الحب .. الشعر .. الحياة
د. سناء العطاري / القدس

زيارة إلى منزل الشاعرة أنيسة درويش
كنت قد أجريت دراسة عن الإبداع الأدبي للمرأة المقدسية، وفيه تحدثت عن عدد من الأديبات المقدسيات اللواتي حققن مكانة عالية في الساحة الأدبية أمثال ليلى علوش وحنان عواد وأنيسة درويش، التي شعرت أني أريد أن أعرفها أكثر، وأن أتعمق في كتاباتها أكثر. وبعد أن أنهيت البحث، ثارت في ذهني الأفكار والتساؤلات حول أدب المرأة الفلسطينية أكثر من تلك التي بدأت بها.
بالحب بدأنا، فأول ما قالته، أنها تزوجت من أحبت. وهذه الجملة تجعلنا ندرك مدى الفضاء الواسع للحب في حياة الشاعرة، فالحب أولاً والحب آخراً، وهو ما بينهما من همسات.
وعن الحب قدمت الشاعرة لإصدارها الأحدث "نصوص من المشهد الأخير"، حيث كتبت: "من هنا تمسكت أنا بالحب، فهو ما حملني إلى الفضاء وأشعرني بخصوصية ملموسة، وإن تكن وردت قصراً، بعد أن أدمعتني بكم كافٍ لكوني امرأة عليها أكثر مما لها بحكم الدين والقانون وما يتبعهما".
فتحت لنا أبواب بيتها كما فتحت لنا أبواب قلبها، وهناك رأينا الحب والحزن والحنين والشوق والألم.
من أين أبدأ؟ وقد بهرتني شخصيتها، بهرتني جرأتها، بهرتني ثقافتها، فقد رأيت فيها المرأة الأديبة، الواثقة بنفسها، والتي تأبى أن تجعل في شعرها وفكرها انحناءات لتتلاءم مع أفكار المجتمع التقليدية، والتي تفرض شروطها وقيودها على فكر المرأة. أنيسة درويش شاعرة تزخر روحها بالتمرد والعنفوان. وهي نموذج المرأة الحرة التي تأبى المساومة على فكرها، فتقول وتعمل وفق مبادئها وقناعاتها حتى لو لم يصفق لها الآخرون.
شاعرة ولدت قبل النكبة بثماني سنوات، فاستمتعت بطفولة جميلة في قريتها "المالحة" والتي تقع جنوب القدس. والموهبة كانت ظاهرة حينها، ولا تنسى الشاعرة كيف كانت تلقي الشعر بصوت مرتفع في المدرسة، حتى لفتت انتباه مديرتها حين ألقت قصيدة "أنا المحبوبة السمراء".
وجاء العام 1948 حاملاً نبوءته السيئة للشعب الفلسطيني، فكانت النكبة، وكانت الهجرة، وهاجرت شاعرتنا مع عائلتها إلى الأردن، وهناك أكملت تعليمها الثانوي ، وفي تلك المرحلة شاركت في النشاطات المدرسية المسرحية، وكانت تكتب النصوص الأدبية للإذاعة الصباحية. وكم كانت الشاعرة محظوظة حين وجدت موهبتها العناية والدعم من أسرتها، وفيما بعد من زوجها، الذي تحدثت كثيراً عن دعمه لها كل حياتها.
وقد حدثتنا الشاعرة كيف ضمنت مساندة شقيقها لها قبل نشرها ما تكتب من شعر، وقد قالت له أنها تكتب الشعر العاطفي، ومع ذلك قال لها أكتبي ولا تخشي شيئاً.
الحنين ملأ قلب الشاعرة وجرى على لسانها مع الكلمات التي تحدثت فيها عن تلك الأيام قبل ربع قرن، حين كان لدى الشاعرة صالون أدبي المعروف باسم "صالون أنيسة الأدبي" والذي استضافت فيه العديد من الأدباء والشعراء المبدعين، وكما قالت فإن معظمهم من الرجال، منهم الشاعر علي الجريري، والكاتب أسعد الأسعد، والشاعر عبد اللطيف عقل، والكاتب عزت الغزاوي.
وفي تلك الفترة كانت قد أصدرت عدداً من دواوينها، وبلغت شأناً عالياً من النجاح والشهرة. وكتبت أنيسة النثر كما كتبت الشعر، وكتبت الشعر العامي كما كتبت بالفصحى.
ومن دواوينها بالفصحى: صفعات وقبل 1991، وأهون عليك 1993، ستر ليل 1994، الندى الجبلي يعرق 1995، رقصة على الجليد 1998، ومن كتاباتها النثرية: أنيسيات 1995، من ملف رسائلي 1996، تسابيح وهي الجزء الثاني من ملف رسائلي 1998، وشمس على البني 1999 وهو سيرة ذاتية، وطينة الوجع 2001 وهو أيضاً نصوص نثرية، أما ديوانها نومة على خد الشعر فهو من الشعر المحكي. أما آخر إصدارات أنيسة درويش فكان ديوان "بوح عاشقة"
و"نصوص من المشهد الأخير" وهو نصوص قصصية وأدبية متنوعة، وقد صدرت عن دار الكاتب في رام الله قبل حوالي شهرين.
وأثناء اللقاء ألقت الشاعرة على مسامعنا قصيدة جديدة من الشعر المحكي، ومن شعرها المحكي أقتبس من ديوان "نومة على خد الشعر":
طلع الهوى كذبة
لا بـ تحملو الهمسات
ولا وشوش عبي
ولا كنت انت هـَ الوَصّلو النجمات
ولا كنت أنا حِلمو عَ لمخدة
ولا كان يومي يطول
لو ما مَرَقت الدرب
ولا دمعي يجري سيول
وفى قصيدة لها بعنوان (قد يعاد) تقول أنيسة:
يا سيدي.. أنا لا أعود إلى الرماد
لا أهاب الليل
جئت من عمق السواد
كنا صغارا ننمو على حلم
لنجمع الأيام في بحر وفى غاب
ورغم قطعان الذئاب
لم لا ينام الصحو منك على العذاب
لم لا تنسى المخالب في الحقيقة
وترى الذي أرى في ليل حلما قد يعاد؟
يا سيدي عذرا
كم كنت جاهلة
فالليل قبل أن يغشى رمادك
كحل القلب السواد
وفى قصيدة لها بعنوان (لست أخي) تقول أنيسة:
كم مرة كنت معك
ووشوشت أصابعي أصابعك
وأرعشت رسائلي مسامعك
تخشى شموخي أن يصد وأردعك
وتذوب كفي في يديك لأقنعك
أي يا مَلَك
قلها بربك كي أدوخ وأترعك
وأكون لك
لن أمنعك
ما كان لي
دوما كان القرار لك
نورت كل موانئي
توهت أنتَ مواجعك
وكما كان هناك الرجل الصديق، كان هناك الرجال الذين حاصروا الشاعرة حين تفوقت عليهم، هذا عدا عن غيرة من حولها من النساء.
تقول في نصها "غفلة":
المرأة تحارب المرأة
والرجل يجمع الغنائم
في اللقاء تناولنا العديد من القضايا الأدبية والاجتماعية والسي
والصور كلها في بيتها وحديقة قصرها الثقافي والتراثي التي اوصت ان يكون معلما ثقافيا في فلسطين
مواضيع ذات صلة