الافيون والدين
هآرتس - بقلم: عميره هاس

ثمة صلة مباشرة بين عقوبات الاعدام التي فرضت على مدانين بتجارة المخدرات في القطاع، وبين اعتقال مئات النشطاء في المنظمات السلفية فيه. فعقوبات الاعدام تشهد على قلق متعاظم من السلطات في القطاع من انتشار التعاطي بالمخدرات، وبقوة وجرأة المتاجرين بها. أما الاعتقالات فتشهد على قلق متزايد من السلطات نفسها من العدد الكبير للشبان الذين "يتسربون" من صفوف حماس الى جماعات دينية تطهيرية تدفع نحو المواجهة العسكرية. الجماعتان تشهدان كم اصبحت الحياة في القطاع لا تطاق. هذه مدمنة على الترمادول ، والاخرى على عسكرة الدين.
تفر المجموعتات الى مواقع الخيال. هذه وكأنها يائسة من فرص تحسن الواقع الفظيع. الدين والايمان بالله يدعمان الجمهور الفلسطيني في مواجهته طويلة السنين لنظام السادية المنظمة الاسرائيلي. ولكن ليس جميعهم وليس دوما. فعندما يكون الاحباط وانعدام الوسيلة واليأس أقوى من آيات التعزيز في القرآن ومن الصلوات المشتركة في المساجد، يكون هناك من يتوجهون الى أقراص التخفيف من الالم التي تصيب بالادمان والى الحشيش، وهناك من يستعينون بالهذيان عن معركة عسكرية شاملة جديدة تشق طريقهم نحو ينابيع الجنة.
هؤلاء واولئك يريدون الابتعاد عن المياه غير المناسبة للشرب في غزة، المجاري التي تفيض على ضفافها. البطالة المستشرية، الحياة عديمة المعنى، الفقر، الاكتظاظ، الفراغ، هؤلاء يتلقون في الخفاء عنوان تاجر المخدرات، واولئك يتهامسون قبل الصلاة في المسجد مع أحد ما يعرف واحدا آخر يشرح بحماسة بان حماس لا تفي بوعودها لتحرير القدس وفلسطين، لان زعماءها باتوا يشبهون زعماء فتح: فهم يفعلون في صالح بيوتهم، يفكرون في هذا العالم وليس في العالم الآخر.
في شهر كانون الثاني 2017 فقط امسك في القطاع على كمية المخدرات التي تساوي كل كمية المخدرات التي امسك بها عام 2016. يبدو أن معظمها يصل من مصر، من فوق الارض ومن تحتها: سواء الترمادول وأدوية مسكنات الالم الاخرى، ام الحشيش. ففور الهدم المكثف للانفاق في 2012 سجل انخفاض ساحق في كميات المخدرات التي دخلت الى القطاع. ويشهد انتعاش سوق المخدرات على استئناف عمل بعض الانفاق. فالمصاعب التجارية في الظروف التحت ارضية تستدعي من التجار التفكير بالبضاعة الاكثر ربحا لهم من ناحية النسبة بين الوزن، كلفة النقل ومصاعبه وبين الطلب. لقد كان هذا ولا يزال السلاح والمخدرات. وللمخدات يوجد طلب في القطاع، يا حبيبي. والا فما كان سيكون من سيخاطر جدا في تهريبها.
في تقرير موحد في عدة مواقع للاخبار الفلسطينية للصحافي محمد الجمل كتب انه بشكل عام فان كمية المخدرات التي تمسك بها سلطات القانون هي فقط 30 في المئة من الكمية التي تصل الى المنطقة عمليا. والافتراض هو كما ورد في التقرير ذاته، هو أن المخدرات تأتي من مصر في نفق "تجاري" عادي ينقسم الى اثنين: شق واحد، رسمي، تفحص سلطات حماس ما يخرج منه وتفرض ضرائبها عليه، وشق آخر، سري، يأتي الى داخل بيت او دكان او بستان، ومن هناك تخرج صناديق البضاعة غير المبلغ عنها.
في 20 آذار، بعد اقل من يوم من فرض المحكمة العسكرية في غزة حكم الاعدام على تاجري مخدرات، اعلنت دائرة مكافحة المخدرات بوضع اليد على 50 الف قرص ترمادول في 500 كرتونة، و 120 كرتونة دواء آخر لتسكين الآلام، و 12 قطعة حشيش.
تريد حماس مواصلة حكم القطاع. وهي لا يمكنها أن تحكم بأمان الجيب المكتظ دون أن تغير شروط حياة سكانه وتحسنها بشكل دراماتيكي: زيادة اماكن العمل، أجر ثابت وعادل للعاملين، انتاج، تسويق، تجارة مع الضفة ومع الخارج، امكانيات التعليم خارج القطاع، حرية الحركة، لقاءات عائلية وصداقية ثابتة، ماء نظيفة، كهرباء 7/24، اسرائيل ملزمة ان ترفع قيود الاغلاق كي تخرج شروط الحياة والاقتصاد من خطر الانهيار والسقوط، الذي لن يتوقف عند الخط الاخضر. اذا رفعت القيود، وبدأ الناس يخرجون من القطاع وآخرون يتمكنون من الدخول اليه وزيارته، فستضعف حصرية حماس كالحزب الحاكم، او ستضعف القوة الادمانية لتبجحاتها بتحرير البلاد بقوة السلاح وبعون الله. وعليه، فإن حماس بحاجة الى القيود على الحركة.
اسرائيل لا ترفع القيود – وهذا هو احد المؤشرات على أنها معنية باستمرار حكم حماس. بمعنى، باستمرار الانقسام السلطوي بين الضفة والقطاع. بمعنى، باستمرار المراوحة في التفاصيل المضنية للحظة (كهرباء 4 أو 12 ساعة في اليوم، نقل ماء نقية الى الطابق الخامس دون مصعد، الاذن بالعلاج او الى دورة، خروج أو عدم خروج، الراتب يقلص بالنصف او بالثلث). ومن شدة المراوحة في ذات تفاصيل اللحظة، فان الموضوع نفسه، الاستعباد للقوة الاجنبية وللتحرير– يتقلص الى شعارات وحماسات فقط. الاحباط يعزز الحاجة الى المخدرات والى الهذيان بشأن الاشتعال العسكري كمخرج. مخرج سياسي، مخرج نفسي، مخرج لعدم الاهتمام الدولي، عندما لا ترفع اسرائيل قيود الاغلاق، فانها تشهد على أنها معنية بتكرار الاشتعالات العسكرية.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال