تمثال معروف لعاشقين، وجنس العاشقين غير واضح ومفتوح للتفسير، ولا توجد ميزات واضحة للوجه ولكن يمكن معرفة أن هذين الشخصان ينظران في عيون بعضهما البعض، وتعرف هذه المنحوتة في العالم، بأنها واحدة من أكثرالرموز تعبيرًا عن الحب، ودعوة لممارسته.
الطريق التي قطعتها المنحوتة لتنتقل من وادي خريطون، حيث عثر عليها، إلى المتحف البريطاني في لندن، طويلة، وتمت خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقد يكون من المؤسف أن لااحد لفت انتباه إدارة المتحف، أن المنحوتة عثر عليها في فلسطين، وليس في إسرائيل كما تقدم الآن.
صليب القدس
ومن كنيسة كل الأمم في كنيسة القيامة في القدس، لفت انتباه ذكريات ومحمود، ما يعرف باسم صليب القدس، المحاط بأربعة صلبان أصغر، فجعلاه في متناول من يرغب من خلال تحويله إلى حلي.
يقولان عن هذا الصليب: "صليب القدس يرمز إلى كثير من الأشياء، يلاحظ المؤرخون أن الصلبان الأربعة المحيطة بالوسط الكبير تمثل الأناجيلالأربعة المعتمدة، ويعتقد أنها تمثل أركانالأرضالأربعة التي أراد المسيح أن يعلوا تلاميذه كلمته فيها. الصليب الكبير يرمز إلى المسيح، والى الجراح الخمسة التي عانى منها يسوع على الصليب. وتمثل الصلبان الأربعة الصغيرة الجراح الأربعةلأيدي يسوع ورجليه، بينما يشير الصليب الكبير إلى قلب يسوع المثقوب".
روزيت قبة الصخرة
ومن القدس إلى القدس، من كنيسة القيامة إلى قبة الصخرة، حيث استوحى ذكريات ومحمود فسيفساء قبة الصخرة، والتي تعرف باسم الروزيت: "تبدأ الروزيت بنجمة في منتصفها، تحيطها حزمة متداخلة تمتد نحو الخارج في تشكيل قوي ثابت يرمز إلى انتشار الفكرة وترتبط بعض الأسئلة بالوحدات والتكرار، وبطبيعة الدائرة والفضاء، والنهاية واللانهاية أكثر مما تتعلق بالتزيين والزخرفة، ويتعلق بعضها الآخربالروحانية رابطة بين تعدد الأشكال ووحدانيتها، مع النجم الذي يتوسطها في وقت واحد".
حيوانات أريحا وشجرها
تعتبر فسيفساء شجرة الحياة في قصر هشام في أريحا، من أشهر جداريات الفسيفساء في العالم، والتي تعود للعصر الأموي، وتحوي هذه اللوحة الفسيفسائية تفاصيل عديدة مدهشة، جعلت ذكريات ومحمود يعملان على تحويلها إلى تعليقة من الحجارة الدقيقة والفضة.
وعن هذه اللوحة تقول ذكريات ومحمود: "تظهر شجرة فاكهة في وسط اللوحة، إذاأردنا البحث عن الأضداد في جانبي الصورة، فلن نجد الخير والشر، بل القوة والضعف، وربما بمزيد من التحديد، نرى الذكر الذي يرمز إليهالأسد، والأنثى التي يرمز إليها غزال رشيق".
ويضيفان: "يوضح تحليل الأسد في سجل فلسطين القديمة، إلى وجود رابطة مشتركة ين الأسد والملوك الأقوياءوالآلهة المختلفة. ووجود أثارالأسد في السياقات الثقافية والرسمية دليل على وجود روابط فنية لمناطق أخرى، كما استخدم الأسد كصورة سلبية للعدو أو الأشرارأو كصورة ايجابية للملك القويأو المنتصر أو كصورة للآلهة واستخدم على نطاق واسع باعتباره وصياً على البوابات".
أمّا بالنسبة للغزال في لوحة قصر هشام، المنسوب خطأ للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وهو على الأرجح من بناء الخليفة الوليد الثاني، تقول ذكريات ومحمود: إن الغزال في اللغة الأدبية والوطنية الفلسطينية هو رمز جمال الأنثى، كما هو الحال في شعر الحب العربي التقليدي الذي يقارن الغزال بالحبيب، والخليفة الوليد، وهو شاعر وصياد، كرس معظم شعره للخمر والحب، في إحدى قصائده حول رحلة صيد، يتابع حيوان الظبي لكنه يتوقف عن قتلها بعد أن يرى في عينيها وعنقها ما ذكره بحبيبته سلمى".
ويستوحي الاثنان قوس قزح من قصر هشام، حيث نجد أنالألوان الجيدة ظهرت متدرجة من الفاتح إلى الغامق، وتظهر المشاهد المصورة هنا، معرفة دقيقة بكيفية استخدام الألوان وتوزيعها مما يساعد في إبراز الظل والضوء بصورة فعالة.                
ومن الفلكلور الفلسطيني التقليدي، استوحى محمود وذكريات، ثيمة العين، ويقولان عن ذلك: "يضرب تاريخ العين في أعماق الزمان ويشترك الكثير من الناس بالمعتقدات المتعلقة به ويرتبط الكثير من الناس به باعتباره جزءا من تاريخ المنطقة".
وأضافا: "نعتقد أن هذه العيون الفسيفسائية توضح الحالة المستمرة التي تسيطر على شعور الأفراد في المجتمعات الحديثة بأنهم مراقبون".
زيتونة البدوي
في قرية الولجة، جنوب القدس، التي ينتمي لها محمود رباح، تشتهر شجرة زيتون تعرف باسم زيتونة البدوي، على اسم القطب الصوفي أحمد البدوي، واستوحى محمود وزميلته ذكريات أوراق شجرة الزيتون، فقدماها كحلي.
يقول محمود وذكريات: "تعتبر شجرة الزيتون رمزًا للسلام، ولكن أيضاً يمكن أن تكون رمزًا للحكمة والمجد والخصوبة والقوة والنقاء، وترتبط باللون الأخضر الذي يدل على الحياة.شجرة الزيتون هي أيضاً رمز للتراث الفلسطيني، تمثل أمة عميقة الجذور، سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا، ورمزيتها تظهر بشكل بارز في الشعر الفلسطيني، والأدب، وغيرها من أشكال الفن، وحاولنا إظهارورق شجر الزيتون بألوان متعددة ليعبر عن ديمومة شجرة الزيتون خلال الفصول، وان الحياة مليئة بالأمل مثل شجرة الزيتون".
طاووس قيسارية وعشتار سوريا
من مدينة قيسارية الساحلية، استوحى محمود وذكريات فسيفساء الطاووس التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، فلطالما شكل الطاووس رمزًا زخرفيا للثروة والجمال والفخر والبعث منذ القدم.
ومن رأس شمر، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، التي عرفت باسم اوغاريت، استوحى محمود وذكريات تمثال الآلهة عشتار، التي يحمل معرضهما اسمها.
وتوجد منحوتة عشتار هذه، في متحف اللوفر في باريس،وتعود للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، وبأيدي محمود وذكريات تعود للحياة من جديد بحجارة الفسيفساء الدقيقة.
عشتار هي آلهة الحب والخصب والحرب القديمة، وغالبا ما ارتبطت بممارسة الجنس خارج الزواج. كانت أيضاآلهة مولعة بالحرب وكانت ساحات الحرب القديمة تسمى ملاعب عشتار، وقفت بجوار ملوكها المفضلين أثناء قتالهم. وقدمت أيضاكأم، ولكنها أم مختلفة، فهي تمثل دومًا دور حماية قوية،أكثر مما هو دور أمومة.
سيكمل ذكريات ومحمود جولتهما في المدن الفلسطينية، حاملين هم عشتار، ومظهرين الفنون الفلسطينية العابرة للازمان والقارات.