عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 06 آذار 2017

اعتراف الدولة بحقوق سكان لفتا يبث الأمل في الأحياء الاخرى

هآرتس - بقلم: نير حسون

تم التوصل الى اتفاق تاريخي بين الدولة وبين سكان لفتا – العائلات الـ 11 التي تعيش في القرية على مداخل مدينة القدس التي سيتم اخلاؤها خلال ثلاثة اشهر من المنازل التي عاشوا فيها منذ الخمسينيات، مقابل دفع تعويضات تساوي قيمة المنازل والاراضي. معنى هذا الاتفاق الذي تم التوقيع عليه أمس (الاول) في بلدية القدس هو اعتراف أول في نوعه أن الدولة هي التي تتحمل المسؤولية عن اسكان العائلات في الخمسينيات في المنازل المهجورة التي تم ترتيب اوضاعها.       

لقد تم التوصل الى هذا الاتفاق في أعقاب نضال جماهيري وقانوني بدأ قبل تسع سنوات، في اليوم الذي قدمت فيه سلطة اراضي اسرائيل دعاوى الاخلاء التي اعتبرت سكان المنطقة الذين يعيشون فيها منذ خمسين سنة "معتدين". ولم يتم الكشف عن التفاصيل الكاملة للاتفاق خشية من أن يتحول الى سابقة بالنسبة لمئات السكان الذين يوجدون في الاحياء التي يتم ترتيب وضعها في أرجاء البلاد، لكن الامر الاساسي فيه هو أن يتم اخلاء العائلات بالاتفاق من اجل هدم المنازل لتوسيع الشارع في مدخل مدينة القدس. "لقد قدموا دعاوى ضدنا كمعتدين ونحن سنخرج مثل الطلائعيين"، قال يوني يوحنان، من سكان الحي، وهو الذي قاد النضال باسم السكان. في أعقاب نجاح المفاوضات بين الدولة وبين سكان لفتا، طلب الوزير موشيه كحلون من يوحنان أن يكون مستشاره لشؤون مئات السكان في الاحياء غير المرتبة اوضاعها"، قال لي كحلون إنه لو نجح في تخفيض اسعار الشقق السكنية بنسبة 50 في المئة، لما كان مسرورا بهذا القدر بسبب نتيجة هذا الاتفاق".

فقط ليس "معتدين"

قضية "السكان دون عقد"  تقض مضاجع آلاف الاسرائيليين منذ عشرات السنين. وقد بدأت المشكلة عند الاستيلاء على عشرات آلاف المنازل والاراضي التابعة للاجئين الفلسطينيين الذين هربوا أو طردوا في حرب الاستقلال. عدد كبير من البيوت في الحاضرات والكيبوتسات، وفي جزء من الاحياء المدنية، تم نقل سكان جدد اليها حسب القانون. وتم تسجيل هذه الاملاك بأسمائهم. ولكن في حالات كثيرة مثل حالة لفتا، جفعات عمال وكفار تسليم وحي الارجزيم والحي اليمني في عين كارم وغيرها، تم اسكان قادمين شرقيين فيها بدون ترتيب حقوقهم في هذه البيوت. وفي عشرات السنين الماضية دخلت الدولة والسكان ورجال الاعمال الخاصين في صراعات قانونية وجماهيرية شديدة، حيث طالبت الدولة ورجال الاعمال باخلاء السكان من اجل السير في خطط البناء.

لقد اعتبر القانون هؤلاء السكان "معتدين". وحقيقة أنهم سكنوا هناك بدعم من الدولة والوكالة اليهودية، وأنهم سكنوا في البيوت لعشرات السنين، لم تغير مكانتهم القانونية. وهكذا حدث ايضا في لفتا التي قامت الدولة والوكالة اليهودية باسكان العائلات فيها من كردستان واليمن في العام 1951. وقد عاش السكان هناك في ظروف صعبة، بدون كهرباء وبدون مياه أو حوانيت لسنوات طويلة. وفي الستينيات غادر معظم السكان مقابل تعويض قليل، وبقيت في المكان 13 عائلة في المنازل القريبة من الشارع. وفي العام 2009 حصل السكان على أوامر الاخلاء. "أساس الدعوى: رفع اليد. المدعى عليه مقتحم وليست له أي أحقية"، هكذا جاء في أوامر الاخلاء.

وقال يوحنان لصحيفة هآرتس في 2012 "بعد بضعة ايام من حصولنا على الدعاوى التقينا في الكنيس. كان الجميع يطأطئون الرؤوس خجلا. هؤلاء اشخاص فخورون، يبلغون الثمانين من اعمارهم، انهار عالمهم. وهناك من قالوا لي: نحن نتنازل عن المنزل فقط مقابل ألا يصفوننا بالمعتدين". واضاف: " لم أرغب في أن أموت أهبل، وقبل كل شيء اشتريت برنامج قرارات الحكم وبدأت القراءة. قرأت حوالي ألف قرار حكم، ولم أجد حتى لو قرار واحد اعترفت فيه المحكمة بهذه الحقوق. كنت أصحو وأنا متعرق، وقلت للمحامي إننا ضعنا".

بدأ يوحنان في بحث شامل عن لفتا وعن مكانة السكان بدون حقوق. واثناء البحث اكتشفت في الارشيفات عدد من الوثائق الهامة التي سلطت الضوء على الجهاز التمييزي الذي اتبعته الدولة في تقسيم البيوت. الوثيقة الاهم التي وجدها "أوامر للحصول على رسوم الرخصة في الاملاك المدنية لسلطة التطوير" من العام 1955. وتشمل الوثيقة اجراءات للحصول على حقوق على البيوت المهجورة، وايضا بند يقول إن السكان الذي سكن في العقار قبل 15 آذار 1953 يحق له الحصول على عقد يرتب حقوقه في البيت. وخلافا للسكان في الاحياء الفاخرة، البقعة والطالبية، الذين حصلوا على البيوت من الدولة، فإن سكان لفتا واماكن اخرى لم يعرفوا بوجود هذا البند. وادعت الدولة في المحكمة أن البند نشر، والدليل هو صفحة من صحيفة "دفار" نشر فيها نبأ صغير يطلب من السكان ترتيب ملكيتهم للبيت.

 

اكتشاف هذه الوثيقة وغيرها وضعت الدولة في مشكلة، وفي أعقاب ذلك تم تجميد الاجراءات القانونية ضد السكان. ولكن في الوقت الحالي صادرت بلدية القدس الارض التي توجد عليها اغلبية البيوت من اجل مشروع توسيع شارع الخروج من القدس. في العام 2014 قدمت البلدية دعوى اخلاء جديدة ضد السكان بناء على الادعاءات القديمة. قاضي المحكمة المركزية اهارون فركش ألمح للبلدية أنه يفضل التوصل الى اتفاق، وقام بتعيين مخمنة من قبل المحكمة لتقدير قيمة البيوت. لكن المفاوضات مع البلدية تفجرت بعد ان اقترحت تعويض قليل يبلغ 100 ألف شيقل للعائلة مقابل البيت.

في هذه المرحلة توجه يوحنان الى الجهاز السياسي لطلب المساعدة. والتقى مع عضو الكنيست دودي أمساليم من الليكود، رئيس لجنة الداخلية في الكنيست، وفي اعقاب ذلك حدد امساليم نقاش في اللجنة في كانون الثاني 2016. ممثلة سلطة اراضي اسرائيل روت افرايت دافعت في النقاش عن دعاوى الاخلاء: "حقيقة أنهم غير مرتبين تقول انهم بدون حقوق، لأنه كلما كانت لهم حقوق كلما تم اسكانهم هناك من قبل جهات سكانية، وكان من الممكن ترتيب حقوقهم". رئيس اللجنة امساليم اعلن انه اذا لم يتم حل هذه المشكلة فسيقدم اقتراح قانون في هذا الامر.

في اعقاب تدخل الكنيست، دخل الى الصورة الوزير كحلون ورئيس هيئة الاركان افيغدور اسحقي وبدأت مفاوضات جديدة مع السكان. الانطلاق في المفاوضات تحقق بفضل وثيقة جديدة حصل عليها يوحنان. في اعقاب محادثة مع احد القدماء في المنطقة، اكتشف أنه في عام 1958 تم استفتاء السكان في لفتا. قبل نصف سنة وجد هذا الاستفتاء المكتوب بخط اليد وفيه اسماء جميع السكان الذين يعيشون في المنطقة الآن. كان هذا دليلا قاطعا على الاقدمية التي لهم. وفي اعقاب ذلك اعتقد ممثلو المالية انه اذا استمر النقاش القضائي فالسكان سيفوزون.

في احدى العقبات في المفاوضات التقى يوحنان مع وزير المالية. "في أحد اللقاءات قال لي كحلون لماذا لا تذهب الى المحكمة؟ لديك جميع الوثائق ولديك ملف قوي. عندها قلت له جملة هامة – أن والداي توفيا وهما يعرفان أن الدولة تصفهم بالمعتدين. قلت له أنا افضل الحصول منك على مليون شيكل أقل لأنني اريد اعتراف الدولة. عندما تتحملون المسؤولية سأذهب الى المقبرة وأعتذر من والدي باسمكم، وهكذا ينتهي الامر".

 بعد اللقاء بفترة قصيرة قدم المستشار القانوني لسلطة اراضي اسرائيل، المحامي يانكي كوينت، اقتراح محسن للاتفاق. وتم تحقيق التقدم في المفاوضات. ميزانية تمويل الاتفاق ستبلغ في معظمها من وزارة المالية وسيتم توقيع الاتفاق بين العائلات والبلدية. أمس صادق مجلس بلدية القدس على الاتفاق، وسيتم عرضه على المحكمة للمصادقة. وحسب الاتفاق فان على السكان مغادرة بيوتهم حتى شهر حزيران القادم مقابل تعويض سخي.

الجهات التي لها صلة بهذا الامر، تعتبر أن للاتفاق تأثير على احياء اخرى في ارجاء البلاد، رغم أنه في معظم الحالات يكون الموضوع اكثر تعقيدا بسبب وجود سكان جدد نسبيا دخلوا قبل عشرين سنة أو أقل.

إن سكان لفتا يتألمون بسبب الانتقال وتفكيك الجالية. "الموضوع ليس موضوع مال"، قال منشه موشيه، احد السكان القدماء في لفتا والذي يعيش مع زوجته على بعد امتار من الشارع على مدخل المدينة. "الانتقال في سن كهذه بعد كل هذه السنين، اشعر أنني غير قادر على ذلك". "انت ستجد بيت لا تقل"، قال له يوحنان.

"بالنسبة لي هذا اليوم هو يوم تاريخي"، قال عضو الكنيست امساليم ردا على المصادقة على الاتفاق. "سكان لفتا ناضلوا بكل قوتهم كي لا يسمونهم معتدين، وهم على حق. الحديث يدور عن اصلاح اجحاف تاريخي لطلائعيين جاءوا في الخمسينيات من اجل الدفاع عن القدس باجسادهم".

المحامي موتي حزيزا الذي مثل البلدية قال "اجراءات المصادرة من اجل المصلحة العامة في لفتا هي من بين الملفات الاكثر تعقيدا، التي انتهت في المحكمة المركزية في القدس. الحديث هو عن حاجة ضرورية وحيوية لمواطني دولة اسرائيل لتوسيع شارع رقم 1".