العودة إلى المدارس في الخليل.. إصرار على تحدي الأزمات وتفاؤل بعام أفضل وآمن

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي-تبدأ الطالبة أسيل الشويكي، في الصف الثالث الأساسي، عامها الدراسي الجديد في مدرستها الحكومية، بعدما أنهت الصفين الأول والثاني في مدرسة خاصة؛ تبدأه بهمة ونشاط وحيوية، وبقدر كبير من التفاؤل، رغم ما يكتنف العام الدراسي من صعوبات، في مقدمتها الأزمة المالية، وعدم انتظام صرف رواتب الموظفين، وانعكاساته على الدوام الرسمي.
وقفت الطالبة أسيل في طابورها الصباحي، برفقة زميلاتها، تستمع باهتمام إلى التعليمات التي كانت مديرة المدرسة توجهها للطالبات، فيما كانت كلماتها تبث الأمل والتفاؤل بعام دراسي جديد، وتحثهن على الجد والاجتهاد والتمسك بالتعليم مهما كانت الظروف.
لم تكن أسيل وحدها في ذلك الصباح؛ ففي مختلف أنحاء محافظة الخليل، عاد آلاف الطلبة إلى مقاعد دراستهم، حاملين حقائبهم ودفاترهم، ومعها فيض من الأحلام الصغيرة، في واقع دراسي استثنائي تتقاطع فيه التحديات الاقتصادية مع إجراءات الاحتلال وممارسات المستوطنين وانتهاكاتهم.
وانتظم 223 ألف طالب وطالبة في مدارس مديريات محافظة الخليل الأربع: الوسط، والشمال، والجنوب، ويطا، وسط تأكيد رسمي على ضرورة توفير البيئة التعليمية الآمنة، خاصة في المناطق المغلقة والمحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، وأهمية تضافر جهود جميع المؤسسات الرسمية والمجتمعية لدعم المدرسة، وتعزيز صمود أهلها، وضمان حق الطلبة في التعليم رغم كل التحديات.
في مدرسة دير رازح الأساسية المختلطة جنوب المحافظة، افتتح محافظ الخليل خالد دودين العام الدراسي الجديد، بحضور مدير تربية وتعليم جنوب الخليل ياسر محمد.
وأشار المحافظ دودين إلى أن مدرسة دير رازح تواجه ظروفًا صعبة نتيجة انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه، مؤكدًا أن استمرار العملية التعليمية في ظل هذه التحديات يجسد إرادة الصمود والتمسك بالأرض والحق في التعليم، مشددًا على ضرورة توفير الحماية والدعم للمدرسة وطلبتها وكادرها التعليمي.
وثمّن دودين جهود وزارة التربية والتعليم، والهيئة التدريسية، وأهالي الطلبة في مواصلة العملية التعليمية رغم الظروف الصعبة، مؤكدًا أن محافظة الخليل ومؤسساتها ستواصل العمل على مساندة المدارس والطلبة في مختلف مناطق المحافظة، وخاصة المناطق التي تتعرض للاعتداءات والانتهاكات.
وأكد مدير تربية الجنوب أن هذا الافتتاح جاء من مدرسة دير رازح في ظل ظروف استثنائية فرضتها دولة الاحتلال ببناء مستوطنة ملاصقة لجدار المدرسة، في رسالة لاستمرار الانتهاكات الصارخة بحق المؤسسات التعليمية والتضييق عليها وتهجير طلبتها، مشددًا من قلب المدرسة على أن الصمود هو العنوان، وأن المدرسة ستبقى شامخة، تؤدي رسالتها بكل عزيمة وإصرار، في ظل غطرسة المستوطنين المجاورين لها.
وأشار د. ياسر إلى أن أكثر من 65 ألف طالب وطالبة ينتظمون على مقاعد الدراسة في مدارس المديرية، لافتًا إلى أنه تم استحداث أربع مدارس جديدة، وأربع وحدات مهنية، وشعبتين للصف العاشر المهني، وعدد من الغرف الصفية، مؤكدًا الجهوزية التامة في مدارس جنوب الخليل لبدء العام الدراسي الجديد.
وفي وسط الخليل، عاد 77 ألف طالب وطالبة إلى مقاعدهم الدراسية في مدارسهم، من بينها مدارس قرطبة، والإبراهيمية، والفيحاء، وزياد جابر، وياسر عمرو، التي تكتنفها ظروف صعبة وقاسية جراء مجاورة البؤر الاستيطانية لها بشكل مباشر. فلم يكن المشهد في هذه المدارس اعتياديًا؛ إذ تحيط الحواجز والأسلاك الشائكة بهذه المدارس، فيما يواجه الطلبة والمعلمون إجراءات تعيق وصولهم إليها.
وقال مدير التربية والتعليم في وسط الخليل عاطف الجمل إن العام الدراسي الجديد بدأ في الخليل وسط إصرار على انتظام الدراسة وتحدي الصعوبات التي تواجهها على مختلف الصعد، مؤكدًا أن مديريته تعمل على تذليل العقبات وتوفير الاحتياجات التعليمية، لا سيما في المدارس المحاصرة.
