إصدار عملة وطنية.. الطموحات كبيرة والتحديات أكبر

رام الله - الحياة الجديدة- ابراهيم أبو كامش- رغم إعلان سلطة النقد الفلسطينية، غير مرة، عن جهوزيتها من النواحي الفنية، لسيناريو توفر قرار سياسي سيادي، إصدار عملة وطنية، إلا أن خبراء يرون أن هناك متطلبات لا يبدو أنها متوفرة لهكذا قرار في الوقت الراهن، ولكن هذا لا يعني أن استغناء الفلسطينيين عن عملة الشيقل او في التداولات اليومية أو الحد من استخدام العملة الاسرائيلية مهمة مستحيلة.
كان مجلس الوزراء قد قرر في جلسته الأسبوعية رقم (190)، البدء بإعداد الخطط والمشاريع لخطوات فك الارتباط مع الجانب الإسرائيلي على المستويات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية، وبما يشمل التحرر من قيود اتفاق باريس الاقتصادي، وقرر المجلس، بناء على قرارات الاجتماع الأخير للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، تشكيل لجنة من الوزارات المختصة للبدء بإعداد الدراسات والمشاريع والمقترحات للشروع بتلك الخطوات بما في ذلك تشكيل لجنة لدراسة الانتقال من استخدام عملة الشيقل إلى أي عملة أخرى ودراسة إمكانية إصدار عملة وطنية.
ونص "بروتوكول باريس" النظام للعلاقة الاقتصادية الفلسطينية الإسرائيلية منذ عام 1994، على تداول 5 عملات رئيسية في السوق الفلسطينية، هي الشيقل الإسرائيلي، والدينار الأردني، والدولار الأميركي واليورو الأوروبي بالإضاقة إلى الجنيه المصري.
جهوزية فنية
ويؤكد مدير دائرة الأبحاث والسياسة النقدي محمد عطاالله، جهوزية سلطة النقد من الناحية الفنية والتحضيرات المطلوبة فيما يتعلق بقضية اصدار العملة الوطنية ولكنه قال: المشكلة ان هناك اكثر من عامل يجب أخذ بعين الاعتبار سياسيا واقتصاديا وفنيا.
تساءل: "هل وضعنا الاقتصادي يسمح في الوقت الحالي باصدار عملة؟ هنا نتحدث عن مجموعة من المتطلبات التي يفترض ان تكون متوفرة بشكل اساسي قبل ان نقرر اصدار عملة، وفي النهاية القرار سياسي، لكن من المفروض ان يعتمد على خلفية اقتصادية تدعم عملية تعزيز اصدار العملة، فان لم تكن عملية الاصدار ناجحة سنحظى في النهاية بالفشل الذريع".
وبغض النظر عن كل الاهمية التي يمكن ان يتم تعويلها على العملة الفلسطينية فان اصدارها كما يقول عطا الله: "ممكن ان يساعد في تعزيز تحقيق المزيد من الاستقرار النفدي والمالي، ويساهم في حماية النظام المصرفي من تقلبات ومخاطر سعر الصرف وتبعاتها، لذلك يجب ان يكون معززا بمجموعة من المعطيات والمؤشرات الاقتصادية المختلفة، بما يضمن استدامة المالية العامة".
وشدد عطا الله، على اخذ جملة من الاعتبارات عند التقكير باصدار العملة، "اهمها الاداء الاقتصادي وانضباط مالية الحكومة من ناحية العجز وتمويله وضمان استدامتها. ويشترط ان يكون عجز مالية الحكومة في ادنى مستوياته وقدرتها على تمويل هذا العجز، ولكن ليس من خلال طباعة عملة، وكذلك الامر فيما يتعلق بالقطاع الخارجي وعجز ميزان المدفوعات".
اما في الجانب القانوني، قال: ان سلطة النقد اعدت المصوغات القانونية لاصدار العملة الوطنية وما يدعمها، تتمثل في قانون سلطة النقد او "البنك المركزي"، وقانون مكافحة غسيل الاموال والتي تعتبر ركيزة فعالة لهذه العملية".
ولا توجد مشكلة في جهوزية سلطة النقد من الناحية الفنية، ولكن المشكلة كما يراها عطا الله تكمن في الناحيتين الاقتصادية والسياسية، حيث يشترط اصدار العملة تحقيق الاستقلالية والسيطرة على الحدود والمعابر، بما يكفل حرية ادخال واخراج الاموال والسلع والافراد والبضائع، وهي غير متاحة في الوقت الحالي. إضافة الى معالجة مشكلة الفائض والتعامل معه.
ويشدد عطا الله، على ضرورة معالجة الاختلالات في الاقتصاد الوطني قبل الخوض بجهوزية اصدار عملة وطنية. ويقول: "ان لم يكن لدينا استقلال سياسي، ليس سهلا ان يكون لدينا عملة وطنية".
حق لا بد منه
ولا يختلف الخبير الاقتصادي والمالي استاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الامريكية د. نصر عبد الكريم مع عطا الله لكنه قال: "اذا ثبتت جهوزية سلطة النقد وتوفرت جميع متطلبات اصدار العملة، فان اصدارها يصبح حقا لا بد من تحقيقه".
لكن اذا كان المقصود في قرار مجلس الوزراء هو استبدال التداول اليومي لعملة الشيقل من الاسواق الفلسطينية والحد منه قدر الامكان من خلال مجموعة من الاجراءات التي يمكن اتخاذها، فان عبد الكريم يرى، ان هذا ممكن التحقيق وأسهل من الاصدار، ولا يخالف نص اتفاق باريس الاقتصادي، "بان الشيقل هي عملة تداول قانونية في الاراضي الفلسطينية الى حين اصدار عملة وطنية بموافقة الجانب الاسرائيلي"، وذلك ان اتخذت بعض الاجراءات التي تستهدف احلال عملات اخرى للتداول اليومي الوظيفي محل الشيقل، وغير ذلك فهو يمكن وصفه بالتمرد على الاتفاق.
ومن هنا يدعو عبد الكريم السلطة الوطنية والحكومة لان تكون مستعدة بالبدائل المتوفرة بعملات الدينار والدولار واليورو، ومقابل ذلك يجب ان نكون جاهزين لدفع الثمن الاقتصادي، فلا يمكن ان تبقى الحكومة الاسرائيلية صامتة وحيادية وسلبية حيال ذلك دون ان تتخذ اجراءات عقابية ضد السلطة، حيث يتوقع ان تتخذ اسرائيل ذريعة حتى لو كان ذلك لا يحدث ضررا كبيرا عليها.
ويتوقع عبد الكريم، ان الحكومة ما قصدته في قرارها هو السيناريو الاول، "المتمثل بكيفية الحد من تداول الشيقل في الحياة الاقتصادية الفلسطينية، اكثر منه الاستغناء عنه تماما، لان التسعير والرواتب الحكومية والمقاصة والحسابات الختامية تحتسب بالشيقل، ولا شك ان هذا يحتاج الى وقت لتطبيقه، ولهذا السبب شكلت الحكومة لجنة".
اما وزير الاقتصاد الوطن الاسبق، رئيس مجلس ادارة مجموعة سنقرط العالمية مازن سنقرط، فيقول:"ان اصدار العملة الوطنية يعتمد على اقرار قانون البنك المركزي الفلسطيني، والحصول على الاعتراف الدولي والاقليمي به، ومسألة صك عملة وطنية يحتاج الى دراسة". ويطالب سنقرط، الحكومة الى المزيد من التفكير لاصدار عملة وطنية.
ويرى د. عبد الكريم، ان الاولوية الان التي يجب ان تنظر فيها الحكومة ليست طرح عملة وطنية او استبدال الشيقل بتداول عملة اخرىن ويحث الحكومة على محاولة فرض قواعد جديدة في العلاقة السياسية الامنية مع اسرائيل، والتي على ضوئها تتغير القواعد الاقتصادية، وان تحقق ذلك من الطبيعي ان يحدث ذلك فكفكة الاقتصادين الفلسطيني والاسرائيلي عن بعضهما، وبالتالي يصبح هناك انحسار تدريجي للتداول بالشيقل.
