!سماسرة الأراضي والعقارات.. "باشاوات"

الخليل- حياة وسوق- وسام الشويكي- لم يكن يعلم أن شراءه قطعة أرض قبل سنوات عديدة، ستقوده إلى أن يصبح "سمسارا" في قطاع الأراضي. ورغم عمله في مجال لا يمت بالأراضي بصلة، إلا أن ذلك لم يمنع "أبو أحمد"، من أن يشق طريقه في هذه "المهنة" ويحقق دخلا أفضل ويوسع الأبواب أمامه في المعرفة والخوض به.
هذا القطاع، الذي أدت الارتفاعات المتزايدة في أسعار الأراضي فيه إلى ظهور تجار وسماسرة بكثرة خاصة في السنوات القليلة الأخيرة، بات اليوم بين القطاعات التي تحتل أهمية، لا سيما في ظل تزايد الطلب المقترن مع التزايد السكاني والرغبة نحو "الهروب" من أماكن الكثافة السكانية، وضجيج مراكز المدن.
ولجأ كثيرون إلى انتهاج دور السمسار، الذي يبرز بقوة كوسيط عقاري يمكن أن يوفق عمليةَ الشراء بين البائع والمشتري، فيما يندفع آخرون نحو هذا القطاع أملا في "كسب المال الوفير" دون أن يتطلب ذلك "رأس مال".
لكن، هل هناك فرق بين السمسار والمخمن، وما طبيعة الأدوار التي يلعبها كل منهما في قطاع الأراضي والعقارات؟
عن ذلك، يجيب مخمن الأراضي والعقارات في مدينة الخليل، عبد المعطي أبوعمر، وهو المخمن المرخص الوحيد في المدينة، والمتخصص في هذا المجال بما لا يقل عن 40 عاما، ليبين أن الأراضي والعقارات سلعة كباقي السلع يتداولها الناس، وعادة تقدر قيمتها بالعملة الدارجة، وهناك فئة لها اهتماماتها ودرايتها بالأسعار الدارجة على ضوء موقع الأرض أو العقار وحالته وقياسا على كلفة البناء وسعر المثل.
والسمسار، مثلما يوضح أبوعمر، هو وسيط بين البائع والمشتري، ويكاد يكون في خدمة أحد الطرفين المكلف منه، ويكون حريصا للحصول على السعر الذي ينعكس على أجرته؛ فإذا كان مكلفا من البائع يحرص على أعلى سعر ممكن، أما إذا كان مكلفا للشراء فيحرص على أقل سعر.
أما في حالة "المخمن" فهذا لا يجوز أبدا، وفق ما يؤكد أبو عمر. فالمخمن هو أصلا المقدر لسعر العقار حسب سعر السوق وقت التخمين، ويجب أن يتمتع بالحيادية التامة، لافتا إلى أن الأراضي والعقارات والأملاك عموما "أمانات مقدسة" على المخمن أن يحترمها ولا يرسل أرقامه جزافا من غير دراسة وتروٍ.
ويضيف: يستحسن للمخمن ألا يكون سمسارا، ولا يجمع بين المهنتين، حتى لا تترتب على ذلك مصلحة ذاتية قد تحيده مرة عن الحقيقة.
ويتابع: من المفروض على المخمن أن يكون واقعيا ويحمل أرقاما حقيقية قريبة إلى الدقة ما أمكن، تكون مقنعة ومقبولة. والمخمن الناجح، حسب أبوعمر، يجمع بين الخبرة والعلم، وهي علاقة وثيقة ومتكاملة بينهما؛ فهي مرتبطة بالمعرفة بعلم المساحة والهندسة وتصميم المباني، ومعرفة الكلفة والجدوى الاقتصادية، إضافة إلى الخبرة التي تتراكم وتحصل مع السنوات في ممارسة هذه المهنة ومتابعة أحوال السوق.
ويقول، في سياق ذلك: إن أجرة المخمن مقطوعة، ولا يجوز أن تكون على النسبة (أي النسبة إلى قيمة العقار وثمنه)، لأن ذلك قد يجعل المخمن يضع أرقاما فيها مبالغات أو يجعله في مصلحة خاصة أكثر مما يجب، وقد يقوده ذلك إلى رفع السعر أو تخفيضه، مثلا.
بيد أن "أبوعمر" يلفت إلى أنه نتيجة الطفرات المتصاعدة والمتلاحقة التي تحصل على أسعار الأراضي في الآونة الأخيرة، جعلت من مهمة التخمين شاقة، وقد تجنح إلى أرقام أكثر أو أقل من الحقيقة وقد تكون غير مقبولة، ما يضع المخمن أمام مسؤوليات فوق طاقته.
والعملة التي تستخدم في تحديد قيمة العقار ترجع إلى تلك المتداولة بين أيدي الناس (الدينار والشيقل والدولار) وتوضع عملة التخمين حسب طالب وصاحب التخمين نفسه.
وعن أهمية أن يكون المخمن مرخصا، يوضح عبد المعطي أبوعمر، أن البنوك والمحاكم والمؤسسات الرسمية تشترط في التقارير الخاصة بالعقارات وأسعارها أن تكون صادرة عن مخمن مرخص.
