عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 29 كانون الأول 2016

قرار مجلس الامن 2334 ومعانيه.. استراتيجية اسرائيلية للمواجهة

نظرة عليا – عاموس يدلين (رئيس معهد بحوث الامن القومي)

سجل النهاية لثماني سنوات جمود في المسيرة السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين هو سجل لاذع – قرار مجلس الامن 2334. وكان الوصول الى هذا السجل نتيجة استراتيجية فلسطينية تفضل التصدي لاسرائيل في المؤسسات الدولية على المفاوضات، وسياسة وسلوك اشكالي من إدارة اوباما وحكومات نتنياهو. يدفع هذا القرار المسيرة السلمية الساعية الى حل الدولتين نحو النقطة الادنى لها منذ 2008. فالرئيس أوباما ورئيس الوزراء نتنياهو قادا إسرائيل الى هزيمة سياسية شنيعة والى اتخاذ قرار اشكالي للغاية لاسرائيل وللمسيرة السلمية على حد سواء. اوباما، في خطوة مناهضة لاسرائيل قاسية وفظة، مس بحليفته الواضحة في الشرق الاوسط، ونتنياهو، بقصر نظره وبالشكل الذي أدار فيه السياسة الخارجية الاسرائيلية، منحا معا في نهاية العام 2016 هدية دبلوماسية للفلسطينيين، الذين تم اعفاؤهم من المسؤولية عن الجمود في المسيرة السلمية وتلقوا مردودا سياسية هاما من الاسرة الدولية.

تدفع إسرائيل الثمن على القراءة الاشكالية والمغلوطة من جانب نتنياهو للساحة الأميركية والعالمية في السنوات الاخيرة. فقد علق نتنياهو آماله على الكونغرس – ذات الكونغرس الذي حسب الدستور الأميركي ما كان يمكنه أن يمنع اتفاقا نوويا مع ايران أو ان يستخدم الفيتو في مجلس الامن. فقد خاف نتنياهو من جهته من أن يمد خطا فاصلا بين الكتل الاستيطانية والاحياء اليهودية في شرقي القدس وبين المستوطنات المنعزلة في "يهودا والسامرة". فتفاهم هادئ عن تجميد البناء في المستوطنات خلف الجدار الامني كان سيجعل من الصعب على اوباما الامتناع عن التصويت في مشروع قرار يمس باسرائيل. وسلوك حكومة اسرائيل في مسائل "قانون التسوية"، التأخير في اخلاء عمونه والدعوات في صالح ضم المناطق ج – كل هذه كانت العوامل الاساسية التي دفعت إدارة اوباما الى الامتناع عن استخدام الفيتو على مشروع القرار الاشكالي. الفجوة بين خطاب رئيس الوزراء نتنياهو في الامم المتحدة، حيث تنبأ من أماني قلبه عن نهاية الاغلبية التلقائية ضد اسرائيل في هذه المؤسسة، وبين التصويت الجارف ضدها في 23 كانون الاول، تشير الى قراءة اشكالية للواقع الدولي.

كصورة مرآة لقراءة الواقع الاشكالية من جانب نتنياهو، فان إدارة اوباما هي الاخرى لم تنجح في قراءة الرأي العام والساحة السياسية الاسرائيلية، ولم تدرس فاعلية فرضياتها حول تقدم الحل للنزاع. فعدم القدرة على الملاحظة بانه يوجد في مواضيع الامن، الكتل الاستيطانية والاحياء اليهودية في شرقي القدس اجماع واسع للغاية في اسرائيل، وان الجمهور الاسرائيلي لن يكون مستعدا للاخذ بمخاطر أمنية مثلما تم في الماضي، كانت في قلب المحاولة للمس بنتنياهو – والتي حققت نتيجة معاكسة. اضافة الى ذلك، فان تجاهل ادارة اوباما لكتاب بوش الى شارون في نيسان 2004، وكذا مبادئ التسوية التي طرحها الرئيس بيل كلينتون والتي تعترف بان الكتل الاستيطانية ستكون في الاراضي الاسرائيلية، اثار في إسرائيل شبهات كبيرة تجاه إدارة اوباما ونواياها. والقاء معظم التهمة عن عدم التقدم نحو حل الدولتين على اسرائيل وعلى مسألة المستوطنات، الى جانب التجاهل من المساهمة الحاسمة للفلسطينيين في وقف المسيرة السياسية (الفلسطينيون هم الذين لم يقبلوا مبادئ الاطار للاتفاق التي صاغها وزير الخارجية جون كيري) – كل هذه مست بشدة في امكانية الادارة للتقدم في المسيرة السلمية. في هذه الخطوة الاخيرة في مجلس الامن "استكملت" ادارة اوباما تراثا اشكاليا من الاخفاقات في الشرق الاوسط: الوقوف جانبا حيال ما يجري في سوريا؛ عدم القدرة على الانتصار على داعش؛ خلق فراغ في المنطقة، دخلت اليه روسيا وايران؛ سلسلة أزمات ثقة بين الادارة وبين كل حلفائه في المنطقة.

بعدم استخدام الفيتو، منحت الادارة جائزة أغلى من الذهب للفلسطينيين لقاء رفضهم الوصول الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل، واضعفت جدا احتمال استئناف المفاوضات الثنائية بين الطرفين وتقدمها في المستقبل المنظور. فالفلسطينيون لا يمكنهم ان يسمحوا لأنفسهم بان يعرضوا موقفا اكثر اعتدالا من موقف مجلس الأمن والاستنتاج – بالخطأ – بأن تلبية مطالبهم ستأتي من الامم المتحدة، وليس عبر المفاوضات مع اسرائيل. اما اسرائيل، بالمقابل، فيمكنها أن تأتي الى المفاوضات بشرط مسبق يتعلق بالحدود بينها وبين الدولة الفلسطينية المستقبلية. وبدلا من "انسحاب من المناطق الى حدود آمنة ومعترف بها"، كما ينص قرار 242 ستلتقي إسرائيل كنقطة انطلاق حدود 67، بما في ذلك في شرقي القدس. مرة أخرى، كصورة مرآة لقطيعة حكومة إسرائيل عن البيت الابيض، من المهم التشديد على ان إدارة اوبما لم تبذل أي جهد لتنسيق مواقفها مع اسرائيل ولمحاولة تلطيف حدة القرار، وهكذا تعطل مفعول الالغام الكامنة فيه لمواصلة المفاوضات ولامال الوصول الى حل الدولتين.

 

القرار إشكالي في سبعة أبعاد:

1 - من ناحية إسرائيل، النهج الذي في أساس قرار 2334، والذي يقول ان "حكم الحائط الغربي كحكم مستوطنة يتسهار" أو "حكم حي راموت في القدس كحكم مستوطنة الون موريه"، يبدد كل أمل في إدارة مفاوضات تكون غايتها التقدم بتسوية الدولتين.

2 - يعزز القرار الرفض الفلسطيني واستراتيجية الامتناع عن المفاوضات مع اسرائيل، انتظارا لاملاء دولي لمبادئ التسوية. وعليه، فان القرار سيشجعهم على التمسك برفض العودة الى المفاوضات والمرونة.

3 - يزيد القرار خطر الدعاوى ضد اسرائيليين على المستوى السياسي والعسكري في المحكمة الدولية في لاهاي. وفي أجواء "الصيد القضائي" للزعماء والقادة الاسرائيليين سيكون من الصعب خوض مفاوضات للسلام.

4 - حركة نزع الشرعية والمقاطعة على اسرائيل ستتعزز وتلقى تشجيعا معنويا وسياسيا قابل للترجمة الى خطوات قانونية، سياسية، جماهيرية واقتصادية.

5 - يضع القرار المسألة الاسرائيلية كصخرة خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين في الجمهور الأميركي ويهدد التأييد من الحزبين طويل السنين لاسرائيل.

6 - ثمة في القرار ايضا مس بالردع الاسرائيلي، الذي قسم هام منه يقوم على أساس الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ودعمها لاسرائيل.

7 - تقرير في المواضيع التي يتناولها القرار، والذي سيكون الامين العام مطالبا باعطائه كل ثلاثة اشهر، سيضمن اهتماما مواظبا للمسألة على حساب مواضيع أهم ويغذي حملة مستمرة لمناهضة إسرائيل.

ومع ذلك، من المهم التشديد على أن القرار لم يتخذ تحت الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة وبالتالي فانه لا يسمح باتخاذ عقوبات وخطوات عملية اخرى ضد اسرائيل من الامم المتحدة، دون قرار آخر. يمكن التقدير بان الادارة الجديدة في الولايات المتحدة، والتي هي اكثر عطفا لاسرائيل من إدارة اوباما، ستستخدم الفيتو على كل محاولة للانتقال الى قرارات على اساس هذا الفصل.

 

ما هو الصحيح لاسرائيل أن تفعله؟

في ختام العام 2016 من الاهم توجيه النظر الى المستقبل من الانشغال في تحليل الماضي للطريق التي أدت الى قرار 2334. ينبغي الاستعداد بهدف حصر الآثار السلبية لهذا القرار وبلورة سياسة مناسبة أكثر لاسرائيل، في ضوء الوضع السياسي الاشكالي الذي يخلقه.

