عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 19 تشرين الثاني 2016

طرف واحد فقط في سوريا

معاريف – يوسي ملمان

ثلاثة تطورات هامة جدا حدثت هذا الاسبوع في سوريا. وهي تشكل معا شيئا واحدا: مراقبو الامم المتحدة عادوا الى مواقعهم في الجانب السوري من هضبة الجولان، حاملة الطائرات التابعة للاسطول الروسي وصلت الى شواطئ سوريا، والقوات المتحالفة للاسد وروسيا وحزب الله وايران والميليشيات الشيعية (من العراق وافغانستان وباكستان) بدأت بهجوم لاحتلال حلب وادلب شمال غرب الدولة.
كل هذه التطورات تتعلق بالتغيير البطيء، لكن المنهجي، بالحرب الاهلية السورية التي تستمر منذ خمس سنوات ونصف السنة: نظام بشار الاسد يزداد قوة. "داعش" في العراق وسوريا تتفكك، ومجموعات المتمردين الاخرى تضعف. روسيا تزيد من تعزيز مكانتها. والولايات المتحدة في الفترة الانتقالية بين الرؤساء تفقد المزيد من مكانتها في الساحة، التي كانت في الأصل ضعيفة. والاستقرار والهدوء على حدود اسرائيل في هضبة الجولان في ازدياد.
بعد غياب دام عامين، وبموافقة حكومة اسرائيل وسوريا، عاد 127 مراقبا من مراقبي الامم المتحدة، من جيوش فيجي ونيبال، الى معسكر الفاروق في الجانب السوري من هضبة الجولان. وبعد بضعة اسابيع سينضم اليهم 20 مراقبا آخر. متحدث بلسان الامم المتحدة قال إن "القوة ستنفذ مهماتها طالما أن الوضع الامني يسمح بذلك".
"أوندوف"، وهي اختصار "قوة المراقبين وفصل القوات التابعة للامم المتحدة" أقيمت بناء على قرار مجلس الامن من العام 1974 بعد انتهاء حرب يوم الغفران. ومهمة القوة هي مراقبة تنفيذ الاتفاق (الذي يشمل منطقة منزوعة السلاح، خصوصا في الطرف السوري، حظر الطيران وغيره)، ويتم تجديد هذا الامر سنويا. وفي الذروة كانت القوة تشمل آلاف الجنود من دول كثيرة في العالم – اوروبا، آسيا، اميركا الجنوبية والمحيط الهادئ. عندما نشبت الحرب الاهلية واجهت القوة صعوبة في أداء مهامها. وأعلنت دول عن اخراج جنودها خوفا على حياتهم، ومن تبقى وجد صعوبة في تنفيذ المهمات بسبب المعارك بين الجيش السوري وبين المتمردين على انواعهم.
قبل حوالي سنتين سيطرت مجموعات متمردين – الاكبر من بينها جبهة النصرة التابعة للقاعدة – على معظم مناطق الحدود مع اسرائيل، وتحرشت بجنود الامم المتحدة. ذروة الاحداث كانت عندما خطف رجال النصرة 40 جنديا فيجيا تابعين للامم المتحدة وقاموا باحتجازهم كرهائن مدة اسبوعين. وفي اعقاب ذلك ترك 70 جنديا من الفلبين مواقعهم. وفي نهاية المطاف تم اطلاق سراح الرهائن بعد تدخل الحكومة القطرية (التي مولت جبهة النصرة ومجموعات متمردين اسلامية اخرى) حيث دفعت الفدية المالية الاكبر مقابل اطلاق سراحهم.
