ذاكرة القراءة في الثمانينيات
مهيب البرغوثي

من الكتب التي ما زالت عالقة في ذاكرتي من فترة الثمانينيات من الشعر، كان نيرودا ولوركا وناظم حكمت؛ ناظم حكمت الذي علمني كيف أنظر إلى الحياة، ذلك الشاعر الذي أمضى نصف حياته في السجن عقوبة على مطالبته بالحرية.
أما محمود درويش، فكان بالنسبة إلي شاعرا لا يشبه الشعراء الآخرين. كان ابن اللغة، لا يسلم مفاتيحه للقارئ بسهولة، ولا يمنحه معنى جاهزا. حين كنت أقرأه، كنت أشعر أن الكلمات تتنفس، تطير، ترقص؛ كأنه منشور سري ممنوع أن يراني أحد أحمله أو أقرأ فيه.
في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت القراءة بالنسبة إلى كثير من أبناء جيلي ملاذا وهروبا من ضجيج الواقع، وطريقا أقرب إلى الوطن والحرية، كان درويش، وبركات، وماركيز، ويوسا، ورامبو، وباث، وسكستون، إضافة إلى القعيد، ومحفوظ، وسعد الله ونوس، وحيدر حيدر، ومؤنس، ومنيف، والرزاز، وأنطون سعادة، وأسعد الأسعد، وسميح القاسم، والسياب، ومظفر النواب ،وغوركي، والكثير الكثير من هؤلاء، لهم الفضل في تشكيل هويتي الثقافية وبلورتها، ثم هويتي السياسية.
ولعل أكثر من أثر في تجربتي مع الرواية الفلسطينية، بعد عودتي إلى الوطن في اواخر التسعينات مع بدأ الحقبة السياسية الجديدة لما يسمى أدب بعد أوسلوا الوطن الذي حلمت به كثيرا، كان «الضوء الأزرق» حسين البرغوثي. قرأته أكثر من عشرين مرة، وفي كل مرة كنت أجد شيئا جديدا لم أكتشفه في المرة التي سبقتها.
وأذكر أنني، ذات سهرة امتدت حتى الصباح، كعادة حسين في جلساته، سألته ونحن في كوبر، نمشي مع أول خيوط الفجر بين الجبال والوديان:
* هل حقيقة هناك بري؟
نظر إلي فجأة، وتوقف عن المشي، وأخذ نفسا عميقا، ثم نظر نحو أول خيوط الشمس وهي تشق طريقها إلى الأفق، وقال:
* ما رأيك أنت؟
قلت: حقيقة لا أعرف. لكن إذا كان بري وسوزان موجودين، فهذا عظيم، وإن لم يكونا موجودين وكانا مجرد خيال، فهذا أيضا خيال رجل ليس بسيطا.
قال حسين، والابتسامة على وجهه:
أعتقد أنني إذا استطعت أن أجعل القارئ يصل إلى هنا، فأنا استطعت أن أصل إلى ما أريد.
كانت القراءة تشكل بعدا وطنيا في جميع مراحلها ومكوناتها، من دون أن نمل من البحث عن أي كتاب نسمع عنه. ولنا أن نشكر في هذا المجال تجربتين كانتا من أهم التجارب في الطباعة والنشر والتوزيع.
التجربة الأولى كانت دار رادوغا في موسكو، التي طبعت الأدب الروسي القديم والحديث، وكانت أسعار كتبها زهيدة جدا، واستطعنا من خلالها أن نصل إلى معظم تجارب كبار الكتاب الروس.
أما التجربة الثانية، في أرض العروبة، فكانت دار المأمون للترجمة والنشر، التي تأسست عام 1976. وكان أول كيان قانوني للترجمة في العراق يعرف بـ«هيئة الترجمة المركزية»، للإشراف على حركة الترجمة ورعايتها، وكان ذلك الكيان البذرة التي نشأت منها دار المأمون للترجمة والنشر في منتصف عام 1980، نظرا إلى الحاجة الماسة إلى دائرة متخصصة تستوعب التطور الحاصل في الترجمة بمختلف أوجهها وغاياتها.
كانت هاتان التجربتان، دار رادوغا ودار المأمون، بالنسبة إلى جيلنا أكثر من مجرد مؤسستين للطباعة والنشر؛ كانتا نافذتين واسعتين على عالم لم تكن أبوابه مفتوحة بسهولة.
كنا نبحث عن الكتاب كما يبحث عن شيء ثمين، ونتعامل معه بوصفه ضرورة لا ترفا، وبوصف القراءة فعلا من أفعال المقاومة الهادئة.
كان الكتاب يصل إلينا أحيانا بعد رحلة طويلة، فنقرأه بشغف من يعرف أن ما بين يديه ليس مجرد أوراق، وإنما عالم كامل يمكن أن يغير شيئا في داخله. كانت الكتب الروسية، والروايات المترجمة، والشعر العالمي تصل بأسعار يستطيع الطالب والشاب محدود الدخل أن يحتملها، ولذلك أصبح من الممكن أن نقرأ تولستوي، ودوستويفسكي، وتشيخوف، وغوركي، وأن نعبر، من خلال الترجمة، إلى عوالم أخرى لم نكن نعرف عنها إلا القليل.
اليوم، حين أعود بذاكرتي إلى قراءات التسعينيات، أتذكر أن بعض الكتب لا تبقى معنا بسبب الحكاية التي روتها، وإنما بسبب الأثر الذي تركته فينا.
وهذا هو الأثر الذي تركه جبرا إبراهيم جبرا في داخلي: أنك تستطيع أن تجعل من اللغة وطنا.
لهذا أعود إليه بين وقت وآخر، لا لأبحث عن النص الذي قرأته ذات يوم، وإنما لأكتشف ما الذي تغير في منذ تلك القراءة.
فالنصوص الكبيرة لا تتغير وحدها؛ نحن الذين نتغير، ثم نعود إليها فنجد أنها كانت تنتظرنا في مكان آخر.
مواضيع ذات صلة
"حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي.. عشر حكايات لفهم فلسطين
كرتلات الكتب.. يوميات الحياة والحرب في غزة
ذاكرة القراءة في الثمانينيات
رؤى معلقة في لغة الفرشاة.. إلى الفنان إبراهيم النوباني
معرض بغداد الدولي للكتاب يفتح أبوابه للقراء
القاهرة تستعيد نجيب محفوظ في الذكرى الـ20 لرحيله
"إرث مريم".. عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية