عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 04 تموز 2026

تالا وفرح موسى.. شقيقتان من غزة تهزمان الحرب بـ "بناء الأمل"

من خيمة تطل على الركام إلى منصة الأمم المتحدة

رام الله– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لا يحتاج المواطنون في غزة إلى كثير من الوقت ليتعلموا معنى الفقد، يكفي صوت انفجار واحد كي تتغير الحياة كلها. بيت يختفي، شارع يصبح كومة حجارة، وذكريات عائلة كاملة تتحول إلى غبار عالق في الهواء. لكن وسط هذا الخراب، تولد أحياناً حكايات مختلفة، لا تبدأ من النجاة فقط، بل من محاولة إعادة اختراع الحياة نفسها.

هكذا بدأت قصة الشقيقتين تالا موسى (17 عاماً) وفرح موسى (15 عاماً)، اللتين لم تنظرا إلى الركام المحيط بهما باعتباره نهاية، بل بداية لفكرة صغيرة تحولت لاحقاً إلى مشروع عالمي حمل اسم "بناء الأمل – فلسطين"، ومنح صاحبتيه جائزة "الأرض" (The Earth Prize) عن منطقة الشرق الأوسط لعام 2026، بعد منافسة ضمت أكثر من ستة آلاف مشروع شبابي من أنحاء العالم.

الحكاية لم تبدأ في مختبر حديث، ولا داخل جامعة أو مركز أبحاث، بل من خيمة نزوح بسيطة، ومن نافذة كانت تطل يوميًّا على أنقاض البيت الذي قصفته الحرب.

 

من هنا.. بدأت الفكرة

تقول تالا في سياق حديث لـ "الحياة الجديدة": "إن اللحظة التي وصلهما خبر قصف المنزل كانت نقطة التحول الكبرى في حياتهما. لم يكن الأمر مجرد خسارة مكان للسكن، بل شعور ثقيل بأن الحرب تبتلع كل شيء: البيوت، الذكريات، والأمان. ومع مرور الأيام، صار الركام جزءاً من المشهد اليومي المحيط بهما، حتى بدا وكأنه يفرض سؤالاً دائماً: ماذا يمكن أن نفعل بكل هذا الخراب؟

وتضيف: "شعرنا أنه يجب أن نفعل شيئاً يساعد مجتمعنا المنكوب". لم ترد الشقيقتان الاكتفاء بمشاهدة الأنقاض تتكدس في الشوارع، فقررتا التفكير بطريقة مختلفة: لماذا لا يتحول الركام نفسه إلى مادة يمكن استخدامها من جديد؟

كانت الفكرة تبدو في البداية أقرب إلى الحلم. فتاتان صغيرتان وسط الحرب، تحاولان إجراء تجارب علمية في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. لكن تالا وفرح بدأتا رحلة طويلة من القراءة والبحث والتجريب، مدفوعتين بإيمان داخلي بأن غزة التي تُدمَّر كل يوم قادرة أيضًا على أن تخلق حلولها بنفسها.

اعتمد المشروع على إعادة تدوير مخلفات المباني المدمرة عبر تكسير الأنقاض وغربلتها، ثم خلطها بمواد رابطة مثل الطين والرماد، قبل تشكيلها وتجفيفها لتتحول إلى مكعبات بناء تُستخدم في أعمال غير إنشائية، مثل الأرصفة والقواطع وأحواض الزراعة.

ورغم بساطة الفكرة، فإن الوصول إلى تركيبة ناجحة لم يكن سهلاً.

تروي فرح لـ "الحياة الجديدة" أن أولى التجارب أُجريت في مساحة صغيرة بجانب الخيمة التي تعيش فيها العائلة، وهي مساحة تُستخدم عادة للغسيل والطهي. هناك، وسط الحجارة والغبار، بدأتا اختبار المواد وإعادة المحاولات مراراً، بينما كانت أصوات الحرب لا تغيب عن المكان.