في الجمعية العمومية للامم المتحدة تقرر اخلاء المراقبين من سوريا بالتدريج ونقلهم الى اسرائيل. ولكن من دون التواجد ايضا نجحت اسرائيل في الحفاظ على الهدوء النسبي على الحدود، باستثناء بعض القذائف العشوائية التي أطلقت في معظمها من قبل جيش الاسد. وقد فعلت ذلك بحكمة. والفضل يعود هنا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون وبديله الحالي افيغدور ليبرمان ورئيس هيئة الاركان غادي آيزنكوت وجميع رؤساء الاجهزة الامنية.
السياسة الاسرائيلية تدمج بين التهديدات المموهة والعلنية تجاه المتمردين في حال حاولوا المس بسيادة اسرائيل، اضافة الى الحديث مع أبناء القرى المعتدلين بالقرب من الحدود والذين يحصلون على المساعدات الانسانية. وايضا تقوم اسرائيل باستيعاب آلاف المصابين في المستشفيات الميدانية التي أنشئت في الجانب الاسرائيلي من الحدود. واذا تطلب الامر فهي تقوم بعلاجهم في المستشفيات في الشمال ولا سيما في صفد. وقد تمت تغطية هذه السياسة بوسائل عقابية مدروسة من خلال القصف ردا على اطلاق القذائف الخاطئة نحو اسرائيل. ويمكن أن يكون الامر الابرز لهذه السياسة هو القصف الذي يُنسب لسلاح الجو الاسرائيلي لمخازن السلاح ونقله من ايران عن طريق سوريا الى حزب الله في لبنان. ولم تعترف اسرائيل أبدا بالمسؤولية عن القصف الذي نُسب اليها في وسائل الاعلام الاجنبية (وتسريبات الادارة الاميركية) باستثناء اعلان لنتنياهو بأن اسرائيل قصفت في سوريا. وحسب تقارير وسائل الاعلام، الحديث يدور عن عشرات عمليات القصف في السنوات الثلاثة الاخيرة. ويمكن أن يكون العدد مبالغ فيه، لكن يمكن القول إنه كان بين 10 – 20 عملية قصف على الاقل.
خطوات اخرى قامت بها اسرائيل حسب تلك التقارير أدت الى تعزيز الهدوء في الحدود، التي كانت عمليات سرية وقصف من الجو، واسرائيل لم تعلن ايضا عنها، ضد نشطاء حزب الله ومنظمات فلسطينية حاولت اقامة بنى تحتية ومواقع قرب الحدود، من اجل الخروج من هناك وزرع العبوات ضد جنود الجيش الاسرائيلي واطلاق الصواريخ على قرى هضبة الجولان. وتمت هذه المحاولات بناء على توجيه قائد قوة القدس في ايران، الجنرال قاسم سليماني، وبتنفيذ من حزب الله. في هذه العمليات قتل جنرال ايراني وجهاد مغنية إبن "وزير الدفاع" في حزب الله عماد مغنية، الذي قتل في دمشق في العام 2008. وايضا قتل سمير القنطار، القاتل الدرزي لعائلة هران من نهاريا، والذي عاد الى لبنان وانضم لحزب الله بعد اطلاق سراحه من السجن الاسرائيلي.
عودة المراقبين الى الجانب السوري من الهضبة تشير الى أن الامم المتحدة واسرائيل تعتقدان أن الهدوء في الحدود سيزداد أكثر فأكثر، رغم أنه يجب وضع ملاحظة تحذير: لا يتوقع انتهاء الحرب السورية قريبا، والهدوء ليس سلام أبدي. الخطر ايضا هو أن تكون حوادث اطلاق نار في المستقبل، سواء بالخطأ أو محاولات تنفيذ عمليات.
 