ويبين د. عبد الكريم، ان حجم الروابط الاقتصادية مع اسرائيل واضحة وعميقة، ولذلك نجد ان الشيقل يتولد من عوائد عمل العمال في اسرائيل والتي تقدر بحوالي 13 مليار شيقل سنويا، وقيمة مقاصة بحوالي 2.2 مليار دولار ما يعادل 9 مليارات شيقل نستخدم في شراء سلع وخدمات من اسرائيل والباقي يعاد عبر النظام المصرفي ويودع داخل حسابات في البنوك الاسرائيلية، ولكن عندما يتم ايقاف العمل والتجارة مع اسرائيل وتنحصر المقاصة وتتراجع بشكل كبير، حينها فقط يصبح تداول الشيقل لا ضرورة له كما هو الان ليبدأ بالانحسار التدريجي".
ويعتبر عبد الكريم، تغيير قواعد العلاقة السياسية والامنية، مفتاحا وشرطا صروريا لتغيير العلاقة الاقتصادية، وقال: "اذا نجحنا في انتزاع بعض الشروط الافضل، باعطائنا صلاحيات اوسع في مناطق "ج" وفي حرية ادارة الجمارك وفي استغلال الموارد الطبيعية وتوسع التبادل التجاري مع دول الجوار، فان هذا يحرر الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي تنحفض اهمية الشيقل ودوره في الاقتصاد الفلسطيني".
نظام نقدي متعدد العملات
ولكن عطا الله، قال: "انه من الممكن ان يكون لدينا هنا اكثر من جانب وخيار لاستبدال الشيقل، فالنظام الحالي المعتمد في الاراضي الفلسطينية هو نظام نقدي متعدد العملات".
ولا يختلف مع عبد الكريم، ويقول: "نريد التخلص من الشيقل، ولكن ماذا بخصوص الشق الاقتصادي من باريس الاقتصادي، فالشيقل واحد من العملات المتداولة في الاقتصاد الفلسطيني ويستخدم لتسوية كافة المدفوعات، واي تركيبات بخلاف ذلك يجب ان يتم من خلال تفاوض الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وعند احلال اي من الدينار او الدولار محل الشيقل فهذه العملية تتطلب الرجوع الى الجانب الاسرائيلي، الذي يمكنه منع ادخال اي عملة او اي كميات منها لطالما لسنا مستفلين ولا نتحكم بالحدود والمعابر، عدا عن ان اعتماد اي عملة كانت يجب ان تلجأ وتعتمد سياسة تسعير جديدة، ام سيكون هناك تسعيرتان بالشيقل وبالعملة الجديدة حتى يتم تعريف الناس بها، كما ان كل معاملات وزارة المالية وتقاريرها تعتمد الشيقل لنتفادى اثر سعر صرف الدولار او تأثيره على الشيقل، وغير ذلك سيترك اثره على النظام المالي من حيث كيفية نقييم واحتساب رواتب الموظفين، عدا عن ان اكثر من 90% من تجارتنا ووارداتنا وصادراتنا مع اسرائيل، ويتم دفع كل مدفوعات السلطة وغيرها بالشيقل. وهذه جزء من الاشكالية، الامر الذي يحتاج الى الاستعداد التام والتحضير الكافي بما يحقق نجاح هذه العملية".
يرى د. عبد الكريم، ان الدينار الاردني والدولار عملة تداول قانونية في الاسواق الفلسطينية حسب مذكرة تفاهم موقعة مع الاردن، والفلسطينيون يسعرون في تعاقداتهم والتزاماتهم وادخاراتهم واستثماراتهم وتسوياتهم وصفقاتهم الكبرى واصولهم بالدولار، بينما عملة الشيقل تستخدم كاداة تداول يومي، ولذلك فان تم اعتماد الدينار او الدولار بديلا عن الشيقل فانه تدريجييا يصبح التسعير بواحدة منها، ولكن التحدي هنا يتمثل في مدى امكانية بقاء الدولار والدينار متاحين في السوق بالمبالغ التي يحتاجها السوق والمجتمع، والا سيضطر المرء لتحويل رواتبه من الدينار او الدولار لعملة الشيقل من اجل تغذية استهلاكه اليومي.