في المدى القصير – احساس الغضب، الاهانة والخيانة، حتى لو كان ممكنا تفهمه، ليس أساسا سليما لسياسة متوازنة وناجعة. حتى لو كان هاما جباية ثمن من السلطة الفلسطينية التي بادرت الى الخطوة، يجب تأجيل الرد حتى 20 كانون الثاني 2017 – موعد دخول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض. اما خطوات الضم الواسعة فلن تكون صحيحة بأي حال وستكون خطأ يؤدي الى تعميق عزلة اسرائيل او حتى الى خطوات أخطر ضدها. وبالمقابل، فان تعزيز الاستيطان في القدس وفي الكتل الاستيطانية، تشجيع نقل السفارة الأميركية الى القدس والاعتراف بالمكانة الحالية للجولان فكفيلة بان تكون خطوات تنسقها اسرائيل مع الادارة الوافدة.

في اساس الاستراتجية الاسرائيلية طويلة المدى يجب أن تكون ثلاث فرضيات:

1 - إدارة اوباما ستكون أكثر ودا لاسرائيل، وسيكون ممكنا التوصل معها الى تفاهمات رفضتها إدارة اوباما بثبات.

2 - العودة الى المفاوضات ليست ممكنة عقب الرفض الفلسطيني – فما بالك أن وضع اتفاق شامل ونهائي لم يكن قابلا للتنفيذ حتى قبل اتخاذ قرار 2334 (ليس مع السلطة الفلسطينية، وبالتأكيد ليس مع حماس) – وسيكون اصعب من ذلك على التحقق بعد اتخاذ القرار، الذي من المتوقع أن يدفع مواقف الفلسطينيين نحو التطرف ويرص صفوف الجمهور الاسرائيلي من خلف الحاجة الى تعزيز الاستيطان في القدس وفي الكتل.

3 - ولكن الوضع الراهن ليس جيدا لاسرائيل، ويجب المبادرة الى تغيير يحفظ أفق حل الدولتين، ولكنه يؤدي الى هناك بطريقة ممكنة في الظروف الحالية. يجب التقدم نحو الانفصال عن الفلسطينيين بطريقة منضبطة، حذرة وصبورة، تحمي المصلحة الاسرائيلية في أن تكون دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة وعادلة، ترمم مكانتها السياسية والاخلاقية في العالم.

على اساس هذه الفرضيات من الصحيح ان نعرض على إدارة اوباما اقتراحا اسرائيليا لخطوات عملية في أساسها مبادرة اسرائيلية فاعلة لتصميم واقع محسن، في ظل التصدي للادعاءات بان المستوطنات هي عائق للسلام.

سيكون من الصحيح لاسرائيل أن تتبنى استراتيجية فاعلة، في مركزها توافقات مع الولايات المتحدة حول التمييز بين الاستيطان في الكتل والمستوطنات المنعزلة – حيث تجمد اسرائيل البناء. وفي نظرة أوسع، صحيح أن تثبت اسرائيل التزامها بافق الدولتين في المستقبل، من خلال سلسلة أعمال غايتها احداث تغيير في الميول الحالية، تبادر اليها هي نفسها. في هذا الاطار صحيح ان تبادر اسرائيل الى خطوات لتشجيع البناء للمؤسسات الفلسطينية الفاعلة وتوسيع حكمهم الذاتي، تثبيت منظومة اقتصادية فلسطينية مستقرة، واقامة بنى تحتية تسمح بتواصل مواصلاتي – كل هذ كأساس لدولة فلسطينية عند نشوء الظروف لاقامتها. من المهم اشراك الدول العربية البرغماتية في تحقيق هذه السياسة، باسناد من ادارة ترامب وبقيادتها. مفهوم أن مثل هذا التغيير في السياسة ستكون أيضا مضاعفات في الساحة الحزبية في اسرائيل، وفي هذه الساحة يجدر برئيس الوزراء أن يلجم الخطوات المتطرفة لهوامش اليمين، التي تملي مؤخرا خطوات حكومته من خلال السياسة والتشريع اللذين يسيئان لمكانة اسرائيل في الساحة الدولية.

الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لاسرائيل، واحيانا الوحيد. من المهم الا تنجر اسرائيل الى المواجهة الجمهورية – الديمقراطية وتعود لتكون مدعومة من الحزبين. كما من المهم أن تعود لتثبت الثقة بين الدولتين، ولا سيما بين زعيميهما – الثقة التي انتهكها الطرفان في فترة الرئيس اوباما وحكومات نتنياهو. من المهم العودة للبناء معا أسس اللعلاقات الخاصة والقوية بين الدولتين، والتي ستضمن المصالح الحيوية لكلتيهما.