لا يمكن رشوة الفلسطينيين مقابل الضم
هآرتس– شلومو أفينري

ليست هذه هي المرة الاولى التي أجد فيها نفسي في خلاف مع صديقي العزيز أ.ب يهوشع. فمواقفنا متقاربة في معظم المواضيع السياسية والثقافية، لكن يأسه من حل الدولتين واقتراحه ضم مناطق "ج" لاسرائيل، تبدو لي خاطئة، بل وتحمل في ثناياها أخطار كبيرة.
هناك شيء من السخرية في ذلك، حيث انك قد تضطر احيانا الى الدخول في نقاشات صعبة، ليس مع الخصوم الايديولوجيين، بل مع اولئك القريبين منك في مواقفهم. احيانا تكون جدالات حول ظلال الافكار، لكن في هذه المرة الحديث يدور عن أمر مبدئي وجوهري يتعلق بمستقبل دولة اسرائيل وعلاقتها مع العالم العربي ومكانتها الدولية.
أنا أعرف دوافع اقتراحات يهوشع: إنه محق بادعائه أنه في ظل الظروف الحالية، يصعب تصور تطبيق حل الدولتين في الوقت القريب. لكنه مخطئ بيأسه من الحل العادل الوحيد والممكن للصراع بين الحركتين القوميتين، هذا اليأس يدفعه الى تقديم اقتراحات - رغم نواياه الجيدة بتحقيق الحل ولو بشكل مؤقت- تخطئ الهدف.
السبب الاول الذي يجعلني اعتقد أن يهوشع مخطئ هو افتراضه القائل بأنه اذا قامت اسرائيل بضم المناطق "ج" ومنحت السكان الفلسطينيين حقوق المواطنة (لقد حذر من منحهم حقوق المواطنة والتصويت)، فان ذلك سيخفف من شعورهم بأنهم يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيلي.
من الواضح أن العكس هو الصحيح. فاذا كان الفلسطينيون في مناطق "ج" يستطيعون أن يفكروا بأن وضعهم الحالي، رغم أنه مستمر منذ عشرات السنين، هو وضع مؤقت ومع مرور الزمن ستنتهي سيطرة اسرائيل على حياتهم، فان الضم، حتى لو اقترن بمبادرات انسانية يقترحها يهوشع مثل اعطاء الاقامة، فان هذا سيعمق شعورهم بأنهم سيعيشون دائما تحت السيادة الاسرائيلية. ولا أعرف اذا كان هذا الامر سيشجعهم أكثر على القيام بالعمليات "الارهابية" ومقاومة اسرائيل. لكن الاعتقاد بأنهم سيرحبون بالضم لاسرائيل هو اعتقاد ساذج. الفلسطينيون في مناطق "ج" لا يريدون العيش تحت حكم الاحتلال العسكري الاسرائيلي، ولا كجزء من دولة اسرائيل، لا يمكن رشوتهم بوعود حقوق التأمين الوطني.
السبب الثاني الذي يجعلني اعتقد أن يهوشع مخطئ هو أن اضافة سكان فلسطينيين لاسرائيل سيضعف طابع اسرائيل كدولة الشعب اليهودي القومية. من يريد دولة واحدة بين البحر والنهر يجب أن يؤيد ضم مناطق "ج"، ولكن الذي ما زال يؤمن بفرصة المصالحة والحل التاريخي الوسط بين اسرائيل والفلسطينيين يجب أن يبتعد عن أي خطوة فيها ضم.
السبب الثالث الذي يدفعني للاعتقاد أن يهوشع مخطئ هو أنه يتجاهل حجم المناطق "ج". فهذه المناطق لا تشمل فقط المستوطنات الاسرائيلية والمناطق المحيطة بها. ومن الأجدر النظر الى الخارطة: مناطق "ج" تشمل 60 في المئة من اراضي الضفة الغربية، وتشمل غور الاردن، وظهر الجبل ومعظم سفوح جبل الخليل. وضم مناطق "ج" سيبقي في أيدي الفلسطينيين مساحة ضئيلة جدا من اجل الدولة الفلسطينية المستقبلية، وسيحول ما سيبقى تحت السلطة الفلسطينية الى كانتونات. نفتالي بينيت ومؤيدوه الذين يطالبون بضم مناطق "ج" يعرفون بالضبط ما الذي يريدونه: بعد ضم مناطق "ج" لا توجد فرصة لقيام دولة فلسطينية قابلة للعيش. وهذا الضم هو ممر لضم باقي مناطق الضفة الغربية أو تحويلها الى غيتو فلسطيني يبقى تحت السيادة الاسرائيلية. أنا لا اعتقد ان هذا ما يريده يهوشع.
السبب الرابع هو أن أي ضم سيؤدي الى تعميق الشرخ بين اسرائيل والمجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الاوروبية الديمقراطية. فلن تعترف أي دولة في العالم بهذا الضم. وأشك في أن ادارة ترامب ستعترف به ايضا، ولا شك عندي أنه مع جميع الترتيبات الأمنية التي تبلورت بين نتنياهو وبوتين، فان روسيا ايضا لن تعترف بهذا الضم. هل الغرب الذي لم يعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم ولم يخش من ازمة عميقة مع روسيا لهذا السبب، سيعترف بضم المناطق "ج" لاسرائيل؟
أنا لا أتخيل أن يهوشع يريد تعميق الازمة بيننا وبين الدول الاوروبية الديمقراطية. ولا أعرف كيف سيبرر أمام اصدقائنا في اوروبا عملية الضم التي تناقض بشكل فظ، ليس فقط القانون الدولي، بل ايضا القيم الاساسية للعالم الديمقراطي. إن ضما كهذا سيعمق الشعور بأن اسرائيل هي دولة ابارتهايد وكولونيالية، وسيقوي عدم شرعية المشروع الصهيوني. وبالنسبة لبينيت وأوري اريئيل هذا الامر غير هام، لكن على يهوشع أن يكون مدركا لنتائج الضم الذي قد يؤدي الى استبعاد اسرائيل من المجتمع الدولي. الامر الذي استطاعت اسرائيل فعله في العام 1967 في شرقي القدس ولم يحظ حتى الآن باعتراف أي دولة في العالم، لا يمكن أن يحدث في العام 2017.
السبب الخامس الذي يدفعني الى الاعتقاد بأن يهوشع مخطئ هو أن ضم مناطق "ج" سيخلق ازمة كبيرة مع العالم العربي ويضعضع العلاقات الحساسة التي تسير في ظروف صعبة مع مصر والاردن. يمكن أن هاتين الدولتين ستعيدان سفرائهما من اسرائيل. وتركيا ايضا قد تتخذ خطوة مشابهة. التظاهرات المناهضة لاسرائيل قد تندلع في الدول العربية والاسلامية.
السبب السادس الذي يدفعني الى الاعتقاد أن يهوشع مخطئ هو أن ضم المناطق "ج" بشكل أحادي من قبل اسرائيل سيكون اخلالا فظا باتفاقات اوسلو، الامر الذي قد يؤدي الى انهيار البنية المعقدة والاتفاقات مع الفلسطينيين. لا أعرف كيف أن يهوشع، الذي اعتبر مثلي أن اتفاقات اوسلو هي الخطوة الاولى للتفاهم التاريخي مع الحركة القومية الفلسطينية، مستعد لعمل كهذا. اسرائيل دولة سيادية تلتزم بالاتفاقات الدولية التي وقعت عليها، والتي حظيت بمباركة المجتمع الدولي ولا يمكنها التنصل منها. وكما قال مناحيم بيغن باللاتينية في حينه، يجب الالتزام. وأنا أستغرب كيف أن يهوشع لا يدرك ذلك: هذا هو حجر الزاوية في السياسة الدولية.
أنا أتجاهل بقصد حقيقة أن اقتراحات يهوشع تخدم اقتراحات بينيت وزملائه. إن ضم المناطق "ج" سيعمق الصراع والعداء ويثبت للفلسطينيين أن اسرائيل لا تريد الاتفاق والحل، بل التوسع. وهذا سيضيف لاسرائيل المزيد من السكان الفلسطينيين ويضعضع مكانتها الدولية. من يؤمن مثل يهوشع بالصهيونية الليبرالية والانسانية ويؤيد حل الدولتين اللتين تعيشان بسلام الى جانب بعضهما البعض، وبحق الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة، لا يمكنه تأييد السياسة التي تضم، ليس الاراضي فقط، بل ايضا الاشخاص وضد ارادتهم.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين