عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 28 نيسان 2017

حرب النزيف

على أبواب يوم ذكرى قتلى الجيش أنا اريد أن أتحدث عن قتلى حرب النزيف. أنا أعرف انه مع اطلاق سفارة الانذار والوقوف دقيقة صمت سيتحدثون مرة اخرى حول بطولاتهم. ويؤكدون انه في موتهم وهبوا لنا الحياة. لكن بطولة قتلى حرب النزيف كانت سدى وبموتهم لم يمنحوا لنا الحياة ذاتها بل فقط الحياة بتحمل المسؤولية والانكار.

أنا أريد أن اتحدث عن أبناء جيلي قتلى ومصابي البقاء الذي لا لزوم له في جنوب لبنان في السنوات بين 1982 الى 2000.

الحرب الاطول في حروب اسرائيل لا يوجد لها اسم، على شكل "حرب الاستنزاف". حرب دون رمز، وقد أطلق عليها في حينه العقيد موشيه تمير في كتابه عنها وهو كتاب شديد ولافت لكنه تكتيكي كليا. كتاب كولونيل متقاعد. وفي جوهره النظرية القائلة بان اسرائيل وجيشها تخلفا مرة اخرى في فهم الواقع الامني في جنوب لبنان وغياب النظرة القومية الاستراتيجية. وغياب كلمة واحدة: "لماذا؟"

بعد حرب مناحم بيغن واريئيل شارون ورفائيل ايتان عام 1982، بقي الجيش الاسرائيلي منتشرا في لبنان. في عام 1985 قام وزير الدفاع اسحق رابين بانسحاب محدود وتهيأت اسرائيل لسبب ما من أجل الدفاع عن حدودها الشمالية من داخل جنوب لبنان. المنطقة الفاصلة التي قاتل فيها حزب الله والجيش الاسرائيلي وحليفه جيش لحد الجنوبي. سميت هذه المنطقة بالمنطقة الامنية. وكان من الافضل تسميتها منطقة عدم الامن.

قتل في المنطقة الفاصلة واصيب الكثير من الجنود الاسرائيليين واللبنانيين الجنوبيين بدون سبب واضح وبدون هدف حقيقي. على جدران مواقع المنطقة الامنية كتب: "الهدف: الدفاع عن قرى الشمال". كان هذا كذب. ذات مرة كطالب في دورة ضباط الاستخبارات لم استطع تحمل الصمت واثناء جولة في القيادة الشمالية سألت لماذا يجب أن ندافع عن قرى الشمال من داخل لبنان وليس من الحدود الشمالية.

لم احصل على اجابة حتى اليوم. من المفترض أن تدافع الدولة عن نفسها من حدودها الدولية المعترف بها، واسرائيل تفعل ذلك بشكل جيد منذ 17 عام، أي منذ الانسحاب من لبنان.

يحبون عندنا الحروب. ويحبون ايضا لجان التحقيق حين تفشل. حرب يوم الغفران، وحرب لبنان الاولى ولبنان الثانية. كيف يعقل أنه لم يتم تشكيل لجنة تحقيق للحرب التي استمرت 18 عام وفشلت؟ لقد ساهم أفضل القادة السياسيين والعسكريين في هذا الاستعباد القومي. أمة كاملة طأطأت رأسها خنوعا وأرسلت افضل ابنائها من أجل ان يموتوا ويصابوا هناك في المواقع العسكرية وفي الكمائن والاقتحامات. من يفهم على ماذا ولماذا. الحديث هو عن اكثر من 500 قتيل بالاضافة الى الاف المصابين.

اعتقدوا في العصور الوسطى أن سفك الدم المفتعل وبكمية محدودة يساعد في العلاج. وفي نهاية القرن العشرين تعودت اسرائيل على نزيف المصابين في لبنان وكأن ذلك قدرا امنيا من السماء.

الكوارث فقط مثل كارثة الطائرات وكارثة الشييتت بدأت بتحريك الوعي القومي. في حينه ايضا استمروا في التعاطي مع مؤيدي الانسحاب على أنهم خونة وجبناء وسكين في ظهر الامة. وقد احدث التحول في نهاية المطاف النساء الشجعان من حركة أربع أمهات ورئيس حكومة جريء يدعى ايهود باراك.

تجاه النساء وتجاه ايهود باراك وجهت الشتائم والاهانات. مشاهد الانسحاب كانت غير لائقة للحظة وكذلك خيانة جيش لبنان الجنوبي، لكن دولة مجنونة فقط تستطيع أن تعتبر هذه الخطوة الاستراتيجية المهمة فشلا أو إهانة.

"لا تقف على دماء الآخرين"، كُتب في توراة اسرائيل، لكن المجتمع الاسرائيلي لم يقف فقط على دم ابنائه في لبنان طوال 18 عام بل ايضا امتنع بعد ذلك عن مراجعة النفس. كم هذا مهين لمن ماتوا ولعائلاتهم ومحبيهم.