التحالف غير المقدس
حاملة الطائرات ادميرال كوزنيتسوف – الوحيدة التي لدى الاسطول الروسي – وصلت قبل بضعة ايام الى شرق البحر المتوسط، أمام شواطئ سوريا، بعد رحلة طويلة لم تسمح دول الناتو لها بأن ترسو في موانئها. في الرحلة الاستفزازية عن طريق القناة الانجليزية لاماش، كانت ترافقها سفينة صواريخ. ووصولها هو زيادة حقيقية لـ 40 في المئة من القوة الجوية للجيش الروسي في سوريا. وتوجد على متن الحاملة 15 طائرة قتالية من نوع ميغ 29 وطائرات قصف من نوع سوخوي و10 مروحيات. وهي تضاف الى 40 طائرة قتالية و40 مروحية موجودة في مطارات الشاطئ السوري، معقل الطائفة العلوية التي يعتمد عليها النظام. وهذا اضافة الى المدمرات الاستراتيجية التي تقلع من مواقعها في شبه جزيرة القرم للمهمات الهجومية.
 
القوة البحرية الروسية في سوريا تشمل في الحاصل العام 8 كاسحات، سفن حربية وصواريخ، وهي جاهزة، اضافة الى الحلفاء من ايران وحزب الله وجيش الاسد للمعركة الحاسمة في حلب وبعد ذلك في ادلب. وحسب التقارير الاجنبية، الطائرات الموجودة على حاملة الطائرات بدأت بالهجوم، وقد تحطمت طائرة من نوع سوخوي اثناء هبوطها.
الاستراتيجية التي تتداخل مع هذا التحالف غير المقدس تهدف الى حسم المعركة ضد المتمردين واعادة حلب، المدينة الثانية في حجمها في سوريا، الى سيطرة النظام من خلال استخدام القوة الزائدة والقصف الذي لا يميز ويضر، بشكل مقصود احيانا، بالسكان المدنيين. وكجزء من هذه الاستراتيجية تقوم الطائرات الروسية والسورية بالقصف المتعمد للمستشفيات في حلب، وهذه الطريقة تُذكر بالحرب التي قام بها بوتين في الشيشان في بداية العقد الماضي. وما يحدث هذا الاسبوع في حلب وادلب يبدو أنه مقدمة للمعركة الشديدة المتوقعة في الايام أو الاسابيع القادمة.
الادارة الاميركية عادت واتهمت روسيا هذا الاسبوع بارتكاب جرائم حرب في سوريا. وحتى لو كان هذا الامر صحيحا، رغم الفرق بين الامرين، فانه يصعب على واشنطن تقديم النصائح الاخلاقية – هذا الاسبوع قالت محكمة الجنايات الدولية في لاهاي إن الولايات المتحدة نفذت جرائم حرب في افغانستان. واستنادا الى معطيات الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان المختلفة، قتل في الحرب الاهلية السورية بين 300 – 400 ألف انسان. وحسب "المركز السوري لحقوق الانسان"، المعارض للنظام السوري، حوالي 90 ألف منهم لم يكونوا مشاركين في الحرب. والمجتمع الدولي صامت ومشلول وسيستمر في صمته حتى بعد سقوط آلاف القتلى في حلب. والمعطى الاكثر زعزعة هو أن حوالي نصف المواطنين في سوريا، 10 ملايين، هم لاجئون أو من دون مأوى ومشردين في بلادهم، الامر الذي لا يُذكر تقريبا. الحرب في سوريا تؤكد مجددا، كما حدث في بيافرا وكمبوديا ورواندا ومناطق اخرى، على ابادة شعب وجرائم ضد الانسانية، لأن الانسانية من دون ضمير.
استغلت روسيا تسامح اوباما، الذي هدد بالتدخل العسكري من اجل اسقاط الاسد بعد أن استخدم جيشه السلاح الكيميائي ضد المدنيين. ولكن في اللحظة الاخيرة وقبل دقائق من اصدار أمر اطلاق الصواريخ على دمشق، تراجع الاسد بعد أن حصلت روسيا على موافقة سوريا على تفكيك السلاح الكيميائي.
 
صحيح أن سوريا قد فككت 90 في المئة من سلاحها الكيميائي، الذي كان من الاكبر في العالم. ومنذ ذلك الحين بقي لديها كمية قليلة منه. والمستفيد الاكبر من ذلك كان اسرائيل: سوريا طورت السلاح الكيميائي من اجل الردع الاستراتيجي ضد السلاح الكيميائي الذي تعتقد أن اسرائيل تملكه.
الدقائق المصيرية في ايلول 2014 كانت ايضا نقطة التحول في العلاقة بين القوتين العظميين. بوتين لاحظ ضعف وتردد اوباما، فقام بالدخول الى شبه جزيرة القرم وضمها. وبعد سنة، في ايلول 2015، دخل الجيش الروسي الى سوريا. المعطيات الاحصائية تروي القصة بشكل افضل وتعكس التصميم أمام التردد. ومنذ حزيران 2014 والى الآن، قام سلاح الجو الاميركي وحلفاء الولايات المتحدة بـ 5.500 طلعة جوية في سوريا، ولا سيما ضد "داعش" وبعضها ضد جبهة النصرة. سلاح الجو الروسي قام خلال سنة واحدة بثلاثة اضعاف هذه الطلعات. معظمها ضد المتمردين المعتدلين الذين تدعمهم وتؤيدهم الولايات المتحدة والدول الغربية، وبعض هذه الطلعات كانت ضد المنظمات الجهادية.
 
أهداف بوتين
من خلال الرسم بالكلمات تحدث آفي ديختر، رئيس لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، عن تواجد روسيا المكثف في سوريا، حيث أكد أن "الجار الجديد جاء الى حينا ليس فقط من اجل استئجار شقة، بل لبناء فيلا". أي أن الحديث يدور عن تواجد دائم وتصميم على تحقيق الاهداف.
ديختر زار في الاسبوع الماضي روسيا مع ثلاثة اعضاء آخرين – ايال بن رؤوبين من المعسكر الصهيوني، وروبرت التوف من اسرائيل بيتنا وعليزا لافي من يوجد مستقبل – وحلوا ضيوف على لجان الخارجية والدفاع التابعة للدوما ومجلس الفيدرالية. وبناء على هذه المحادثات توصل ديختر الى استنتاجات حول موقف روسيا من سوريا والشرق الاوسط، الذي ليس مريحا دائما لاسرائيل ولا يتلاءم مع مصالحها.
- يجب أن يبقى الاسد في السلطة لأنه الوحيد القادر على خلق الاستقرار في سوريا.
- الايرانيون هم قوة حيوية من اجل الاستقرار في سوريا وفي المنطقة. ولا توجد لروسيا أي مشكلة في ذلك. وتعتقد موسكو أن الاتفاق النووي الذي تحقق سيساهم في تهدئة الوضع.
- سيتم تحرير حلب من سيطرة المتمردين (روسيا تنفي أنها تقوم بقصف سجاد أحمر، وتؤكد على أن القصف انتقائي كما تفعل اسرائيل).
 - روسيا تتحفظ من الدول الاوروبية التي تملصت من مسؤولية مساعدة الدول العربية في الشرق الاوسط من اجل الاستقرار.
 - روسيا لن تتردد في فرض خطوات على دول المنطقة، بما فيها اسرائيل، من اجل المصالح الروسية.
وعلى الرغم من احترام روسيا لاسرائيل، إلا أن ديختر اعترف أنه عند الوصول الى لب المسألة، فانه توجد فجوة كبيرة بيننا وبين روسيا بشكل مقلق. موقفنا من ايران كدولة ارهاب يختلف عن موقف روسيا. فهي تنظر الى حزب الله بشكل ايجابي وتمنح الغطاء للميليشيات الشيعية في العراق وسوريا وتتجاهل جرائم نظام الاسد ضد أبناء شعبه.
بكلمات اخرى، في الامور الاقليمية والامنية لا تراعي روسيا اسرائيل. وقيل في هذا الاسبوع إن روسيا وايران تجريان مفاوضات حول صفقة ضخمة بمبلغ 10 مليارات دولار تشمل بيع دبابات وطائرات حربية متقدمة وصواريخ واجهزة استخبارية متطورة وما أشبه. هذا رغم موقف اسرائيل ورغم ذهاب رئيس الحكومة اربع مرات الى روسيا في السنة الماضية، حيث التقى مع بوتين وأجرى معه محادثات هاتفية كثيرة. ويزعم نتنياهو أن العلاقة بين الدولتين جيدة جدا بفضل علاقته الشخصية مع بوتين.
الهدف من هذه الاتصالات هو منع الاحتكاك أو التورط مع روسيا في سوريا. لذلك أقيم جهاز التنسيق العسكري بين الدولتين. واسرائيل مستعدة لتجاهل دخول الطائرات الروسية الى الاجواء الاسرائيلية. ونتنياهو وليبرمان يزعمان أن حرية عمل اسرائيل في سوريا وتجاه حزب الله لم تتضرر، وأن بوتين يفهم مصالح اسرائيل الحيوية وخطوطها الحمراء. عضو الكنيست ديختر، وباستقامة كبيرة، يعترف أن التواجد الروسي في سوريا يضر بحرية عمل اسرائيل، حتى لو كانت عمليات روسيا العسكرية تتم في شمال سوريا بعيدا عن الحدود الاسرائيلية.
الحقيقة هي أنه في السنة الاخيرة، منذ أرسلت روسيا قواتها الى سوريا، لم تكن هناك تقارير حول قصف سلاح الجو الاسرائيلي في سوريا. وحقيقة اخرى هي أن وزارة الدفاع والاجهزة الامنية في اسرائيل تعتقد أن السلاح الروسي المتقدم الذي تم ارساله الى سوريا وصل ويصل الى أيدي حزب الله. هذا رغم أن روسيا تؤكد بشكل دائم أنها لا تريد ذلك وهي تراقب السلاح الذي يتم اعطاءه لجيش الاسد.