عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 05 نيسان 2026

رحلة أم إسراء من إسكاكا.. حين يتحول البيت إلى مشروع والتحديات إلى وقود للنجاح

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في قرية إسكاكا شرق سلفيت، لم تكن الحياة تسير كما أرادت لها هند عياش، المعروفة بـ"أم إسراء". بين ضيق الحال وغياب مصدر دخل ثابت، وجدت نفسها أمام خيارين: الاستسلام للواقع أو البحث عن بداية، مهما كانت متواضعة. اختارت الطريق الأصعب، وبدأت من خلية نحل واحدة.

 

بداية صغيرة بحلم أكبر

في حديثها لـ "الحياة الجديدة"، تستذكر أم إسراء البدايات وتقول: "علاقتي بالنحل لم تكن صدفة، بل امتداد لشغف قديم ورثته عن والدي، الذي كان يمارس تربية النحل كهواية. هذا الشغف تحول مع الوقت إلى فكرة مشروع، لكن بدافع يتجاوز الهواية، إذ أردت أن تكسر الصورة النمطية لدوري داخل المنزل، وأتحول إلى امرأة فاعلة ومنتجة في مجتمعي".

لم تكن البداية سهلة، لكنها كانت كافية لتفتح بابا واسعا. خلية النحل الأولى لم تكن مجرد مصدر عسل، بل كانت نقطة تحول في مسار حياة كاملة.

 

من مشروع منزلي إلى منظومة إنتاج

شيئا فشيئا، بدأت التجربة تتوسع. لم تكتف أم إسراء بتربية النحل، بل اتجهت إلى تربية الأغنام والدواجن والأرانب، إلى جانب الزراعة داخل البيوت البلاستيكية. لم يكن الهدف مجرد تنويع مصادر الدخل، بل بناء حالة من الاكتفاء الذاتي داخل المنزل.

وتوضح أن هذا التوسع جاء نتيجة قراءة احتياجات السوق المحلي، ومحاولة توفير منتجات تلبي مختلف الفئات، وهو ما ساهم في تحويل المشروع من مبادرة فردية إلى مصدر دخل فعلي للعائلة، إضافة إلى تقليل الاعتماد على السوق الخارجي.

داخل هذا العالم الإنتاجي الصغير، لم تكن أم إسراء تعمل وحدها. اعتمدت على توزيع الأدوار بين أفراد الأسرة، مع تنظيم دقيق للوقت، حيث خصصت لكل يوم مهمة محددة، ما ساعدها على إدارة مشاريع متعددة ضمن إطار منزلي.

وتؤكد أن زوجها شكل ركيزة أساسية في هذه الرحلة، من خلال دعمه النفسي ومشاركته في تنظيم العمل، وهو ما انعكس على استقرار الأسرة وتعزيز روح التعاون داخلها. كما شارك الأبناء في العمل، الأمر الذي أسهم في تنمية مهاراتهم، ودفعهم للتفكير في إطلاق مشاريعهم الخاصة مستقبلا.

لم يكن الطريق خاليا من العقبات، بل واجهت أم إسراء تحديات اجتماعية واقتصادية قاسية، أبرزها عدم تقبل فكرة أن تقود امرأة مشروعا في مجال مثل تربية النحل، وهو ما جعلها عرضة لانتقادات متكررة.

لكنها، كما تقول، لم تسمح لهذه النظرة أن تعيقها، بل حولتها إلى دافع للاستمرار. ومع مرور الوقت، تغير موقف المجتمع، ليصل الأمر إلى أن بعض المنتقدين باتوا يطلبون مشورتها لبدء مشاريعهم الخاصة.

أما على المستوى الاقتصادي، فواجهت أزمات تتعلق بنقص الموارد، لكنها اعتمدت على الصبر، ومضاعفة الجهد، والبحث المستمر عن حلول، إلى جانب التعلم الذاتي في تطوير عملها.

تشير أم إسراء في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" إلى أن اللحظة الفارقة في رحلتها كانت حين بدأ المشروع يحقق الاكتفاء الذاتي للأسرة، ويوفر دخلا إضافيا. عندها أدركت أن ما بدأ كفكرة بسيطة أصبح ركيزة أساسية في حياتهم.

هذا التحول لم يقتصر على الجانب المادي، بل امتد ليشمل شعورا عميقا بالإنجاز، خاصة في قدرتها على توفير حياة كريمة لبناتها الست، اللواتي شكلن الدافع الأكبر لكل ما قامت به.

تقول أم إسراء إن مسؤوليتها كأم كانت المحرك الأساسي لقراراتها، حيث سعت إلى تمكين بناتها ومنحهن الاستقلال، وهو ما انعكس في نجاحهن التعليمي والمهني. وترى أن هذا النجاح هو الهدف الحقيقي الذي بدأت من أجله.

وتلخص تجربتها بالقول: إن الخوف لم يكن خيارا يوما، لأن التردد في المحاولة هو العجز الحقيقي.

رغم ما حققته، لا ترى أم إسراء أن رحلتها انتهت. تطمح إلى أن يصل اسم "منتجات الياسمين" إلى كل بيت فلسطيني، مؤكدة أن التطوير المستمر هو جزء أساسي من أي نجاح.

توجه أم إسراء رسالة واضحة للنساء اللواتي يواجهن ظروفا صعبة: البداية لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، بل إلى إرادة. وتؤكد أن مشروعا بسيطا، حتى لو بدأ بقفص دجاج أو أرنب، يمكن أن يكبر مع الوقت ليصبح مصدر دخل واستقرار.

وترى أن المشاريع الصغيرة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الأسر، إذا ما توفرت الإرادة والاستمرارية.

في قصة أم إسراء، لا يتعلق الأمر بمشروع زراعي أو إنتاجي فحسب، بل بنموذج لحياة صنعت من الإرادة. من خلية نحل واحدة، تشكلت حكاية بيت مكتف.. وأمل يتوارثه جيل بعد جيل.