أصعب ما واجهته الشقيقتان -كما تقولان لـ "الحياة الجديدة"، لم يكن الجانب العلمي فقط، بل ظروف غزة نفسها. فالمشروع بالنسبة لهما ليس مجرد فكرة مدرسية، بل خطة حقيقية لتدريب الشباب على إنتاج هذا النوع من المكعبات محلياً، والمساهمة في إعادة الإعمار مستقبلاً. لكن الحرب جعلت كل شيء أكثر تعقيداً، من غياب الأمان إلى نقص معدات السلامة الأساسية.

ورغم ذلك، لم تشعرا يوماً بأن الفكرة مستحيلة، فقد كان إلى جانبهما دعم عائلي واضح، خصوصاً من والدتهما، وهي مهندسة صناعية، ساعدتهما في الجوانب العلمية والتقنية، إلى جانب جدهما الذي شارك في التجارب الأولى. أما مصادر التعلم، فكانت الكتب والبحث الذاتي، والإصرار على الاستمرار مهما كانت الظروف.

وتؤكد الشقيقتان أن البيئة المحيطة، رغم قسوتها، وفّرت لهما المواد الأساسية للتجارب، لأن الركام كان موجوداً في كل مكان، وكأن غزة نفسها كانت تمنحهما أدوات المشروع.

وعن لحظة إعلان الفوز التي كانت بالنسبة لهما لحظة تختصر كل التعب، "كانت لحظة لن ننساها طوال حياتنا، شعورنا لم يكن مجرد فرح شخصي، بل إحساس بأننا نحمل اسم فلسطين إلى العالم. تقول فرح وتالا.

ولم يقتصر الأمر على الفوز بالجائزة. فقد وصلت قصة تالا وفرح إلى منصة الأمم المتحدة نفسها، بعدما ذكرت الناشطة المصرية مريم عبد السلام تجربتهما خلال كلمة ألقتها في احتفالية الذكرى الثمانين لتوقيع ميثاق الأمم المتحدة في نيويورك، التي جاءت مباشرة بعد كلمتي رئيس الجمعية العامة والأمين العام للأمم المتحدة.

بالنسبة لتالا، كان سماع اسميهما هناك أشبه بإشارة إلى أن الحلم بدأ يقترب فعلاً.

تحلم تالا بدراسة القانون الدولي، وأن تصبح في المستقبل سفيرة لفلسطين، تنقل حكاية شعبها إلى العالم من المنابر الدولية، وتدافع عن حقوق الفلسطينيين، وتعمل من أجل نشر السلام.

أما فرح، فتؤمن بأن مشروعهما يحمل رسالة تتجاوز حدود غزة نفسها.

"الشباب الفلسطيني يمتلك مواهب وأفكاراً وإبداعات كبيرة، لكنه يحتاج فقط إلى فرصة حقيقية كي يسمعه العالم"، تقول الشقيقتان، وتؤكدان: "الفلسطينيون يحبون الحياة ويتمسكون بها رغم كل شيء".

لا تريد تالا وفرح أن يبقى مشروعهما مجرد إنجاز رمزي أو قصة نجاح إعلامية. فخطتهما القادمة تقوم على استثمار منحة الجائزة في إنشاء ورش داخل غزة، لتدريب نحو مئة شاب وشابة في المرحلة الأولى على صناعة هذا النوع من المكعبات، ونقل المعرفة والخبرة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

وتحلمان بأن يتحول "بناء الأمل – فلسطين" مستقبلاً إلى نموذج عالمي يُستخدم في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية حول العالم، لأن الفكرة – كما تقولان – بسيطة وقابلة للتطبيق في أي مكان.

اعتاد الناس في قطاع غزة عدّ الخسائر كل صباح، بيما اختارت شقيقتان صغيرتان أن تبحثا عن شيء آخر وسط الركام، فرصة جديدة للحياة.

من بين حجارة البيوت المهدمة، صنعتا لنفسيهما، ولغزة، حكاية مختلفة: حكاية تقول إن الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب الدمار.