رسائل تختبئ بين السطور
معاريف- جاكي خوجي

عشية يوم الاستقلال كان ايضا عيدا بالنسبة لقناة "الأقصى" التلفزيونية لحماس. فقد نقلت القناة بالبث الحي والمباشر من الدوحة، عاصمة قطر، احتفال الاطلاق للبرنامج السياسي للمنظمة. فقبل لحظة من اعتزاله قيادة المكتب السياسي في ختام 19 سنة، تلا خالد مشعل بنود البرنامج الواحد تلو الآخر. وتنقسم الوثيقة الى قسمين: في احد جانبيه مشعل، وفي الآخر– رؤساء التنظيم في غزة، يشاهدون كالتلاميذ المنضبطين تلاوة الوثيقة التي شاركوا في اعدادها.
قريبا سيخلي مشعل (61 سنة) الطريق لخلفه، اسماعيل هنية. وسينتقل الوزن الأساس للمكتب الى غزة، ولن تعود حاجة الى فصل الشاشة. ابو الوليد، لقب الزعيم المعتزل، سيواصل العمل في أطر اخرى. وبالاساس سيحاول تحقيق تطلعه لاحتلال قيادة الشعب الفلسطيني.
تتضمن الوثيقة الجديدة 42 بندا، تشكل رؤيا واعلان نوايا ايضا. فمنذ اكثر من سنة وقادة حماس في غزة، في قطر وكذا في السجن الاسرائيلي يعملون على صياغتها. وان شاءت يمكن للمنظمة أن تستند اليها في الانطلاق الى المعركة، وان شاءت ستتوصل بمساعدتها الى التسويات. من ناحية اسرائيل هي الأخرى، فان برنامج المنظمة هو فرصة مزدوجة. اذا سعت الى اتفاق ما معها، يمكنها أن تكتشف بين السطور المشجب الذي تتعلق به، وان شاءت ممارسة القوة، فانها ستجد الذريعة بسهولة.
لا يلغي البرنامج الجديد ميثاق المنظمة، تلك الوثيقة "الصبيانية" من العام 1988، التي تضمنت تعابير لاسامية ودعوة لابادة اسرائيل. ولكنها تتعاطى مع بنوده بل وتختلف معه. لقد صاغ ميثاق حماس المؤسس والزعيم الأول للمنظمة، الشيخ احمد ياسين، والغاؤه، من ناحيتهم سيكون مسا بذكراه. في هذه الاثناء، فان حماس غير معنية بمنح اسرائيل هدايا كبيرة، طالما لا تتلقى منها شيئا.
لغة الوثيقة ومضمونها لاذعين للأذن الاسرائيلية. ولكن بين سطورها تختبئ رسائل، ومشوق اعطاء الرأي في ما ليس فيها. لدى حماس 2017، تمتد ارض فلسطين من البحر المتوسط وحتى نهر الأردن، من ايلات وحتى رأس الناقورة. ولحق العودة يوجد مفعول حتى لو عوض اللاجئون ماليا. المقاومة المسلحة لا تزال وسيلة شرعية لمواجهة الاحتلال طالما كان موجودا. تصريح بلفور من 1917، الذي رأى بعين العطف "الوطن القومي" لليهود في اسرائيل لاغ.
بعد سنوات من التصريحات في صالح اقامة دولة في حدود 67، تقرر حماس رسميا بانها تؤيد مثل هذه الدولة وان على كل الفلسطينيين ان يروا فيها مصلحة. وهي بالطبع لا تعلن، بخلاف السلطة، بأنها ترى في ذلك نهاية النزاع. في البند 21 تسير حماس على الخط مع اليمين في اسرائيل وتقول لا لاتفاقات اوسلو.
من جهة اخرى، لا يتضمن البرنامج دعوة لابادة دولة اسرائيل، مثلما صيغت في ميثاق حماس. وعن عمد لا تذكر الوثيقة العلاقة بالتنظيم الأم، الاخوان المسلمين في مصر. في البند 16 تقرر حماس بانها لا تقاتل ضد اليهود وليس لها ضدهم شيء بسبب دينهم، بل الصهيونية والاحتلال. واضعو البرنامج لا يعترفون بالكيان الصهيوني، ولكنهم لا يعلنون بأنهم لن يتحدثوا معه ابدا. ومن بين "اللاءات الثلاثة" لمؤتمر الخرطوم في 1967، لم يتبق صدى الا لواحدة فقط، تلك التي تقول انه لا اعترف بدولة اسرائيل. اما اللاءان الأخريان، لا للصلح مع اسرائيل ولا للمفاوضات معها، فلا ذكر صريحا في البرنامج.
معظم بنود الوثيقة غير موجهة لاسرائيل. فحماس تتوجه للمجتمع الفلسطيني مثلما في البند 34، حيث كتب ان للمرأة دورا مركزيا في بناء الحاضر والمستقبل. وهي تصدر الاشارة الى قيادة السلطة ("ينبغي حماية م.ت.ف، ولكن تطويرها"، تقرر في البند 29، وبند آخر يدعو الى انتخابات حرة وديمقراطية). في سلسلة من البنود تغمز حماس الغرب ايضا. ففي البند 28 مثلا، حيث كتب ان المنظمة "تؤمن بالتعددية، بالديمقراطية وبقبول الاخر.
يتوجه البرنامج بالطبع للدول العربية ايضا، وعلى رأسها مصر، والتي العلاقات معها متوترة جدا. فحماس ترفض، كما ورد بين بنود الوثيقة التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول، وتؤيد التعاون معها. وفيها رسائل كونية وتبشيرية، في صيغة "الاسلام يعارض كل تزمت او تطرف ديني، ويربي ابناءه على العمل ضد العدوان ومساعدة الظالمين" (البند 9).
واجب البرهان
مشوشون؟ لا حاجة. هكذا تتصرف منظمة مهددة، باقية، تسعى لضمان نفسها ضد كل تطور مستقبلي. فالوثيقة هي خليط متباك من الرسائل والاوتاد المصنوعة جيدا. فهي تساعد حماس على ان تتحسس طريقها نحو واشنطن والعواصم الاوروبية، والتعبير عن الرغبة في شطب الانقسام مع السلطة، وتوثيق علاقها المشكوك فيها مع السعودية ومصر. بوسعها أن تبرر كل مواجهة مع اسرائيل ولكن أن تتقرب منها ايضا: اذا كانت حماس لا تدعو الى ابادتها، واذا كانت تعترف بدولة فلسطينية في حدود 67، واذا كانت تسمح لنفسها بالاعراب عن اعتراف مستقبلي بالدولة الصهيونية. رؤيا البلاد الممتدة بين البحر والنهر يمكن ابقاؤها كحرف ميت على الورق، فان شاءت قيادة حماس في اي مرة ان تعترف بحل الدولتين. هذه هي المسيرة التي اجتازتها (م.ت.ف) التي في بدايتها رفضت المساومة على اي شبر من ارض فلسطين، واليوم هي عضو محترم في نادي شركاء اسرائيل في الكفاح ضد الارهاب. في احتفال اطلاق البرنامج ادعى مشعل بان حماس تبنت طريق "التطور" و"المرونة"، وانها غير جامدة. وفي مقابلة مع الـ "سي.ان.ان" الأربعاء دعا الغرب الى مراجعة الوثيقة وقال انها تعرض على مندوبيه قنوات حوار مع فتح. وفي نفس الوقت امتدح الرئيس ترامب على حكمته ودعاه الى استغلال الفرصة التاريخية لصنع السلام. وفي ذات الوقت كان ترامب يستضيف ابو مازن في البيت الابيض. مشعل لم يلمح بسلام يشطب اسرائيل، بل باتفاق حسب صيغة الدولتين.
تطلق حماس للعالم الواسع اشارة بانها ليست الولد الشرير الذي كان، وان في رغبتها أن تكون جزءا من اسرة الشعوب. ومنذ عدة سنوات وقاموس المفاهيم والخطاب العلني لحماس قريبان من خطاب وقاموس السلطة. فقادة حماس يشهدون بحسد ظاهر كيف يخرج ابو مازن ويأتي في عواصم العالم، كيف يبني بمساعدة دولية مؤسسات الدولة المستقبلية، ويخشون من أن يفر القطار ويبقون في الخلف، منبوذين.
لم يجر في اسرائيل بحث عام مناسب في هذه الوثيقة، رغم أن حماس تحتل مكان الشرف في قائمة اعدائها الالداء. فقد نشر رئيس الوزراء نتنياهو بيانا قصيرا قال فيه ان حماس تثبت سياستها بافعالها وليس بالكلمات. اما منسق اعمال الحكومة في المناطق اللواء يوآف فولي مردخاي فيقول ان الوثيقة هي غش وخداع، تخفي سلوكا ظلاميا لحماس عندها في الداخل. مساعي اسرائيل للتشكيك بصدق الوثيقة زائدة. فواجب البرهان ليس على القدس بل على من كتبها.
في القيادة المتواضعة، كشف لي مؤخرا مصدر مقرب من القيادة في غزة بانه يوجد معسكر يتطلع الى التسوية مع اسرائيل. فقد روى يقول: "عندنا يقولون ان اسرائيل قوية، نحن أقوياء في غزة، هذا هو الوقت لحل المشكلة". ولكن ماذا بالنسبة لـ "الارهاب"، سألته، فاجاب: انتم ايضا تمارسون علينا الارهاب، انتم تغلقوننا داخل غزة منذ عشر سنوات. وفضلا عن ذلك، اضاف، كل شيء قابل للحل، مثلما فعلتم مع مصر.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال