بازار الخان.. حين تتحول الحِرف النسوية إلى نافذة للأمل الاقتصادي

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- في أروقة خان الوكالة بالبلدة القديمة في نابلس، تتجاور المنتجات الغذائية والحرف اليدوية، وتحمل كل قطعة حكاية امرأة تحاول أن توسع مساحة رزقها، وتصل بمنتجها إلى زبائن جدد. هنا، لا تقتصر الحكاية على البيع والشراء؛ فخلف بعض الطاولات تقف نساء يبحثن عن فرصة اقتصادية تمنحهن قدرا أكبر من الاستقرار، ومن بينهن ياسمين، مهندسة البرمجيات القادمة من خان يونس، التي وجدت في تصميم الأكواب والبلايز طريقا مختلفا لكسب بعض الدخل.
تعرض ياسمين منتجات تحمل رسومات مستوحاة من التراث الفلسطيني، بينها العلم الفلسطيني ومفتاح العودة والتطريز التراثي. تصمم الرسومات بنفسها، فيما لا تستغرق طباعتها على الكوب سوى دقيقتين او ثلاثة، لكن الطريق من امتلاك المهارة إلى بناء مشروع مستقل لا يبدو بالسهولة نفسها؛ إذ يحتاج إلى رأس مال وفرص بيع مستمرة، تتجاوز أيام المعارض والبازارات.
وصلت ياسمين إلى الضفة مرافقة لأختها الحامل بتوأم، الذي ولد مبكرا، وبقيت الطفلتان في الحضانة مع اندلاع الحرب. ومع الأعباء الأسرية والمعيشية، وجدت فرصة للعمل من خلال مركز الدعم النفسي والإرشاد القانوني، بعدما تعرفت إليه خلال زيارات المؤسسات للنساء القادمات من غزة.
لم يكن التصميم والطباعة مجال عملها من قبل؛ فقد تنقلت بين فرص عمل مؤقتة، قبل أن تبدأ بالعمل في الزراعة ثم تنتقل إلى التصميم داخل المركز. وتوضح أن عملها الحالي يتيح لها العمل عشرة أيام في الشهر مقابل أجر مقطوع، وهو ما ساعدها على تحسين وضعها المعيشي، لكنه لا يوفر دخلا منتظما أو دائما يغطي احتياجاتها على مدار الشهر.
وتواجه ياسمين تحديا آخر يتمثل في تحويل هذه التجربة إلى مشروع خاص. فإلى جانب الحاجة إلى رأس المال، تفرض مسؤوليات الأسرة وضيق الوقت مخاوف من خوض تجربة قد لا تنجح في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وترى أن الإقبال على المنتجات يكون أفضل عندما يطلب الزبون تصميما خاصا، فيما تتفاوت المبيعات في البازارات من مرة إلى أخرى.
وتأمل أن تتوسع فرص الإنتاج والتسويق، وأن تجد منتجاتها طريقا إلى عدد أكبر من المشترين، بما يساعدها على تحويل المهارة التي اكتسبتها إلى مصدر دخل أكثر استقرارا.
من المهارة إلى مصدر دخل
تجربة ياسمين واحدة من محاولات دعم النساء وتمكينهن اقتصاديا التي يعمل عليها مركز الدعم النفسي والإرشاد القانوني، من خلال التدريب المهني وإتاحة فرص العمل والتسويق للمنتجات.
وتقول فاطمة عبده، رئيسة الجمعية، إن المركز يقدم خدمات مجانية للدعم النفسي والإرشاد القانوني، إلى جانب برامج تدريبية تستهدف مساعدة النساء على اكتساب مهارات يمكن الاستفادة منها في العمل والإنتاج. وشملت التدريبات صناعة الصابون، والرسم على الزجاج، والتطريز، وأعمال القش وغيرها، كما خصصت زاوية «تراثيات» لعرض المنتجات وتعريف الجمهور بها.
وتضيف عبده أن المركز يسعى إلى تسويق منتجات المستفيدات عبر المعارض والبازارات، والاستفادة من زيارات المؤسسات والمتضامنين الدوليين، إلى جانب صفحات التواصل الاجتماعي، بما يتيح للنساء فرصا أوسع للوصول إلى المشترين.
وتشير إلى أن جهود المركز شملت توفير فرص عمل لنحو 20 امرأة من نساء غزة العالقات، إلى جانب نحو 30 شابا، ضمن برامج تستهدف مساندتهم في ظروفهم المعيشية الصعبة. كما أتاحت برامج التدريب لبعض المستفيدات الانتقال إلى العمل؛ إذ تمكنت امرأتان تدربتا على إعداد الحلويات من العمل في المطعم الذي تلقتا التدريب فيه.
لكن عبده توضح أن العقبة الأبرز أمام تأسيس مشاريع مستقلة تبقى نقص رأس المال، إلى جانب أعباء السكن والغذاء والملابس واحتياجات الأطفال، في ظل غياب دخل ثابت. فامتلاك المهارة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع؛ إذ تحتاج النساء أيضا إلى تمويل أولي، وقنوات تسويق مستمرة، وفرص عمل تضمن لهن الاستمرار.
وتبرز هذه التحديات في تجربة ياسمين، التي وجدت في التدريب والعمل فرصة لتحسين دخلها، لكنها ما زالت تبحث عن مسار يتيح لها تجاوز العمل المحدود إلى مصدر رزق أكثر استقرارا.
بازار الخان.. مساحة للتسويق وتحريك الاقتصاد
وفي هذا السياق، يأتي بازار الخان الذي تنظمه سلطة النقد الفلسطينية في خان الوكالة بالبلدة القديمة في نابلس، جامعا 40 سيدة من صاحبات المشاريع الصغيرة، تتنوع منتجاتهن بين التصنيع الغذائي والحرف اليدوية وغيرها من المشاريع النسوية.
وقال مهند سلعوس، رئيس قسم الشمول المالي في سلطة النقد الفلسطينية، إن البازار يهدف إلى دعم المشاريع النسوية وتطويرها، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد الفلسطيني وتحريك عجلته، من خلال إتاحة الفرصة أمام صاحبات المشاريع لعرض منتجاتهن والوصول إلى جمهور أوسع.
وتمنح هذه المبادرات صاحبات المشاريع مساحة لعرض إنتاجهن مباشرة أمام الجمهور، والتعريف بمنتجاتهن، واستقطاب زبائن جدد. كما تشجع على شراء المنتجات المحلية، وتوفر فرصة للتواصل بين صاحبات المشاريع والمستهلكين في مكان يحمل قيمة تاريخية وتجارية في قلب نابلس القديمة.
ويشجع البازار الزوار على التسوق من منتجات المشاريع النسوية، مع منح كل عملية شراء بقيمة 50 شيقلا فرصة للدخول في السحب على أجهزة حاسوب محمولة.
وبين طاولات المنتجات الغذائية والحرف اليدوية، تتجسد أهمية البازار في كونه أكثر من مساحة مؤقتة للبيع؛ فهو نافذة للتعريف بالمشاريع الصغيرة، وفرصة لاختبار السوق والوصول إلى مستهلكين جدد. غير أن الأثر الاقتصادي الأوسع لهذه المبادرات يظل مرتبطا بقدرتها على فتح قنوات تسويق مستمرة، وتوفير فرص عمل منتظمة، ومساعدة صاحبات المشاريع على تجاوز عقبة رأس المال.
بالنسبة إلى ياسمين، قد يكون الكوب المطبوع أو البلوزة المصممة بعناية بداية لمسار مهني جديد، لكن استدامة هذا المسار تحتاج إلى ما هو أبعد من المشاركة في بازار. فبين المهارة والقدرة على كسب العيش، تقف الحاجة إلى فرص حقيقية تتيح للنساء تحويل إنتاجهن إلى دخل منتظم، وتمنح مشاريعهن الصغيرة فرصة للنمو والاستمرار.
مواضيع ذات صلة
بازار الخان.. حين تتحول الحِرف النسوية إلى نافذة للأمل الاقتصادي
وزارة المالية والتخطيط تمكن 4 بلديات كبرى من جباية رسوم المهن والحرف لأول مرة
شنار يطلع السفير المصري على التحركات العربية والدولية لمواجهة التحديات المصرفية الفلسطينية
العامور: "صنع في فلسطين" عنوان للإرادة الوطنية وتعزيز الإنتاج المحلي وبناء اقتصاد مستقل
بنك فلسطين يشارك في حفل إطلاق برنامج تمويل الاقتصاد الأخضر التابع للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية
شنار: تعزيز صمود المنشآت الاقتصادية ومتابعة التحديات المصرفية والتجارية على رأس أولويات سلطة النقد
بورصة فلسطين تفوز بعضوية مجلس إدارة اتحاد أسواق المال العربية للدورة الثانية على التوالي