عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 04 آذار 2017

النقاش الناقص

معاريف – أودي سيغال

في نهاية كل فوضى تقرير مراقب الدولة في موضوع الجرف الصامد يوجد الثقب في نهاية النفق. وهذا الثقب يسمى غزة. مثل الزفت على شاطئ البحر تلتصق غزة باسرائيل ولا تفلت. فهي مصدر المشاكل، جذر المشكلة، تشكيل دفيئة وقدر للظواهر الاصعب والاكثر تهديدا على الفلسطينيين وعلى اسرائيل. هذه ليست مشكلة لنا بل هي مشكلتنا.
فك الارتباط عن غزة قبل اكثر من عقد لم يكن كاملا ولعله لن يكون كاملا أبدا، لان غزة لن تعرف نفسها ككيان منفصل الا بالنسبة لاسرائيل فقط. ولما كانت كذلك فهي تستمد منها جزءا كبيرا من هويتها. يكاد لا يكون هناك شاب اسرائيلي لم يسأل نفسه ما الذي يريده الغزيون منا، لماذا يطلقون الصواريخ ولماذا لا يتركوننا لحالنا؟ تكاد لا تكون هناك شابة اسرائيلية لم تجرب فهم منطق منظمة مثل حماس، تستثمر معظم مقدراتها لانتاج الصواريخ الرامية الى قتل المدنيين، وعلى الانفاق الرامية الى اطلاق خلايا "المخربين".
الجواب البسيط، السهل والصحيح هو أنهم حقا يوظفون جهدهم في "الدمار والارهاب"، نقطة. ولكن بعد النقطة يوجد هلالان. مثلا أن جزءا من سكان غزة هم عرب غادروا بعد أن طردوا اثناء حرب الاستقلال كجزء من مواجهة مفتوحة بين العرب واليهود. وهم يعيشون في مخيمات لاجئين بائسة. خلقها الفلسطينيون كأداة للمسكنة المنظمة، ولكن يوجد هناك بعض ممن يحلمون بالبيوت التي تركوها في عكا، في يافا وفي الرملة، واصبحت ممتلكات عقارية مدرة للربح في دولة اليهود. هذا لا يتركهم وهم لا يتركوننا. الظلم الذي احيق بهم برأيهم هو جزء من وقود الحرب التي لا تنتهي.
ثمة هناك أيضا من يريدون فقط قتل اليهود انطلاقا من الايديولوجيا، ثمة من يريدون تصفية اسرائيل كجزء من خطة النهضة الوطنية، ثمة من يعد هذا رزقا مفيدا ومجديا لهم، حتى لو كان معظم "المخربين" لا يعتزلون عالم "الارهاب" في شيخوخة صالحة.
ولكن لماذا نشغل البال بالحقائق؟ لان هذا ما يوجد هناك، خلف الحدود. السؤال الاهم هو ما نفعله نحن بهذا. القسم الاهم في تقرير مراقب الدولة في موضوع الجرف الصامد هو أن ليس لاسرائيل استراتيجية في موضوع غزة. ليس لها نوايا ومرامي بعيدة المدى، ليس لها خطط عملية وبالاساس ليس لها جواب ابداعي. لماذا هذا مهم؟ لانه من دون هذا يكاد لا يكون اي تغيير في سير الجولة التالية.
يقول تقرير الامم المتحدة انه بعد ثلاث سنوات لن يكون ماء للشرب في غزة. اليوم أيضا يوجد نهل زائد من الخزان الجوفي ومسيرة متسارعة من ملوحة المياه الجوفية. كل من يهمس الان "يستحقون هذا، فليشربوا ماء البحر حتى يعطسوا"، يجب ان يقرأ ذاك القسم في التقرير الذي قيل فيه بصراحة ان تشديد الضغط الاقتصادي والانساني في القطاع سرع المواجهة. صحيح، هذا الشتاء كانت تظاهرات ضد حماس بسبب انقطاع الكهرباء، ولكن حماس قمعتها بيد شديدة لأنها دكتاتورية صرفة، وعلى الفور سمحت باطلاق بضعة صواريخ كي تنقل الضغط الى اسرائيل. هذا بشع، ولكن هذا هو الموجود.
عندما لن يكون هناك ماء للشرب في غزة، هل يعتقد احد ما بان سكان القطاع سيجرون حسابا للنفس ويتوصلون الى الاستنتاج المنطقي بان حماس "سافلة" وانه حان الوقت لان تقام أخيرا حركة السلام الان الفلسطينية، التي تطلق رسائل المصالحة الى ما وراء الجدار؟ السيناريو المعقول، او بلغة الجيش: طريقة العمل الممكنة، سيكون الهجوم الجماهيري من المواطنين العطشى على الجدران، بتشجيع من حماس. فهل سيطلق جنود الجيش الاسرائيلي النار عليهم جميعا بالمدافع الثقيلة؟ هي ستستقبل هذه الصورة بشكل ايجابي في ارجاء العالم، حتى في اوساط المحافظين الصقور بقيادة دونالد ترامب في الولايات المتحدة؟
النقاش الاول الذي يتوجب على الكابينت ان يجريه هو بشأن سيناريو الماء في غزة. ما العمل اذا ما وعندما، واهم باضعاف – ما العمل الان؟ كيف نمنع اندلاع انتفاضة الماء؟ كيف نستخدم الضائقة لتحقيق مرامي اسرائيل؟ هذا هو النقاش الناقص: ماذا تريد اسرائيل ان يحصل في غزة؟

 
غزة أولا
بارقة أمل انطلقت عندي في بداية الاسبوع، قبل لحظة من اقلاع طائرة رئيس الوزراء الى استراليا. لأسفي، فان اصدقاءنا المقربين في القارة البعيدة لم يعرضوا اراضيهم الصحراوية كأرض لجوء للدولة الفلسطينية، ولكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عاد مفعما بالثقة من لقاء وزيرة الخارجية الاسترالية جولي بيشوب. ماذا تقصد عندما تتحدث عن دولة فلسطينية، سألته بيشوب، وفي رده انتقل نتنياهو للحديث عن شرطه الجديد: الا تقوم دولة فلسطينية الا اذا اتيح لاسرائيل الابقاء على السيطرة الامنية في كل اراضيها. بيشوب، التي فهمت بان هذا موقف ليست فيه امكانية مناورة، سألت اذا لم يكن هناك خيارات اخرى، كنقل الصلاحيات الامنية بعد بضع سنوات الى قوات دولية وفي نهاية المطاف الى الفلسطينيين. على هذا اجاب نتنياهو بشعار: غزة أولا. شبعت من القوات الدولية، قال لها، رأيت انها فشلت في كل اختبار في لبنان، في سوريا وفي رفح. اذا كنتم تريدون فيمكن أن نأخذ غزة كنموذج. اختبروا هذا هناك. راجعت رجاله فسألت اذا كان هذا مجرد امتشاق من تحت الابط، احبولة اعلامية أم هي خطة مرتبة. في البداية قالوا ان هذه خطة، ولكن بعد ذلك تلقيت تلميحات بانه ليس مؤكدا ان تكون جرت دراسة معمقة للخطوة السياسية المتجددة. وسارع النائب عومر بارليف لتهنئة نتنياهو الذي تبنى متأخرا خطة وضعها هو وحملت ذات العنوان. وانا ايضا تذكرت اني كتبت ذات مرة هنا عن فكرة جعل غزة مشروع تجريبي للدولة الفلسطينية، للوصول الى السكان واقناعهم بان اسرائيل تريد خيرهم. خلق نموذج من الدولة يشكل موضع فحص واعلام وكاختبار عملي للنوايا والقدرات.
مشكلة نتنياهو هي أنه يحب العناوين جيدا. فهو فنان في خلق الجمل القابلة للاستيعاب وتوفر رافعة لتسويق أفكاره. "غزة أولا" الخاصة بنتنياهو هي في هذه اللحظة مجرد بديل لقول أكثر فظاظة للجهات الدولية انهم سذج، سطحيون وحالمون. جربوا وسترون، يتحداهم نتنياهو. وفي هذه الاثناء أعلنت حماس منذ الان بانها غير مستعدة لدخول قوة أجنبية.
كان يمكن لنتنياهو أن يطبق خطوة سياسية معقدة وابداعية بعد الجرف الصامد. فقد اقترحت عليه تسيبي ليفني التوجه نحو قرار من مجلس الامن. خاف ورفض. وتحدث يائير لبيد عن الاعمار مقابل التجريد. اما نتنياهو فتبنى العنوان وخلق آلية، ولكنه لم يبنِ خطة سياسية يمكن أن يعرضها ويصر عليها. هذا تفويت للفرصة. لا توجد فكرة سياسية ابداعية، يمكنها أن تخلق واقعا أو اعتقادا يتيح الاظهار لاسرائيل كمبادرة. المراقب لم يكتب عن ذلك. ولكن هذا خلل بالتأكيد. لعله الخلل الاهم بينها جميعا.