والجهة المسؤولة عن إصدار التراخيص للمخمنين، هي هيئة سوق رأس المال الفلسطيني. ويوضح ابو عمر انه يتم تجديد الترخيص سنويا.
ويتقاضى "أبو أحمد" عمولته بالاتفاق قبل إتمام أية صفقة، واستطاع خلال فترة وجيزة، جمع الأموال.
ويؤكد هذه الأرباح د. منذر ابو أرميلة، خبير في قطاع الأراضي، قائلا: تجارة الأراضي تحقق أرباحا دون أن تكون هناك مخاسر، خاصة مع الارتفاعات المستمرة التي تطرأ على أسعارها من سنة لأخرى، كاشفا عن توجه كثيرين الى الاستثمار في هذا القطاع، ولجوء أصحاب مهن أخرى إليه نظرا للمكاسب المالية التي تُجنى من ورائها.
ويوضح أن أغلب عمليات البيع والشراء تتم عن طريق سماسرة، بعد اطلاعهم على عدة قطع من الأراضي، ثم يبدأون بترويجها مع تخصيص نسبة معينة لهم من السعر المباع به.
وعن تلك النسبة، يبين أبو ارميلة، أنه يتم تحديدها غالبا بالاتفاق والارتضاء بين الطرفين، لكنها في العموم لا تقل عن 3% من سعر الأراضي قليلة الثمن التي لا يزيد سعرها عن 100 ألف دينار، في حين تنخفض هذه النسبة بخصوص الأراضي مرتفعة الثمن والتي تزيد غالبا عن المئة ألف دينار.
ويوضح أن السماسرة يتقاضون نسبهم من البائع، وهي الطريقة الأصح، فيما يتقاضى آخرون من المشتري، والبعض يتقاضى من الطرفين.
ويقدر أبو ارميلة أنه ينبغي على السمسار الذي يحصل على أتعاب نظير ذلك، أن يؤمن الطرفين (البائع والمشتري)، من حيث ألا يكون في عملية البيع غش أو تدليس أو تحايل، وهذا يفقده مصداقيته، وتترتب عل ذلك مشاكل قد تقود الى معضلات أكبر، السمسار بغنى عنها.
وينبغي على السمسار المحترف، وفق ما يبين أبو ارميلة، أن يتحلى بالخبرة والمعرفة بالأراضي؛ مواقعها وطبيعتها وظروفها، وتحري أوراق التسجيل الخاصة بها، وأن يكون صادقا وذا سمعة طيبة، ولبقا في التعامل مع الناس وعلى دراية بأحوالهم. كما ينبغي عليه أن يكون على معرفة جيدة بالمشترين وظروفهم.
ويرجع هذا التنامي في أعداد السمامرة خلال السنوات الأخيرة، إلى الارتفاع المتزايدة على طلب الأراضي، أمام تحقيق مكاسب ومرابح دون أن يخسروا أية مبالغ من طرفهم.
وتسجل الأراضي أسعارا قياسية من سنة لأخرى، وتتحكم عدة عوامل في هذا الارتفاع، حيث الطلب المتزايد على الأراضي والتوجه نحو التوسع الأفقي في البناء، خاصة إلى المناطق التي تبعد عن مراكز المدن وعوامل الضجيج، والإزعاج السكاني. وتتحكم بيئة المنطقة ومناخها، وموقع قطعة الأرض ذاتها، والظروف السكنية المحيطة بها، في تحديد السعر. كما يشكل توفر الخدمات من طرق معبدة وشبكات ماء وكهرباء في المنطقة، إلى جانب مشاريع تسجيل الأراضي "الطابو"، عوامل مغرية أمام ارتفاع أسعارها، ناهيك عن قلة الأراضي في المناطق داخل المدن مقارنة مع الأراضي الشاسعة الواقعة في المناطق المصنفة "ج"، ويمنع الاحتلال إقامة أية مشاريع عليها، بما فيها السكنية.
ويقر أبو ارميلة أن الشراء في المناطق (ج)، مجازفة لا يحبذ الخوض فيها، لأنها مناطق خاضعة لظروف وعوامل وأمزجة سياسية متقبلة ولا يمكن التكهن بخصوصها، ناهيك عن تخوف المواطن نفسه من شراء الأراضي في هذه المناطق.
ويرجح مراقبون أنّ أسعار الأراضي ستبقى في ارتفاع في ظل التنامي السكاني والحاجة إلى مزيد من المساحات لإقامة مشاريع مختلفة عليها، وفي مقدمتها الإسكانية، تجعل سوق السماسرة في حالة طلب متزايد أمام مرابح مضمونة لا تعترف بشيء اسمه "خسارة"، سوى مصاريف لا تتعدى في أغلبها على "أجرة مكالمة هاتف"!
مواضيع ذات صلة
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
مستعمرون يحاولون اقتحام الأقصى عبر باب حطة بقربان حي
"فتح" في اليوم العالميّ للعمال: العمال الفلسطينيّون رافعة للمشروع الوطني وركيزة لبناء الدولة
مصطفى يهنئ نظيره العراقي لمناسبة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!
محافظة القدس: إصابات واعتقالات واعتداءات متصاعدة في عدة مناطق
"مراسلون بلا حدود": تضييق إسرائيلي متواصل على حرية الصحافة منذ حرب غزة