عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 آذار 2016

الكلمة التي ألقاها خلال تسلمه جائزة الشاعر محمود درويش اول امس

غسان زقطان

ثمة ما لن يتم تعويضه

لسنواتٍ طويلةٍ نَعَمْتُ بصداقةِ محمودْ درويشْ، كانتْ تِلكَ ضربةَ حظٍّ يعودُ للشعرِ ورام اللهْ وحُسنِ الطالعِ فضلُ حدوثِها، صداقةٍ منحتنِيَ الكثيرَ من كلِّ شيءٍ. وها هِيَ تبدو من هُنا مثلَ إقامةٍ طويلةٍ فيْ (كتابٍ سحريٍّ).

هكذا تصبحُ هذهِ الجائزةُ امتداداً حميماً للرفقةِ.

معَ محمودْ درويشْ، لا تتعلَّمُ الشعرَ، ولكنَّكَ تهتديْ إلى حِكمة الإصغاءِ، الإصغاءِ إلى حركةِ الحياةِ والكائناتِ فيْ سَعْيِها الدؤوبِ للعيش، إلى أصواتِ الناسِ وهي تتدفَّقُ فيْ ممراتِ تاريخِ هذهِ البلادِ. والإصغاءِ إلى الكتابةِ، هناكَ بالضبطِ تكمُنُ قوةُ محمودْ درويشْ، في القُدرةِ على الإصغاءِ إلى شَغَفِ روحِهِ ونَبضِ شعبِهِ ومعجِزَةِ أن تُخلقَ إنساناً.

وحيثُ تتقاطعُ الجسورُ التي بَناهَا لتصلَ بينَ هذهِ الجُزُرِ والممراتِ التي حفرها، تكمُنُ فِكرتُهُ عن الشعرِ، ويتبدَّى خِطابُه الذي شَكَّل اعتراضاً طويلاً على السائدِ واليقينِ والمتوقَّعِ والمُنجَزِ، على الرطانةِ والبلاغةِ المنتشيةِ بذاتِها، البلاغةِ التي تشكّلتْ عَبرَ سوءِ تفاهمٍ شاملٍ معَ الحياةِ وحَقائقِها.

الآنَ تبدو تلكَ الرفقةُ وحواراتُها غيرُ المنتهيةِ، النصائحُ الصغيرةُ المتخفيةُ، الكلامُ البسيطُ عن: الحياةِ وغاياتِ اليومِ والناسِ.. الوطنُ بزمنهِ كاملاً وجُغرافيَّتِه كاملةً.. الاحتلالُ قناعُ الفاشيِّ وذراعهُ.

كيفَ يصبحُ المنفى ثقافةً وينهضُ سؤالُ الطريقِ والبيتِ. المقاومةُ كضرورةٍ أخلاقيةٍ، المقاومةُ غنيمتنا النبيلةُ التي انتزعنَاهَا من التاريخ.

استنفادُ الأشكالِ والبحثُ عن وصفةِ التوحيديِّ والمشيُ على رؤوسِ الأصابعِ كيْ لا يجفلَ الحصانُ الوحيدُ في مَرثيةِ مالكِ ابنِ الريب.

السؤالُ الصباحيُّ عن شاعرٍ شابٍ في القدس، الغارةُ الأخيرةُ على الشجاعيةِ، البنتُ الصغيرةُ والأطفالُ الأربعةُ الذينَ ما زالوا يركضونَ على شاطئِ غزةَ، اغتيالُ الفتيانِ في أسرَّتِهم وعبء الأمل.

الضجرُ من السياسيين، الضجرُ الشديدُ من السياسيين.

الضحكُ وقراءةُ النَمائِمِ في الصُحفِ، كلُّ هذا وسِواهُ يتحوَّلُ إلى مسؤوليةٍ يستحيلُ تفادِيها.

لماذا اخترتَ الحفرةَ للسقوطِ معَ العدوِّ

والجسرَ للحديثِ مع إدواردْ سعيدْ؟

يذهبُ محمودْ درويشْ، ولا يجيبُ.

ثمةَ ما لنْ يتمَ تعويضُهُ، غيابُ الشاعرِ.

شكراً لمؤسسةِ محمودْ درويشْ، التي أنجزَتْ بدأبِ أصدقائهِ ومحبيهِ الصرحَ الذيْ نقفُ فيهِ، تحيةَ الامتنانِ العميقةِ التي نتنفَّسُ داخلَها الآنَ غيرَ بعيدٍ عن نومتهِ في الحديقةِ.