وقال د. عبد الكريم: "ان استبدال الشيقل باي عملة اخرى غير الوطنية لن يكون له اي قيمة اقتصادية، ولن تجني مكاسب منه غير السياسية من محاولة فرض علاقة جديدة مع اسرائيل والتمرد على الاتفاقات معها، اما من الناحية الاقتصادية فلا توجد مكاسب باحلال الدينار او اليورو محل الشيقل، لان المكاسب تأتي من خلال صك العملة الوطنية، وفي حالتنا نعتبر مقرضين للغير باستخدام عملاتهم كالاردن ومصر وأميركا واسرائيل بدون فائدة، وكأننا نقرض بنوك هذه الدول التي نعتمد تداول عملاتها في اسواقنا ونرفدها بعملة صعبة او بالذهب، فان استبدلنا عملة الشيقل بعملة اخرى اقتصاديا لا توجد فائدة الا اذا كان من باب ان هذا يشعرنا بالتمرد على الاتفاقيات، ومن هنا علينا ان نكون جاهزين لبدائل اقتصادية اخرى ولدفع ثمن تلك البدائل ولاعادة صياغة العلاقة".
ولا يختلف سنقرط، مع الاخرين ويدعو الى اجراء دراسة عميقة في قضية اثار استبدال عملة الشيقل باي عملة اخرى "لانه كما قال: "تسعر كل ما له علاقة بالقضايا الاستهلاكية بعملة الشيقل، وذلك نتاج الارتباط القسري مع اسرائيل كونها الشريك التجاري الاول بالاتجاهين من حيث الواردات والصادرات ولكن هذا لا يمنع ان يكون لنا استقلالنا واختيارنا لعملة تتماشى مع رؤيتنا المستقبلية باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة واقتصادها المستقل وان نختار شركاء جدد فنحن ما زلنا نتعامل بالاضافة الى الشيقل بالدولار وبالدينار واحيانا باليورو".
ولكن سنقرط يرى، ان عملة الاحتلال المتداولة في اسواقنا ومعاملاتنا تستخدم كورقة ضغط وابتزاز سياسي علينا لا يجوز الاستمرار في قبوله، وبالتالي نعتقد اننا يجب ان نكون احرار في الانتقال التدريجي ومن خلاله نتلمس اين اخطأنا وأصبنا وما هي الاثار على هذا الانتقال التدريجي؟.
صلاحيات سلطة النقد ام الحكومة؟
ويتفق جميعهم على ان ادارة العلاقات النقدية والمصرفية مع اسرائيل او خارجها او محليا ليست من صلاحيات الحكومة، وهي حصرا من صلاحيات سلطة النقد، لأنها هي المخولة ببحث هذا الموضوع وباجراء الدراسات حوله وفحص اذا ما كانت مواتية الشروط الاقتصادية والقانونية والسياسية والفنية لاصدار العملة الوطنية، وترفع في النهاية توصياتها بشأن ذلك للمستوى السياسي الاعلى وهو الرئيس في هذه الحالة. وبالنتيجة فان الحكومة لها ان تقرر تشكيل لجان، لكن في النهاية الامر سينتهي عند سلطة النقد وهي الجهة الرقابية في الدستور وصاحبة الحق الحصري فعليا بموضوع اصدار العملة قانونيا، ولكن في النهاية قرار الاصدار من عدمه هو قرار سياسي، ولكن قرار الاصدار يجب ان يكون مدعما بقرار اقتصادي وتتوفر معه كل العومل والجوانب والمعطيات والبيئة الاقتصادية والسياسية، والا تصبح العملة الوطنية لا تساوي قيمة الورق المطبوعة عليه. فالحفاظ على قيمة العملة اهم من طباعتها،
وفي النهاية فانهم يجمعون على ان العملبة هي مسؤولية وطنية واقتصادية، الجميع شركاء فيها سواء الدولة من حيث السياسات والتشريعات المختلفة او سلطة النقد او البنك المركزي او القطاع الخاص واثرها عليه.
مواضيع ذات صلة
أسعار النفط ترتفع مع تجدد التوترات في مضيق هرمز
أعضاء مجلس إدارة سلطة النقد يؤدون اليمين القانونية أمام الرئيس
انخفاض أسعار النفط بأكثر من 7% واستقرار الذهب عالميا
الدولار يهبط مجددا عند أدنى مستوى منذ 1993: تراجع صرفه مقابل الشيقل إلى 2,92
محافظ سلطة النقد يشارك في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية 2026
الذهب يبدأ بالارتفاع رغم توجهه لتسجيل خسارة أسبوعية
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025