عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 25 تموز 2026

من مجدل شمس إلى حلحول.. ضياء كراجة يعيد رسم خريطة الكرز الفلسطيني

نقل حلمًا وُلِد بين بساتين الجولان إلى جبال الخليل فحوّل "الذهب الأحمر" إلى تجربة فلسطينية نابضة بالحياة

 

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم يكن المهندس ضياء كراجة يبحث عن شجرة جديدة يزرعها في أرضه، بقدر ما كان يبحث عن فكرة تستطيع أن تمنح الأرض حياة مختلفة. في كل موسم كان يشد الرحال إلى الجولان السوري المحتل، لم يكن يعود محمّلًا بصناديق الكرز فحسب، بل بأسئلة ظلت ترافقه سنوات طويلة: لماذا ينجح الكرز هناك ولا يجد مكانًا له في جبال الخليل؟ وهل يمكن أن تصبح حلحول يومًا مقصدًا لعشاق هذه الثمرة كما كانت مجدل شمس؟

ذلك السؤال البسيط، الذي وُلد بين سفوح الجولان عام 2018، لم يبقَ مجرد خاطر عابر، بل تحول إلى مشروع حمل كثيرًا من المغامرة والإصرار، حتى أثمرت أول شجرة كرز في حلحول بعد عام واحد فقط، لتبدأ معها حكاية مختلفة، لا تتعلق بمحصول زراعي جديد، بل بمحاولة إعادة رسم جزء من المشهد الزراعي الفلسطيني.

يقول كراجة، وهو مهندس زراعي نشأ في بيت يعتبر الأرض جزءًا من هويته، إن علاقته بالزراعة بدأت منذ الطفولة إلى جانب والده "أبو علاء"، لكن رحلاته المتكررة إلى الجولان هي التي أيقظت داخله حلمًا بدا للكثيرين مستحيلًا. فالتشابه بين جبال الجولان وجبال حلحول، من حيث الارتفاع وبرودة الشتاء، جعله يؤمن بأن المشكلة لم تكن يومًا في المناخ، بل في الجرأة على خوض التجربة والمعرفة العلمية اللازمة لإنجاحها.

عاد إلى منزله ليبدأ رحلة طويلة من البحث والدراسة، فاستصلح الأرض، واختار الأصول المناسبة، ودرس احتياجات الشجرة من ساعات البرودة والري والتسميد، ثم غرس أول شتلة في أيلول عام 2019 بتمويل ذاتي وبمساندة والده وإخوته، قبل أن تحمل مزرعته اسم "النبعة"، نسبة إلى نبع الماء الذي وفر للمشروع أحد أهم عناصر استمراره.

لم يكن الطريق معبدًا بالنجاح، لأن الحصول على أشتال موثوقة كان تحديًا بحد ذاته، كما أن ارتفاع أسعارها، وغياب الخبرة المحلية بزراعة الكرز، جعلا كل خطوة تحمل قدرًا من المخاطرة. ومع ذلك، لم يعتمد كراجة على الحظ، بل على المعرفة؛ فاستفاد من الخبرات المتراكمة في الجولان، وكيّفها مع البيئة الفلسطينية، حتى أثبت أن نجاح الكرز لا يرتبط بالشتلة وحدها، بل بحسن اختيار الأصل والإدارة الزراعية الدقيقة.

 ورغم أن الجولان يتمتع بأمطار أوفر وينابيع أكثر، فإن حلحول امتلكت ميزة لم تكن في الحسبان؛ إذ ينضج الكرز فيها قبل الجولان بأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما يمنح المنتج فرصة تسويقية أفضل. لكن تلك الأفضلية جاءت مع تحديات أخرى، أبرزها شح المياه، واعتداء الطيور على الثمار، الأمر الذي اضطر المزارعين إلى تغطية الأشجار بالشباك، وهي تكلفة إضافية لم تكن واردة في الحسابات الأولى.

ويؤكد كراجة في حديثه لـ "الحياة الجديدة" أن نجاح التجربة لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا أمام المزارعين. لأن تكاليف التأسيس لا تزال مرتفعة، ومصادر المياه محدودة، والخبرة الفنية بهذا المحصول ما زالت في بداياتها، فضلًا عن منافسة المنتجات الإسرائيلية. ومع ذلك، يرى أن الكرز يمتلك كل المقومات ليصبح محصولًا اقتصاديًا واعدًا إذا توفرت الأشتال الموثوقة، والإرشاد الزراعي، والدعم اللازم للمزارعين.

حين قرر المهندس كراجة فتح المزرعة أمام الزوار، لم يكن يتوقع أن تستقبل "مزرعة النبعة" أكثر من ثلاثة آلاف زائر خلال موسم واحد، قدموا من مختلف محافظات الضفة الفلسطينية، إلى جانب زوار من القدس والداخل الفلسطيني، ليقطفوا الكرز بأيديهم، ويعيشوا تجربة افتقدها الفلسطينيون منذ تعذر الوصول إلى الجولان. بالنسبة لكراجة، لم يكن المشهد مجرد نشاط ترفيهي، بل دليلًا على أن الفلسطيني ما زال يبحث عن صلته بالأرض، وأن الزراعة يمكن أن تتحول إلى مساحة للفرح كما هي مساحة للصمود.

ويعتقد أن ما بدأ كمبادرة فردية أسهم في نشر ثقافة السياحة الزراعية، بعدما شجع مزارعين آخرين على فتح بساتينهم أمام الزوار في مواسم العنب والبرقوق وغيرها، لتتحول الفكرة تدريجيًا إلى نشاط ينعش الاقتصاد الريفي ويعيد الناس إلى حقولهم.

بالنسبة له، لا تنفصل الزراعة عن البعد الوطني. في ظل ما يتعرض له المزارعون الفلسطينيون من تضييق واعتداءات، تصبح كل شجرة تُزرع رسالة تمسك بالأرض، وكل مشروع ناجح وسيلة لتعزيز صمود أصحابها. فحين يجد المزارع مصدر دخل كريمًا من أرضه، يصبح أكثر قدرة على حمايتها والاستمرار فيها.

ورغم النجاح الذي حققته التجربة، لا يرى كراجة أنها وصلت إلى نهايتها، بل يعتبرها بداية فقط. فهو يخطط لتطوير مزرعة "النبعة"، وتحسين مرافقها لاستقبال الزوار، وإدخال أصناف زراعية جديدة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، آملاً في أن تتحول إلى نموذج فلسطيني يجمع بين الإنتاج الزراعي والسياحة الريفية، ويثبت أن الأفكار الكبيرة قد تبدأ أحيانًا من سؤال بسيط، ومن شجرة واحدة فقط. أما النجاح، كما يقول، فلم يكن لينمو لولا إيمان والده "أبو علاء" بالفكرة منذ لحظتها الأولى، ووقوفه إلى جانبه في كل خطوة من رحلة تحويل الحلم إلى بستان.

بينما يواصل ضياء كراجة الاعتناء بأشجاره موسمًا بعد آخر، تبدو الحكاية أكبر من نجاح مشروع زراعي فردي. إنها قصة تؤكد أن الإيمان بالفكرة، حين يقترن بالعلم والإصرار، قادر على أن يفتح آفاقًا جديدة للزراعة الفلسطينية، ويحوّل ما كان يُعتقد أنه مستحيل إلى واقع يزهر على سفوح الجبال. ولعل حلحول، التي استعادت اليوم حضور الكرز في الذاكرة الفلسطينية، ليست سوى بداية لتجارب أخرى تنتظر من يؤمن بها. وتواصل "الحياة الجديدة" فتح نافذتها على هذه النماذج الملهمة، التي تثبت أن الأرض الفلسطينية لا تزال قادرة على إنتاج الأمل، تمامًا كما تنتج ثمارها، وأن وراء كل شجرة ناجحة حكاية تستحق أن تُروى.