جنين تكتب روايتها...

جنين-الحياة الثقافية-عبد الباسط خلف- تهاطلت، الثلاثاء الماضي، أمطار نيسان بغزارة في جنين، التي شهدت ردهات مركز الطفل الثقافي فيها مخاض ميلاد رواية جديدة، تحمل اسم المدينة، وتصوغ روايتها بطريقتها الخاصة.
وعكف نقاد وأدباء وشعراء ومهتمون بالحراك الثقافي على تتبع النتاج الجديد لعضو الهيئة الاستشارية للائتلاف والحملة العربية للتعليم، ومنسق تعاونية "تعلم وتعليم الكبار" في جنين، والمربي والروائي نسيم قبها، الذي أسماه "جنين في جنين"، ضمن إطلاق رعته وزارة الثقافة بالتعاون مع بلدية المدينة، التي تقترب من إتمام 450 يوما من إعادة احتلالها.
ويقول الكاتب قبها لـ"الحياة الجديدة" إنه بعد طبعه للراوية، الصادرة عن "العائدون للنشر" عاد إلى حيرته لاختيار عنوان جديد لعمله الأدبي، الواقع في 20 فصلا، والممتد على 127 صفحة من القطع الصغير، ليدهش القارئ قبل انطلاق سرده.
وينحت الراوي، الذي أبصر النور في طورة، ابنة جنين الغربية، في عمله لوحة جديدة لجنين، خلت من الرصاص والبارود، وأطاحت فيها إرادة الحياة بطغيان النسيان، وغطرسة القوة.
ويضيف: نحن شعب من الرواة، وليس شعبا من السكان، وهو ما فعله السرد، الذي حول الرواية إلى وثيقة لفلسطيني يأبى أن يكون رقما.
ويشير قبها، الذي سبق أن رسم في روايته الأولى ملامح "شجرة العروس"، وهي البلوطة الباسقة في مدخل قريته، التي شهدت تاريخا اجتماعيا، ووثقت للمكان ولصاحبه.
ويرى أن عمله الذي أرخ للمدينة منذ نكبتها مرورا بنكساتها وخيباتها واجتياحاتها، لم يتسلح بالرصاص، ولم يأت على ذكره، وقدم للعالم صورة مغايرة لفلسطيني يحب الحياة، ويستطيع الدفاع عن نفسه بقوة الوجود.
ويؤكد قبها أنه خرج من عباءة الرواية التقليدية، التي أنهاها على غلافها الأخير بعبارة: "نحن هنا، ولنا جذور في الهواء".
وتجمع عناوين "جنين في جنين" حواريات، وفلسفة، وتاريخ، وإعادة كتابة للقهر الذي يلاحق المدينة، ويصبغ جدرانها وبيوتها وذكرياتها بالقهر المستدام.
ويدخل قبها، من أبواب: نسيج المخيم الحي، ودمار الذاكرة، والبداية من جديد، والذاكرة الحية، وضيق المساحة وسعة القلب، والوحوش المعدنية، والفجر الآتي، وحلقة الوصل، وعناوين أخرى، لكنه يفشي سره بأن الجنين يبصر النور في الفصل العشرين، في كناية على النهوض من تحت الرماد، الذي تصر عليها المدينة.
ويبوح: "الدبابة تستطيع أن تسوي الحقل، لكنها عاجزة عن منع البذرة المخبأة في الجيب، من الإنبات في مكان آخر."
ويكتب الراوي: "قرروا أن يكون للطفل اسمان: جنين، وفتحي، الاسم الأول يمثل مدينتهم وأملهم، والثاني يمثل جذورهم وتاريخهم."
ويتابع: إن الفجر الذي يلوح في الأفق ليس فجرا للجغرافيا، بل فجر للوعي الذي أدرك أن الحرية ليس مكانا نصل إليه، بل هي طريقة في السير.
ويقول أحمد أبو الهيجاء، مدير الهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات، عن الراوية لزميله قبها إنها تمثل ميلادا لحالة ثقافية، بالرغم من كل الألم والقهر الذي يحاصر المدينة.
ويجمع الأديب والباحث عمر عبد الرحمن، الذي أدار حفل توقيع الراوية، بين استعارات الراوية ودلالات عنوانها، ويقول إن جنين تؤلف بين زيتونة أم محمد الكنعانية، وسنابل القمح، وحكاية عين حوض، وهي حلوة المدائن، وزهرة الكواكب.
وينقش البروفيسور عمر عتيق، من جامعة القدس المفتوحة، لوحة نقدية للرواية، استهلها بالعلاقة بين لوحة الغلاف ومضمونه، التي اقترنت بعلاقة" تكاملية عضوية".
ويوالي في الإشارة إلى العنوان: إن الجنين الذي انحاز له السارد يبعث على البشرى والسعادة، وهو ما تحول إلى حقيقة ساطعة بعد 19 فصلا من الرواية.
ويختزل عتيق: تماهت الراوية مع الطبيعة وألوانها ومظاهرها، واستندت إلى لغة المجاز، وبرعت في لغة الوصف، واهتمت بأدق التفاصيل.
ويتابع: طوع قبها العلوم الطبيعية، والفلسفة، والفيزياء، والبيولوجيا، وألف بينها وبين الأحداث والشخوص، كما وظف المقتنيات كالمرآة والسبحة والكتاب القديم وربطة العنق وغيرها ببراعة.
وقدم مشاركون وشعراء إضاءات حول الرواية، وشخصوا قليلا واقع الحركة الثقافية، وحاكموا موقع القراءة المتراجع، ودعوا إلى ما يشبه "مصالحة" مع الكتاب.
وسبق ذلك، إشارات مهمة من ممثل وزارة الثقافة، فريد الشاعر، ورئيس قسم النشاطات الطلابية في "التربية والتعليم، عاهد أبو الرب، ومديرة مركز الطفل الثقافي، ميسون داوود، اللذان شددا على أهمية رعاية الأدباء، وتسليط الضوء على مبدعي جنين.
فيما اختتم الفنان الشعبي أبو الناجي بوصلة غنت لجنين ومجدت الرواية التي تحمل اسمها، وسارت بأهازيجها الشعبية بين استعارات فنية وأدبية.
مواضيع ذات صلة
حريته حريتنا.. مروان أيقونة النضال في عامه الرابع والعشرين خلف القضبان
جنين تكتب روايتها...
السوداني: إبداعات الأسرى ستبقى جسرا للحرية وانتصارا لشعبنا
الازدواج الأنطولوجي للزمن.. من خط الزمن إلى جرح اللحظة
مجزرة كفر قاسم في كتاب جديد لسامية حلبي
ستنتهي الحرب.. أما الحرية فستنتظر طويلا
"الحروب المتدحرجة" وملحق "الدولة والطائفية"