عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 12 آذار 2017

من الذي يخاف من الـ "بي.دي.اس" ؟

بقلم: عميت أفراتي

أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في حزيران 2015 أن حملة الـ "بي.دي.اس" تهديد استراتيجي لدولة اسرائيل، وطلب بذل الجهود لمناهضتها. وتمت الاستجابة لهذه الدعوة بشكل فوري من قبل المنظمات المؤيدة لاسرائيل في العالم ومن وسائل الاعلام المحلية مثل صحيفة "يديعوت احرونوت"، التي بادرت الى عقد اللجان والمؤتمرات بمشاركة مراسلين اجانب من اجل مواجهة هذا التهديد. أما بالنسبة للحملة فقد كان انجازها الاكبر حتى حينه هو عدم ظهور المغنية لوران هيل في البلاد. وشكلت اقوال رئيس الحكومة اعترافا رسميا بمكانته كحامل لواء محاربة اسرائيل، بعد 11 سنة من عدم اعطاء الاهمية لـ "بي.دي.اس". هذا الاهتمام المفاجئ أدى بشكل طبيعي الى الخشية المتزايدة لدى الجمهور في اسرائيل ولدى يهود الخارج، وازدياد الاهتمام الدولي بالحملة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: الى أي درجة هي هامة محاولات الـ "بي.دي.اس" المتكررة لمقاطعة دولة اسرائيل؟ هذا المقال سيحاول الاجابة على هذا السؤال من خلال التركيز على أمرين اساسيين: الاقتصاد والاكاديميا. وتبين أنه رغم الضجة الكبيرة التي نتجت عن محاولات المقاطعة، لا سيما في الولايات المتحدة واوروبا، إلا أن التأثير الفعلي لا يتسبب بأي ضرر حقيقي لدولة اسرائيل.

خلفية

إن مواجهة حملة الـ "بي.دي.اس" ليست هي المرة الاولى التي تواجه فيها اسرائيل مقاطعات من قبل جهات دولية. فمنذ قيامها واجهت اسرائيل مقاطعات سياسية واقتصادية من الدول العربية التي لم تعترف بحقها في الوجود، وقاطعت استيراد البضائع من اسرائيل وفرضت المقاطعة على الشركات الدولية التي لها علاقات تجارية مع اسرائيل. ولكن اتفاقات السلام التي تم التوقيع عليها مع مصر والاردن، واتفاق اوسلو ايضا، أحدثت تراجعا حقيقيا بتأثير وفعالية هذه المقاطعة. ونبع قرار المقاطعة من الجامعة العربية، وكان ثمرة سياسة رسمية قام بتصميمها زعماء الدول، خاصة في فترة الانتفاضة الثانية في العام 2002، حيث واجهت اسرائيل نوعا جديدا من المقاطعة ضدها، التي كانت بمبادرة من منظمات دولية غير حكومية تطالب حكوماتها وجهات اخرى مثل الجامعات والشركات الخاصة والفنانين بمقاطعتها. هذا النوع من المقاطعة ازداد في السنوات الاخيرة، وفي الوقت الحالي يقوده تحالف الـ "بي.دي.اس"، الذي يستمد الهامه من نجاح حملة العقوبات الاقتصادية على جنوب افريقيا في الثمانينيات بسبب سياسة الابرتهايد التي كانت سائدة هناك. ولكن تجدر الاشارة الى أنه ليس جميع محاولات مقاطعة البضائع الاسرائيلية والشركات الاسرائيلية ترتبط بالضرورة بهذه الحملة. مثلا قرار شركة الطيران في بروكسل "إيرلاينز" في آب 2015 إزالة منتوج الحلاوة من قائمة الطعام في طائراتها، والذي يتم انتاجه في المستوطنات في "يهودا والسامرة"، نبع من شكوى خاصة قدمها أحد المسافرين، وليس بسبب حملة معينة.

انطلقت حملة الـ "بي.دي.اس" في العام 2004 من قبل المؤتمر الفلسطيني للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لاسرائيل، الذي ترأسه عمر البرغوثي، ابن العائلة الفلسطينية المهجرة الذي ولد في قطر ودرس في جامعات الولايات المتحدة. بعد مرور عام على تشكيله أطلق المؤتمر، اضافة الى تحالف الـ 171 منظمة المؤيدة للفلسطينيين والمنظمات غير الحكومية الاخرى، حركة الـ "بي.دي.اس" الدولية، التي تطلب فرض مقاطعة اقتصادية على اسرائيل من اجل تحقيق ثلاثة أهداف رسمية وهي "انهاء الاحتلال والكولونيالية على الاراضي العربية وهدم الجدران، اعتراف اسرائيل بالحقوق الاساسية لمواطنيها العرب الفلسطينيين، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى بيوتهم". ويشار الى أن تحالف الـ "بي.دي.اس" بشكله الحالي ليس منظمة أو حركة ممأسسة، بل هو شبكة تنقصها الهرمية وهي تتكون من عشرات المنظمات غير الحكومية ومن نشطاء من عدة دول في العالم، تنسق نشاطها احيانا بمستويات مختلفة وتعمل تحت نفس العنوان. وعموما، هذه الشبكة التي تعمل بالتحديد في الولايات المتحدة واوروبا، تتكون من نوعين من المنظمات: المنظمات التي أساس عملها هو الـ "بي.دي.اس". والمنظمات التي تعمل من اجل حقوق الانسان في العالم، ويشمل ذلك الاهتمام بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني.

من بين المنظمات التي تعمل في اطار الشبكة هناك منظمات اجتماعية اسرائيلية مثل جمعية "بروفيتس" التي تقوم برصد الشركات التي تعمل خلف الخط الاخضر، ومنظمات فلسطينية مثل "بديل"، التي تعمل من اجل حق العودة للفلسطينيين وتناضل ضد اسرائيل قانونيا. ويشار الى أن حماس والسلطة الفلسطينية لم تشاركا في انشاء هذه الحملة، لكن من الطبيعي أنهما ترغبان في الضغط الدولي على اسرائيل كي تغير مواقفها. ولكن الاختلاف الكبير بين اهداف المنظمات وأجنداتها ومدى تركيزها على القضية الفلسطينية الاسرائيلية ينشئ صعوبة في تعميم طرق تمويل الشبكة وطابعها. بعض المضامين اللاسامية التي تستخدمها بعض المنظمات تطرح تساؤلات كثيرة حول تأييد هذه المنظمات لعدم شرعية سياسة اسرائيل في المناطق فقط، وليس بالضرورة تأييد ضعضعة وجود اسرائيل عموما.

فيما يتعلق بالتمويل، من المهم عمل فصل آخر بين نوعين من المنظمات في الشبكة. النوع الاول يتم تمويله من صناديق ومؤسسات دينية ومن تبرعات خاصة للمسلمين في أرجاء العالم. أما النوع الثاني الذي يهتم بحقوق الانسان بشكل عام، فيتم تمويله من قبل حكومات اجنبية.

التمويل المذكور أعلاه يُمكن الشبكة من العمل في مجالين اساسيين في محاولة لجعل اسرائيل تكف عن سياستها الحالية. في المجال الاقتصادي تحاول الشبكة المهاجمة من الناحية القضائية للشركات والاتحادات والمستثمرين الذين توجد لهم اعمال في اسرائيل وصفقات معها، وذلك من خلال تشويه الحقائق والمعطيات حول الصلة بين الاستثمار في اسرائيل وبين حقوق الانسان. اضافة الى ذلك، تعمل الشبكة من اجل سياسة الوسم والعزلة ومقاطعة البضائع التي تنتج في "يهودا والسامرة". وعلى الصعيد الاكاديمي تطلب لشبكة فرض المقاطعة على المؤسسات الاكاديمية في اسرائيل، ويشمل ذلك التعاون في البحوث، بزعم أن الاكاديمية الاسرائيلية تتعاون مع السلطات الاسرائيلية وتسهم في احتلال المناطق. وتسعى منظمات الـ "بي.دي.اس" الى العمل في دول مختلفة من خلال اربعة انماط عمل رئيسة: عن طريق اللوبيات أمام الحكومات والسياسيين، وعن طريق الكنائس على اعتبار أنها مؤسسات تمثل الاخلاق، وعن طريق المؤسسات الاكاديمية من خلال تمويل وارشاد الطلاب الفاعلين، وعن طريق الشبكات الاجتماعية في محاولة للتأثير على الرأي العام والنقاش الجماهيري.

 

هل تؤثر المقاطعة على الاقتصاد والاكاديميا في اسرائيل؟

المجال الاقتصادي:

في شهر حزيران 2016 نشر موقع "بلومبرغ" نتائج البحث الذي جاء فيه أنه لا يوجد أي تأثير لحملة الـ "بي.دي.اس" على الاقتصاد الاسرائيلي. في البداية جاء أنه في العام 2015 تم التوصل الى الذروة في استثمارات السكان في خارج البلاد (285 مليار دولار)، وهذا يشمل ايضا استثمارات اجنبية مباشرة. وهذا المبلغ هو ضعف المبلغ تقريبا في العام 2005 (147 مليار دولار)، وهو العام الذي تم فيه انطلاق الـ "بي.دي.اس". وتتحدث معطيات المكتب المركزي للاحصاء عن زيادة تدريجية ولافتة في الـ 12 سنة الاخيرة، رغم محاولات حملة المقاطعة اقناع المستثمرين بسحب استثماراتهم من اسرائيل.

الزيادة اللافتة في الاستثمارات الاجنبية في اسرائيل في العام 2015 سجلت في الهاي تيك، حيث ان  708 صفقات "ستارت أب" نجحت في تجنيد 4.43 مليار دولار (زيادة بنسبة 30 في المئة مقارنة مع العام الماضي الذي سجل رقما قياسيا ايضا). ومن اجل المقارنة، فانه في العام 2005 الذي أطلقت فيه حملة الـ "بي.دي.اس"، نجحت الشركات الاسرائيلية في تجنيد مبلغ 600 مليون دولار فقط.

هناك معطى آخر يؤكد عليه بحث بلومبرغ يتعلق بمحاولة الـ "بي.دي.اس" فرض المقاطعة على الشركات الاسرائيلية والروسية التي تعمل خلف الخط الاخضر. وفي السنوات الثلاثة الاخيرة منعت عدة صناديق اوروبية واميركية أي تعاون مع الشركات التي تعمل في هذه المناطق. وجاء في موقع بلومبرغ أنه في السنوات الثلاثة الاخيرة لم يتم تسجيل أي تغيير سلبي في ارباح هذه الشركات مثل "افريقيا– اسرائيل" وبنك العمال، التي لم تتغير سياستها بخصوص العمل في المناطق. في السنوات الثلاثة الاخيرة لم يسجل ايضا أي تغيير سلبي في التصنيف العالي والتوقعات المستقرة والايجابية لدولة اسرائيل من قبل شركات الاعتماد الرائدة في الاقتصاد العالمي، الامر الذي يعني أن الاقتصاد الاسرائيلي ما زال يحظى بالمصداقية العالية من قبل جهات دولية مخولة، رغم محاولات الـ "بي.دي.اس" ضعضعة هذه المصداقية. ويشار الى أن هذا التصنيف أعطي للاقتصاد الاسرائيلي بفضل السنوات الـ 13 الاخيرة التي سجلت خلالها نسبة نمو ايجابية ومستمرة، أعلى من متوسط الدول الصناعية المتقدمة. ويشار الى أن التباطؤ النسبي في النمو في العامين الاخيرين هو نتيجة الركود العالمي وتراجع اسعار النفط، وليس نتيجة لمحاولات مقاطعة الاقتصاد الاسرائيلي، كما يزعمون. والدليل كما يتبين من معطيات البنك الدولي، هو أن النمو المنخفض سجل في العامين الاخيرين ايضا في الدول المتقدمة مثل المانيا والولايات المتحدة وجميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الـ "OECD".

ومن اجل التوقف عند السؤال حول الضرر الذي تتسبب به محاولات مقاطعة الاقتصاد الاسرائيلي، تمت مراجعة معطيات التصدير الاسرائيلي الى الولايات المتحدة واوروبا، حيث تعمل هناك حملة الـ "بي.دي.اس" بشكل فاعل. وبالنسبة للتصدير الاسرائيلي الى اوروبا فان التجارة بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي تتم في اطار اتفاق التجارة الحرة الذي تم التوقيع عليه في العام 1995، ويمنح التسهيلات والاعفاء من الضريبة على قسم كبير من التصدير الاسرائيلي الى دول الاتحاد. ولكن في اعقاب خلاف ظهر في حينه، وقبل نشوء موضوع المقاطعة، فان الاتحاد الاوروبي لم يعتبر المنتجات التي يتم انتاجها خلف الخط الاخضر هي منتجات "اسرائيلية". لذلك فهي لا تحظى بالامتيازات الضريبية. ويتبين من معطيات مكتب الاحصاء المركزي منذ العام 2005، حيث بدأت حملة الـ "بي.دي.اس"، حتى الآن، يتبين أنه قد حدثت تغيرات معتدلة فقط في التصدير الاسرائيلي الى الاتحاد الاوروبي.

وبخصوص التصدير الاسرائيلي الى الاتحاد الاوروبي تجدر الاشارة الى قرار الممثلية الاوروبية من شهر تشرين الثاني 2015 بخصوص وسم منتجات المستوطنات على أنها من "انتاج الضفة الغربية (مستوطنة اسرائيلية)". ويشار في هذا السياق الى أن موضوع وسم المنتجات تمت مناقشته في بداية العقد الماضي، وقبل تبلور حملة الـ "بي.دي.اس"، كاستمرار مباشر للسياسة الاوروبية في كل ما يتعلق بموضوع المستوطنات، الذي ينعكس في اتفاق التجارة الحرة. اضافة الى ذلك، من المهم قياس قرار الممثلية في اطاره الصحيح. اولا، حجم التصدير من المستوطنات الى الاتحاد الاوروبي يبلغ 1.47 في المئة فقط من اجمالي تصدير اسرائيل الى هناك. ثانيا، يجب علينا تذكر أن وسم المنتجات لا يعني المقاطعة، بل هو نوع من التصنيف فقط. والمستهلك الاوروبي يشتري حسب الجودة وليس حسب التصنيف أو مكان التصنيع. والدليل على ذلك أنه لم يتضرر التصدير الى هذه الدول. وهذا بفضل الجودة والسعر قياسا بمنتجات دول اخرى.

إن التصنيف والوسم من شأنه أن يزيد من شراء المنتجات الاسرائيلية من قبل الجاليات اليهودية. والتصنيف ايضا قد يعطي "شهادة صلاحية اخلاقية" للمنتجات الاسرائيلية التي لا يتم انتاجها خلف الخط الاخضر، وحمايتها من أي مقاطعة مستقبلية. لذلك يبدو أن التأثير الاقتصادي لموضوع وسم المنتجات ليس جوهريا والتأثير سيبقى في المستوى الشخصي.

إن وسم المنتجات ليس له تأثير فعلي، إلا أنه ينطوي على بعد نفسي قد يدفع الشركات الاسرائيلية التي تنتج خلف الخط الأخضر الى نقل مصانعها الى داخل اسرائيل، من اجل تجنب الضرر الاقتصادي المحتمل مستقبلا. وقد اتخذت شركة "صودا ستريم" هذه الخطوة في السابق، و"يكافي بركان" ايضا، حيث تم نقل المصانع من معاليه ادوميم واريئيل الى رهط وخولدا. لكن اذا تكرر هذا الامر في المستقبل فانه سيضر بعشرات آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية الذين يعملون في هذه المصانع الموجودة في المناطق الصناعية الثمانية الموجودة في مناطق (ج). ونقل مصنع "صودا ستريم" من معاليه ادوميم الى رهط أدى الى اقالة ألف فلسطيني كانوا يعملون في المصنع بأجر 5– 6 آلاف شيقل شهريا. وسيضطر هؤلاء العمال الفلسطينيون الى البحث عن عمل في الضفة الغربية التي نسبة البطالة فيها عالية والاجر الشهري يبلغ فيها 1500 شيقل فقط.

فيما يتعلق بتصدير اسرائيل الى الولايات المتحدة، يشار الى أن التجارة بين الدولتين تتم في اطار اتفاق تجارة حرة تم التوقيع عليه في العام 1985، وهو لا يميز بين منتجات اسرائيل ومنتجات المستوطنات. وحسب معطيات مكتب الاحصاء المركزي أظهر استطلاع أن التصدير الاسرائيلي الى الولايات المتحدة يوجد بشكل عام في حالة صعود مستمر خلال الـ 12 سنة الاخيرة. وأن قيمته بالدولار في حالة صعود.

على الرغم من ذلك يزعم مؤيدو الـ "بي.دي.اس" أن العام 2015 كان أقل نجاحا بالنسبة للتصدير الاسرائيلي الذي تقلص بنسبة 7 في المئة مقارنة مع العام 2014. وانخفض سعر الدولار للتصدير الاسرائيلي الى الاتحاد الاوروبي بـ 15 في المئة. ايضا تراجع التصدير الى اميركا اللاتينية بـ 25 في المئة، والى افريقيا بـ 23 في المئة. ولكن المعهد الاسرائيلي للتصدير يعتقد أن هذا التوجه السلبي ينبع من الطلب العالمي القليل في اعقاب ضعف هذا الاقتصاد في العام 2015 والتراجع الحاد في اسعار البضائع والتراجع في العملات مقارنة بالدولار. وليس من محاولة مقاطعة البضائع الاسرائيلية. ومن دون هذه التأثيرات الاستثنائية كان يمكن أن يحافظ التصدير الاسرائيلي على استقرار مقارنة مع العام الماضي وخصوصا في دول الاتحاد الاوروبي. اضافة الى ذلك يجب ملاحظة التراجع الحاد الذي طرأ على التصدير الاسرائيلي الى افريقيا واميركا اللاتينية، التي لا يوجد فيها نشاط لـ "بي.دي.اس" تقريبا. وفي المقابل، سجل التصدير الاسرائيلي الى دول آسيا زيادة بلغت 15 في المئة، حيث تتحول آسيا الى سوق كبيرة أكثر فأكثر. لذلك فان اسرائيل تحاول تصدير المزيد من البضائع الى هناك، واحيانا على حساب اوروبا. ويتوقع أن يزداد التصدير الاسرائيلي في السنوات القادمة الى آسيا ويتراجع في المقابل التصدير الى اوروبا، دون صلة بالـ "بي.دي.اس".

السبب الرئيس لعدم نجاح حملة الـ "بي.دي.اس" في الحاق الضرر بالتصدير الاسرائيلي يكمن في طابع هذه الحملة، ووجود صناعات اسرائيلية تُستخدم في الانتاج مثل اجهزة "انتل" التي تُنقل الى ماليزيا من اجل تركيبها.

يمكن القول إنه على الرغم من عدم تأثر التصدير الاسرائيلي بحملة "بي.دي.اس"، إلا أنه من دون حملتها كان يمكن أن يكون التصدير أعلى وافضل. ايضا توجد صعوبة في قياس التأثير النفسي للحملة على الشركات الدولية التي فحصت أو تفحص امكانية الدخول الى السوق الاسرائيلية، لكنها تمتنع عن ذلك بسبب عدم الرغبة في ادخال "رأس سليم الى سرير مريض" والمغامرة بأمور غير واضحة مستقبلا.

 

المجال الاكاديمي:

إن محاولات جهات كثيرة وعلى رأسها "بي.دي.اس" فرض مقاطعة اكاديمية على اسرائيل تعتمد على كون الاكاديميا هي مكان لتجمع اصحاب المواقف الليبرالية وتأييد حقوق الانسان. وكذلك توفير الارضية الخصبة للتأثير على جيل الاستمرار لمتخذي القرارات المحليين وعلى مواقف الشباب اليهود.

على مدى العقد الاخير قررت اتحادات كثيرة مثل اتحاد الطلاب في الولايات المتحدة واتحاد الانثروبولوجيين الاميركيين تبني دعوات الـ "بي.دي.اس" وقطع العلاقة مع الجامعات الاسرائيلية. وبالنسبة للاتحاد البريطاني، نشر الجسم الذي يوحد 133 جامعة في بريطانيا اعلانا يرفض فرض المقاطعة على التعاون بين الجامعات البريطانية والجامعات الاسرائيلية، هذا التعاون الذي تطور في السنوات الاخيرة ويعود بالفائدة الكبيرة على الطرفين. مثل المقاطعة الاقتصادية، هذه الحالات تمثل اغلبية محاولات مقاطعة اسرائيل اكاديميا، ضجة كبيرة لكن التأثير محدود.

تحاول الـ "بي.دي.اس" الحاق الضرر بالتمويل الاجنبي للجامعات الاسرائيلية، لكن معطيات كثيرة تؤكد وجود زيادة في حجم التبرعات والمنح للبحث والتطوير للجامعة العبرية في القدس وجامعة بن غوريون في النقب.

البروفوسور بوعز غولاني، نائب رئيس العلاقات الخارجية في التخنيون يقول إنه رغم وجود زيادة كبيرة في نشاط الـ "بي.دي.اس" في السنوات الاخيرة، خصوصا في الساحل الغربي من الولايات المتحدة، ليس فقط أنه لم يكن هناك تأثير سلبي على التبرعات والمنح التي وصلت الى التخنيون، بل ايضا يوجد تأثير ايجابي حيث أن الكثير من الجهات الخارجية ترغب في التبرع للجامعة كنوع من التضامن مع دولة اسرائيل، أو كخطوة احتجاجية على محاولة المقاطعة. ويقول البروفيسور غولاني ايضا إنه سجل رقما قياسيا في العقد الاخير في التعاون مع الجامعات ومؤسسات البحث الاجنبية (أكثر من 200)، وفي بعض الحالات تم رفض طلبات التعاون بسبب غياب القوى البشرية والميزانيات. وفي العامين الاخيرين تضاعف عدد الطلاب الاجانب في التخنيون ووصل الى 250، القليل منهم من اليهود. وهناك معطيات مشابهة جاءت من جامعة تل ابيب التي ضاعفت عدد الطلاب الاجانب في السنوات الخمس الاخيرة من 780 طالبا الى 1380 طالبا.

يضيف البروفوسور غولاني بأن حملة "بي.دي.اس" ليس فقط أنها لم تضر بالتخنيون، بل فتحت أمامه نافذة فرص لتوسيع التعاون ما وراء البحار. وبدلا من اعتماد طريقة دفاعية طور التخنيون طريقة ناجعة تهدف الى بناء جسور التعاون على اساس الربح والمصالح المشتركة في الاماكن التي يوجد فيها نشاط ناجع لحملة "بي.دي.اس". وقد لاحظت الجامعة وجود نشاط في استراليا من قبل رئيس معهد ابحاث الشرق الاوسط في جامعة سدني، المعروف بتأييده للـ "بي.دي.اس" وكراهيته لاسرائيل. وردا على ذلك توجه التخنيون لرئيس الجامعة في سيدني وبدأ بالتعاون الاكاديمي معه في مواضيع الاحياء والفيزياء، وأدى النجاح الكبير الى وجود تغطية اعلامية واسعة، وقامت الحكومة الاسترالية وجهات محلية باستثمار اموال كثيرة في هذه المشاريع. وتسبب اسم التخنيون اللامع الى انتصار ساحق على المقاطعة الاكاديمية ضد اسرائيل.

رغم عدم نجاح حملة الـ "بي.دي.اس" في الحاق الضرر بالاكاديميا الاسرائيلية، من المهم عدم الاستخفاف بالتأثيرات الهادئة والخفية لهذه المحاولات. هناك تخوف من رفض ابحاث اسرائيلية في معاهد ابحاث دولية أو طلبات للحصول على منح للابحاث، بسبب تأييد أجندة "بي.دي.اس" من قبل جهات اجنبية. ويمكن الاختباء وراء ادعاءات مهنية. ورغم هذا التخوف تشير المعطيات التي نشرت مؤخرا أنه من اصل 291 طلبا للمنح التي تمت الموافقة عليها للباحثين الاوروبيين من قبل مجلس الابحاث الاوروبي، فان 24 منها منحت لاسرائيليين. وبهذا تكون اسرائيل في المكان الخامس من بين الـ 23 دولة اوروبية العضو في المجلس، وفي المركز الاول من حيث عدد المنح قياسا بعدد السكان.

تهديد أم خدعة؟

خلافا للمقاطعة التي فرضت على دولة اسرائيل، التي فرضت على جنوب افريقيا في الثمانينيات، فشلت جميع محاولات "بي.دي.اس" في تجنيد دول وزعماء هامين يمكنهم اتخاذ قرارات فعلية والحاق الضرر بالعلاقات الاقتصادية والاكاديمية المؤسساتية مع دولة اسرائيل. ومن هنا ينبع ضعف هذه الحملة الاساس. لقد حدثت هذه الامور بشكل معاكس، حيث إن رؤساء الحكومات في العالم يستمرون في التنديد بأساس الحملة والمضامين التي تقوم باستخدامها. وذروة العملية كانت حين صادقت 11 ولاية في الولايات المتحدة على قوانين تمنع نشاطات "بي.دي.اس" بمستويات مختلفة. ورغم الطابع غير الحكومي للحملة حتى الآن، لم يسجل أي حدث حقيقي قام خلاله اتحاد مهني أو منظمة غير حكومية مؤثرة بفرض مقاطعة على اسرائيل. وخلافا لهذه المعطيات فان جهات محلية، سياسية واعلامية، تصف حملة "بي.دي.اس" في العامين الاخيرين بالتهديد الوجودي لدولة اسرائيل. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يحدث ذلك؟