وأضاف: "حريصون على تواجد الطلبة في مدارسهم باستمرار، وتوفير كل المحفزات وكل ما يحتاجه الطلبة لتسهيل الحالة الدراسية، وتوفير الخط الآمن بالتعاون مع الجهات الرسمية المختصة لوصول الطلبة ومعلميهم إلى مدارسهم."
وفي تربية يطا، ومن بين الجبال التي تشهد على الصمود، افتتحت "مديرية يطا" عامها الجديد من مدارس منطقة زيف، في ظل ظروف استثنائية تعيشها المنطقة، وما تواجهه المدارس والمجتمعات المحلية من سياسات الاحتلال واعتداءات المستوطنين وعربدتهم المتواصلة، إلى جانب التهديد بالهدم والتضييق وإعاقة وصول الطلبة والمعلمين إلى مدارسهم، في محاولات تستهدف حق أبناء شعبنا في التعليم وتهدد أمنهم واستقرارهم.
ورغم كل هذه الممارسات، صدحت أصوات الطلبة في ساحات المدارس من جديد، وعاد المعلمون إلى صفوفهم، ليؤكد المشهد أن المدرسة الفلسطينية لا تنكسر، وأن الجرس سيبقى يقرع، وأن التعليم سيبقى فعل حياة وصمود وأمل.
مدير التربية بسام جبر بيّن أن اختيار منطقة زيف لافتتاح العام الدراسي يحمل رسالة وطنية وتربوية وإنسانية، مفادها أن حق أطفالنا في التعليم لا يمكن أن يكون رهينة للخوف أو التهديد، وأن مدارسنا ستبقى منارات للعلم، ومساحات آمنة للأمل، وحاضنة لأحلام أبنائنا.
وأشار إلى أن ما تتعرض له المنطقة من اعتداءات الاحتلال وعربدة المستوطنين لن يثني الأسرة التربوية عن أداء رسالتها، مؤكدًا أن وجود الطلبة والمعلمين في مدارسهم هو بحد ذاته إعلان تمسك بالأرض والتعليم والحياة.
وتوجه نحو 36 ألف طالب وطالبة إلى مدارسهم في مناطق تربية يطا جنوب محافظة الخليل.
أما في شمال الخليل، فقد افتتح العام الدراسي بعودة نحو 45 ألف طالب وطالبة إلى مدارسهم، وبدأ الافتتاح من مدرسة ذكور سعير الثانوية، التي ارتقى أحد طلبتها قبل نحو شهر، وتكريمًا لطلبتها الجرحى والأسرى؛ في مشهد تختلط فيه بداية عام جديد بذكرى طلاب غابوا عن مقاعدهم، وبقوا حاضرين في ذاكرة مدرستهم وزملائهم.
وأكد مدير التربية ياسر صالح أن اختيار مدرسة سعير لانطلاق العام الدراسي يحمل دلالات وطنية وتربوية عميقة، وفاءً للشهيد كريم شلالدة، وتقديرًا للطالب الجريح عبد الفتاح الفروخ، ووفاءً للأسرى، مشددًا على أن التعليم الفلسطيني سيبقى عنوانًا للصمود وبناء الإنسان الواعي المتمسك بعلمه وهويته ووطنه.
ومع ذلك، عادت أبواب المدارس مفتوحة، والطوابير الصباحية مصطفة في ساحاتها، والمعلمون يقفون أمام طلبتهم، فيما حمل الأطفال حقائبهم ومضوا إلى فصولهم.
أسيل الشويكي، التي بدأت عامها الثالث في التعليم، ربما لا تدرك كل تفاصيل الأزمات التي تحيط بواقع التعليم والحالة الدراسية، لكن كل ما تعرفه هو أن تبدأ دراستها من على مقعدها الذي انتظرته لثلاثة أشهر، كي تعيد لها "حياتها" باقتناء كتب جديدة واللقاء بزميلاتها وصديقاتها كل صباح، على نفس الأمل والتفاؤل الذي يتملك الأهالي بأن تبقى مدارسهم مصرة على الاستمرار والمضي، رغم ما يحيط بها من أزمات.
مواضيع ذات صلة
انجاز جديد للشطرنج الفلسطيني... الحكمتان الفلسطينيتان سعاد الحداد وسارة ناصر الدين تنالان لقب حكم اتحادي دولي في الشطرنج
الرئيس يهنئ الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بإعادة انتخابه ويؤكد اعتزازه بمواقف البرازيل الداعمة لفلسطين
سناء السرغلي تجسد الأكاديمية الدبلوماسية وتنقل صوت فلسطين إلى العالم
الاحتلال يشرع بهدم منشآت زراعية وتجارية قرب قرية حداد السياحية جنوب جنين
تصاعد الاعتداءات منذ عام 2022: أكثر من 482 اعتداء منذ بدء موسم الزيتون 2026
رام الله: الاحتلال يداهم منازل في دير أبو مشعل ودير عمار وجمالا
اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية: تداعيات العدوان وتحديات الحماية والتمكين