"طلقة في الاسم".. شعرية التعبير عن عبثية الواقع
راسم المدهون*

الشاعر الفلسطيني الذي يقيم في رام الله مهيب البرغوثي يقف وحيدا في مساحة رؤيته الخاصة للعالم والحياة من حوله، وهو يذهب مباشرة إلى تلك الرؤية كي تكون روايته الصادقة عن كل ما نعيشه في أزمنتنا المسكونة بالحروب العبثية والتدمير، وما فيهما من بشاعة تفترس الأرواح، وتضع الإنسانية برمتها في صورة حياة أصبحت "مأزقا" وجوديا وعاطفيا.
في مجموعته الشعرية الجديدة "طلقة في الاسم" (منشورات المتوسط – ميلانو – إيطاليا – 2026) يقارب مهيب البرغوثي حالة العبث التي تحيط بالإنسان الفلسطيني، والتي تحيل كل شيء إلى مشاهد أقرب إلى الكابوس من خلال مشاهدة ما يرى، وأيضا من خلال اللغة التي يستخدمها، بل لنقل اللغة التي يزجها بانتباه جميل في حمأة ذلك الخراب وعبثيته كي تأتينا مزدحمة بكل ما في القسوة من بهاء يضعها في مقام البطولة:
"حفلة هستيرية لباخ وفريدا في غزة
أكيد... الآن يمارسان طقسا من طقوس الحب
في المساء مع نهاية العام
باخ يعزف وفريدا ترقص
والسماء تمطر"
ما تعيشه قصائد مهيب البرغوثي يأتي أولا من تلك الأجواء والعوالم التي تمزج صور الأماكن والأزمنة واللغات والفنون في حالة "اختلاط" لا يبتغي أن تعيد القصيدة فرز عناصره، بل يترك كل ذلك "الاختلاط" يؤسس مشهده ويؤثثه بمفردات متباعدة ومتناقضة، لكنها في اجتماعها تنجح في تشكيل حالة شعرية بالغة الخصوصية نعيش معها. فالبرغوثي يكتب من قناعات شعرية مختلفة أساسها رؤيته الخاصة والمختلفة للشعر وغاياته وبنائيته على صعيدي الشكل والمضمون. نحن أمام قصائد فلسطينية تأتي من مخيلة شاعر فلسطيني، ولكنها في الوقت نفسه تذهب نحو ينبوع "آخر" مختلف ويقع في مساحات فكرية بعيدة عن تلك التي أصبحت معتادة في كثير من الشعر الفلسطيني:
"أصحو دون نبوءة أو تعويذات
كان أمس يوما طويلا ورتيبا
كجثة مثقوبة بالماء
حين صحوت
كانت الحرب
في الحرب، لا حلم يكثف الرؤيا
ولا سماء صافية المعنى".
في "طلقة في الاسم" يبدو الموت كمعنى، كما كحوادث يومية، حاضرا بقوة ويتجول في كل الأماكن والأفكار، بل هو يشير كل مرة إلى نقيضه، الحياة بالذات. هذا المعنى نراه في قصائد كثيرة في صور مباشرة حينا، وغير مباشرة أحيانا أخرى، ونحن نتأمله في قصائد المجموعة باعتباره معنى أساسيا عميق التأثير يحكي عنه الشاعر ويدعه مرات أخرى يتحدث لنا مباشرة فنصغي، ونستعيد ونفكر:
"بين الموتى كنت
حين أبصرت الحياة
تحوم حولهم
كان الدخان يخرج من المقبرة
ويمنح ماء الخلود
كل زائر جديد".
"نحن أمام قصائد فلسطينية تأتي من مخيلة شاعر فلسطيني، ولكنها في الوقت نفسه تذهب نحو ينبوع "آخر" مختلف ويقع في مساحات فكرية بعيدة عن تلك التي أصبحت معتادة في الشعر الفلسطيني"
هي أيضا قصائد تأتي من لحظة القلق التي تحولت إلى لحظة دائمة ومتواصلة، وباتت زمانا كاملا يلف بجبروته البشر والشوارع، وتتحول معه الأحلام إلى هواجس ومشاهد طافحة بقسوة الواقع، بل ولا معقوليته:
"في الليل ونحن نعد
وليمة من تأخروا من الموتى
كانت الشواهد ترقص دون موتاها".
لغة مهيب البرغوثي حادة، ليس من خلال الكلمات، بل من خلال ما تكونه من مشاهد كاملة تحمل الكثير من تفسيراته البصرية لما يقع في الحياة من لا معقول فادح في غرائبيته وجموحه نحو مأساوية تتناسل وتعصف بالبشر والحياة ذاتها. القصائد هنا لهاث متواصل في براري مسكونة بعذابات كبرى وفجائع تأتينا في القصائد كيوميات، أو إذا شئنا الدقة كصور في ألبوم كامل فيه مرايا تزدحم بالسواد وتحكي قصصه وتفاصيله وإيقاعه في الروح:
"كسلم الموسيقى
أهدي إليها موتي
أغنية أغنية".
في نسيج ذلك كله تحضر رغبة التعبير بالشعر عن الحياة كحالة عصية وغريبة، وتأتي بالصدفة وتغيب فجأة وبدون سبب مقنع. هي قصائد تعيش الحياة على نحو يشير إلى غربتها، بل وغرابتها، وحضورها في صور أقرب للمصادفة:
"أجلس في المقهى
أنتظر الحياة
قد تمر في جنازة صبي لم يبلغ العاشرة
أو أراها في حديقة جارتي المجنونة
أو في مظاهرة لمن يطالبون بحقهم في الحياة
أجلس كل صباح أشرب قهوتي
وأنتظر أن تمر الحياة صدفة".
أهم ما في مجموعة مهيب البرغوثي الشعرية "طلقة في الاسم" هو اتكاؤها بالذات على الصور الشعرية، التي تنجح غالبا في تكوين مشهد حسي يمكن لنا استعادته، فهي مشاهد تمتلك جاذبية لها حضور درامي يحمل كثيرا من سردية خاصة، سردية تحتفظ بشعريتها وتمنحها سلاسة السبك الفني ورشاقته واحتفاظه ببساطة التعبير وكثيرا من التلقائية المقصودة والتي تنجح في تمويه قصديتها لصالح الفن الشعري وجمالياته. إنها تجربة شعرية مختلفة، وفيها جموح الرؤية كما جموح المخيلة وتعبيريتها والمناخات الفنية التي تمنحها للقارئ.
مهيب البرغوثي في "طلقة في الاسم" يأتي إلى الشعر محتشدا بمخيلة لها فضاء شاسع ومفتوح على فنيات تمنح القصائد وهجها وحضورها في سياق الحركة الشعرية الفلسطينية الجديدة، والتي باتت غابة كثيفة الأشجار وتحمل تنوعا غزيرا من خلال أصوات كثيرة لشعراء وشاعرات من الأجيال الفلسطينية كلها، خصوصا وأن شعراء القصيدة الفلسطينية الجديدة يأتون إلى الشعر بلياقة حرة من سطوة الأيديولوجيا وطغيانها خلال العقود السابقة.
-------------
*شاعر وصحفي فلسطيني يعيش في دمشق
مواضيع ذات صلة