أولا، يمكن القول إن الضجة الكبيرة التي تسببها الحملة تؤثر نفسيا على الجمهور في اسرائيل وعلى وسائل الاعلام المحلية، التي تقوم بقياس نجاح الحملة حسب نسبة المشاهدة، وليس حسب قدرتها على الاضرار باسرائيل. ويمكن أن هذا التضليل النفسي يكمن في الخشية من ازدياد المواقف السلبية في العالم ضد اسرائيل وسياستها. والخشية من مقاطعة هادئة يتم منع الاجانب من خلالها من بناء علاقات مع جهات اسرائيلية في مجالات عديدة، بسبب الخوف من المترتبات على ذلك مستقبلا. ولكن يتبين في الاستطلاعات التي أجريت مؤخرا في الولايات المتحدة بشكل خاص، أنه لم يسجل أي تغيير في الرأي العام المحلي تجاه اسرائيل في السنوات الـ 12 الأخيرة.

ثانيا، يجب طرح سؤال نظري وهو: من هي الجهات المستفيدة من اعتبار الـ "بي.دي.اس" تهديدا وجوديا لدولة اسرائيل؟ اطراف محسوبة على اليسار توجد لها فائدة، من جهة، حيث تستخدم الحملة من اجل انتقاد الحكومة التي لا تهتم بهذه الحملة بالشكل الكافي. فمنذ عام لا يوجد لاسرائيل وزير خارجية بوظيفة كاملة، يمكنه تسخير جهوده لمواجهة هذه الحملة.

من جهة اخرى تستفيد من هذا التصنيف جهات محسوبة على اليمين. وذلك للأسباب المذكورة في كتاب البروفوسورة روت فوداك من جامعة لنكستر التي وضعت مصطلح "سياسة الخوف"، كتعبير عن أمر أصبح منتشرا في السياسة الدولية. هذه العملية تصف استخدام جهات سياسية للتخويف من اجل جعل الجمهور يصوت بطريقة معينة، أو تأييد سياسة لم يكن يؤيدها. هذه الاستراتيجية تنبع من حقيقة أن وجود التهديد الوجودي لرفاه الجمهور وحياته، تدفعه الى الرد بشكل عاطفي والكف عن انتقاد سياسات معينة وتشجيع الانغلاق. وكلما زاد الشعور بالخوف كلما صوت الجمهور بشكل أكبر للقوى السياسية القومية، التي تستطيع، حسب رأيه، مواجهة هذا الامر. لذلك وعلى خلفية الصلة بين الجهات الحكومية وبين وسائل الاعلام الاسرائيلية، يمكن التساؤل فيما اذا كان اعتبار حملة "بي.دي.اس" تهديدا وجوديا يعود بالفائدة السياسية على جهات معينة.

على الرغم من أننا أثبتنا من خلال هذا المقال أن الضرر الذي تسببت به حملة "بي.دي.اس" لاسرائيل ليس كبيرا، إلا أنه لا يجب علينا الاستخفاف بامكانية ازدياد تأثير الحملة مستقبلا. وهذا الامر يستوجب أن تكون جهات اسرائيلية مختلفة متابعة للحملة بشكل يومي، وتطوير العلاقات مع دول العالم بشكل مستمر للرد على هذه الحملة. وطالما أن الحكومة ليس لها أي صلة بالحملة، فمن الافضل ترك المنصة "للدبلوماسية المدنية" وللمنظمات الاجتماعية وغير الحكومية، من اجل عدم وصول الصراع الى الساحة الرسمية. من المهم ايضا أن تستمر اسرائيل في احداث التغيير لدى حكومات العالم من خلال تصدير التطور التكنولوجي وتقديم الدعم وايجاد مشاريع ومبادرات مشتركة، تسمح لهذه الحكومات بتحسين وضعها ورفع مستوى حياة مواطنيها.